التنمية ومخاطر التَّهجير

غلوسيا بوير وماثيو ماكينون

للتغير المناخي آثار لا يُستهان بها على حالات الطوارئ قد يغفلها أحيانًا تحدي التنمية. ومع ذلك، يُحدث تغير المناخ أنماطًا نظامية من التدهور الاجتماعي والاقتصادي تؤثر بدورها على عوامل التَّهجير بسبب الكوارث وتستلزم وجود استجابات موازية لها.

من المعروف على نطاق واسع أنَّ غالبية الأشخاص المهجَّرين يعيشون في مستوى خط الفقر أو دونه وأنَّ الفئات ذات الدخل المنخفض تتأثر على نحو غير متكافئ بالكوارث المرتبطة بالطقس. وعلاوة على ذلك، إذا ما جنبنا عامل الكوارث نجد أنَّ ثمة مجموعة من العواقب المختلفة المرتبطة أيضاً بالمناخ المتغير تُضعف عامل المرونة وخاصة عند مزارعي الكفاف ما يجعلهم أكثر استضعافًا. وبهذا تعد هذه العواقب دافعًا قويًا للهجرة من الريف إلى الحضر؛ وحتى إن أمكن تجاوز المسائل المناخية تجاوزًا كبيرًا بفعل المبررات "الاقتصادية" التي تقدمها تدفقات المهاجرين، سينتهي المطاف غالباً بكلتا فئتي المهاجرين في الأحياء الفقيرة نفسها.[1]

تفرض الأيام شديدة السخونة ومواسم الجفاف الطويلة والقاسية وقلة هطول الأمطار عمومًا ثم انهمارها بغزارة فجأة ضغوطًا لا يُستهان بها على المجتمعات الريفية منخفضة الدخل. ويعاني مجال الصحة، على سبيل المثال، من الظروف المواتية بشدة لانتشار الأمراض المنقولة عن طريق الغذاء والماء والحشرات. وتقلص مواسم الزراعة القصيرة وقليلة التوقعات إضافة إلى قلة هطول الأمطار وزيادة معدل الفيضانات المحاصيل الزراعية في حين يقلل زيادة عدد الأيام شديدة الحرارة من إنتاجية العمل في الهواء الطلق (الغالبية العظمى من جميع أعمال مجتمعات زارعي الكفاف) وتجعله أكثر خطورة بسبب الإرهاق والجفاف. وبزيادة صعوبات زراعة المحاصيل والعمل التي تعرقل المزارعين، يطل انعدام الأمن الغذائي برأسه وتتزايد معدلات سوء التغذية لدى الأطفال في الوقت نفسه.

تدهور المناطق الريفية في المنطقة الشرقية العليا بغانا

تتجلى آثار زيادة درجات الحرارة على مجتمعات الكفاف بشدة في هذه المنطقة من غانا التي كانت في يوم ما سلة خبز البلاد. ومن أساليب تعويض قصور مواسم الزراعة أو القدرة الإنتاجية توسيع مساحة الرقعة الزراعية ولكن ذلك غالباً ما يأتي على حساب الأشجار وعلى حساب التنوع البيولوجي وجودة الأرض ومساحة الظل التي يتمتع بها المزارعون وتحتاجها المحاصيل. وتساهم إزالة الغابات والأشجار وتدهورهما في زيادة تغير المناخ بفعل فقدان نقاط امتصاص الكربون وفي قسوة مسببات الاستضعاف أيضاً، مثل: رفع درجات الحرارة المحلية وزيادة مواسم الجفاف وكثرة معدل الفيضانات. وعلاوة على ذلك، ما زالت حتى الآن أقل الأراضي إنتاجية المناطق الوحيدة المزروعة ما يعني أن نقص المحاصيل سيأتي بعواقب وخيمة.

تؤثر الخسائر في الدخول الخاصة بالمثل على قطاع الخدمات العامة. ويمثل تراجع الاستثمارات في البنية التحتية المحلية للمياه مشكلة على وجه الخصوص لأنها تقلص مساحة الأراضي المتاحة الصالحة للزراعة أثناء موسم الجفاف ما يدفع مزيداً من الناس إلى الهجرة موسميًا. ولا يمكن إنكار مؤشرات وجود الضغوط المجتمعية أيضاً. فمثلًا، يرعى مالكو المزارع الصغيرة عدداً قليلاً من الماشية ويعهدون أيضاً بعدد قليل آخر إلى رعاة الماشية الرحّل من قبيلة الفولاني التي تتردد على الأراضي الهامشية في المنطقة. وفي ضوء الاعتماد سابقًا على المنفعة المتبادلة لخدمات الرعي مقابل الغذاء أو الدخل، أظهر نقص هذا النوع من التبادل كيفية انتقال صدمات سبل كسب الرزق التي تواجهها المجتمعات المستقرة من خلال القنوات الاقتصادية لتضر بالعلاقات الاجتماعية التقليدية.

 

القدرة الاستيعابية لأنظمة الحكم تحدد المرونة

مثل تلك الظروف الصعبة شائعة في المجتمعات الريفية في جميع أرجاء المناطق المدارية النامية. والمستضعفون تحديدًا هم الدول والمجتمعات التي تحتل فيها إسهامات القطاع الزراعي نصيب الأسد في الناتج الاقتصادي أو من مساحة القوى العاملة فيها والتي تشتمل على أعداد كبيرة أيضًا من الأسر التي تعيش في مستوى الكفاف. وبالرغم من اختلاف التفاصيل، غالبًا ما نصل للنتيجة نفسها؛ أناس وخاصة من فئة الشباب تتدهور حالتهم سراعًا بالهجرة بأعداد متزايدة للعيش في المدن وأحيائها الفقيرة. وبهذا تنتقل معهم المشاكل إلى الحضر فضلًا عما تحمله تلك العملية بين طياتها من مخاطر على كلا من مجتمعات المنشأ والمقصد.

وفي حين تقدم المجتمعات الريفية المنهكة مناخيًا في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وأمريكا الجنوبية وآسيا وحتى في الشرق الأوسط إمدادات جاهزة من السكان الجدد إلى الأحياء الفقيرة الحضرية، لا تتأثر المناطق المماثلة جغرافيًا في جنوب غرب الولايات المتحدة أو في أستراليا مثلًا على النحو نفسه على الرغم من الضغوط المناخية المشابهة التي تتعرض لها هذه المناطق. وتبرز هذه الحقيقة أهمية قدرة المجتمع المحلي الاستيعابية وأنظمة الحكم في التعامل مع مثل هذه التغيرات المناخية.

التجديد الريفي

وُضعت مجموعة واسعة من الإجراءات والمقاربات للتكيف مع تغير المناخ مثلما هو بارز في الأنشطة الموسعة التي تنبأت بها برامج العمل الوطني للتكيف. [2] ومع ذلك، في مجتمعات الكفاف المسيطرة، العامل الرئيسي الذي يعوق تحقيق الاستجابات غياب وسيلة يُعتمد عليها لبدء هذه الإجراءات ,وإدامتها. ويتطلب استخدام بذور ذات جودة أعلى وأكثر مقاومة للجفاف ووجود مرافق مياه أفضل أو أنظمة أرصاد جوية يمكن أن يغطيها التأمين المتناهي الصغر من بين جميع المبادرات الأخرى بلا استثناء نفقات يصعب توفيرها ما يعرقل إمكانية الوصول لمن هم من أكثر القادرين على تقديم المساعدة.

لا تتطلب جميع مبادرات التكيف مع تغير المناخ موارد لكنَّ زيادة القدرة الاستيعابية واستخدام المقاربات القائمة على المرونة من شأنها زيادة نطاق الاستجابات المتاح زيادة كبيرة. وفي حالة منطقة شمال غانا على وجه الخصوص (انظر المربع النصي)، يعد عكس اتجاه تدهور سبل كسب الرزق خطوة مهمة على طريق تأمين الاستثمارات للبنية التحتية للمياه والري والحفاظ على المناطق المحمية وتوفير التأمين وغيرها من الإجراءات الكثيرة التي قد تكون في متناول اليد في ضوء زيادة القدرة الاستيعابية. 

وفي الوقت الذي تعد فيه الحكومات قادرة على دفع عجلة التغيير من خلال الحوافز المالية أو حملات التوعية، لدى كثير من أصحاب المصلحة أيضاً، مثل: جماعات الضغط على الحكومة في المجتمع المحلي أو المنظمات الدينية، فرص لتعزيز المرونة والتجديد الريفي بالرغم من التغيرات المناخية الحادثة. وعلاوة على ذلك، من شأن الاقتصاد الريفي الأكثر حيوية توفير عائدات أكبر تُجنى من الهجرة الموسمية والدائمة من خلال زيادة احتمالات تبادل المهارات والروابط التجارية وتصبح حينها التحويلات النقدية ذات نفع محلي ملموس. وبهذه الطرق، يمكن أن تُمثل الهجرة جزءًا من إستراتيجية التكيف بدلًا من كونها مجرد الملاذ الأخير.

الخاتمة

حرص برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على جعل المرونة في مواجهة تغير المناخ والكوارث الطبيعية محورية في خطته الاستراتيجية للأعوام 2014-2017 ويهتم كذلك البنك الدولي اهتمامًا متزايدًا بآليات التكيف مع تغير المناخ وتخفيف حدته. وقد كان برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أيضاً مشاركًا رئيسيًا في الجهود المبذولة لتقديم حلول التنمية للتغلب على تحديات الحاضر المتزايدة الكامنة في النُّزوح المطوَّل وذلك من خلال طرح المبادرات، مثل: تحالف الحلول وخطة الاستجابة الإقليمية لسوريا والصمود الإقليمي للاجئين السوريين.[3]

وتواجه الدول والمجتمعات الأكثر استضعافاً للتغير المناخي تحديًا كبيرًا في التغلب على اتجاه تدهور الحالة الريفية وضغوط الهجرة في ضوء تسارع التغيرات البيئية والمناخية. وسيتطلب فهم الطبيعة المتغيرة للنُّزوح المتعلق بتغير المناخ التفكير في التنمية وإدراك أهمية الاستجابات الإنمائية الفعَّالة في الوصول إلى الحلول المستدامة لمثل هذه التحديات.

غلوسيا بوير glaucia.boyer@undp.org متخصصة في سياسات الحلول الإنمائية للنُّزوح  وماثيو ماكينون matthew.mckinnon@undp.org متخصص في منتدى دعم المستضعفين جراء التغيرات المناخية في مكتب السياسات ودعم البرامج التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

www.undp.org/content/undp/en/home/ourwork/climate-and-disaster-resilience/overview.html

 

 


[1] انظر مجلة الهجرة القسرية، العدد 34  "التأقلم مع النزوح في المناطق الحضرية" صwww.fmreview.org/ar/urban-displacement

 [2] راجع مقال وارنر وآخرون

[3]  www.3rpsyriacrisis.org وwww.solutionsalliance.org

 ملحوظة: سيغطي العدد 51 من مجلة الهجرة القسرية هذا الموضوع: انظرwww.fmreview.org/ar/solutions

 

FMR 49
May 2015

المحتويات

إخلاء مسؤولية

جميع الآراء الواردة في نشرة الهجرة القسرية لا تعكس بالضرورة آراء المحررين ولا آراء مركز دراسات اللاجئين أو جامعة أكسفورد.