تحايل في ظل دبلن

ماركو فنك

تمثل ممارسات الحدود على الحدود بين إيطاليا والنمسا جزءاً من نهج أوسع نطاقاً للممارسات المثيرة للتساؤل التي تستخدمها الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والتي من شأنها في نهاية المطاف أن تجعل اتفاقية شنجن ولائحة دبلن التنفيذية من الأمور التي ليس لها أي معنى.

يُعَدُّ معبر برينر الواقع على الحدود بين إيطاليا والنمسا أقصى حد في الشمال يُسْمَحُ للمهاجرين العابرين للبحر المتوسط إلى إيطاليا بالذهاب إليه، وذلك وفقاً للوائح التنفيذية لمعاهدة دبلن. وهناك أيضاً حدود داخلية ضمن منطقة شنجن التي تسمح بحرية تنقل الأشخاص دون خضوعهم لإجراءات رقابية حدودية، بغض النظر عن الجنسية، وكل ذلك من الناحية النظرية. أما من الناحية العملية على أرض الواقع، فكل من يحاول أن يعبر تلك النقطة من المهاجرين يواجه تبعات المصالح الوطنية المتضاربة والتنفيذ غير النزيه للقوانين الأوروبية.

فقد حاول آلاف اللاجئين الوصول إلى أوروبا الشمالية من خلال معبر برينر خلال السنوات الماضية، وانتبهت لذلك السلطات النمساوية والألمانية. ونتيجة لذلك، أصبحت الشرطة النمساوية يتزايد حضورها في القطارات الدولية (من فيرونا في إيطاليا إلى ميونخ في ألمانيا) في معبر برينر وهذا في عام 2014 للتحقق من الوثائق الثبوتية للمسافرين وتحديد المهاجرين غير النظاميين، وعند تحديد أي مهاجر غير نظامي كانت الشرطة توقفه في إنسبروك، وهي المدينة الثانية على ذلك المسار.  ووفقاً لاتفاقية ثنائية مع إيطاليا وُقِّعَتْ في عام 1997، يحق للنمسا إعادة المسافرين القادمين من إيطاليا ممن لا يستطيعون أن يقدموا أي أوراق سفر تثبت إقامتهم القانونية في النمسا. ووفقاً للشرطة الإيطالية، نفذّت الشرطة النمساوية 5000 عملية إعادة من هذا النوع في عام 2014. وتكثفت التفقدات من الشرطة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2014، بوجود الشرطة المشتركة، بين كل من النمسا، وألمانيا، وإيطاليا على الخطوط الحديدية الدولية.

وسَعَتْ النمسا وألمانيا إلى عزل نفسيهما عن أزمة اللاجئين في البحر الأبيض المتوسط وذلك بزيادة شدة رصدهم لحدودهم وممارسة الضغوط على إيطاليا لمساعدتهما بإخراج المهاجرين. واضطرت إيطاليا إلى التعاون معهما عن مضض لكنها تحاول في الوقت نفسه التخفيف من المسؤولية الملقاة عليهما نظراً للموقع الجغرافي لإيطاليا. ويعبر كثير من اللاجئين معبر برينر بعد بضعة أيام من وصولهم إلى صقلية حيث كان من المفترض أن يتسجلوا فيها ويدخلوا إلى نظام بصمات الأصابع الأوروبي "يوروداك" لإثبات مسؤولية إيطاليا عنهم وفقاً لائحة التنفيذية لدبلن. لكنَّ السلطات في مراكز الاستقبال لا تمنع القادمين الجدد من المغادرة قبل التسجل وإدخال بصمات أصابعهم بل تشجع ضمناً مغادرة هؤلاء الناس ممن يمكن أن يطلبوا اللجوء في دولة أخرى.

اتفاقية دبلن مقارنةً باتفاقية شنجن

وَقَعَت إيطاليا تحت انتقاد من دول أوروبا الشرقية نظراً لتراخيها إزاء تطبيق قواعد اللائحة التنفيذية لاتفاقية دبلن. وفي الوقت نفسه، يُلاحَظُ أن وجود الشرطة المشتركة من الدول الثلاثة على القطارات الذاهبة لميونيخ يمثل خرقاً محتملاً لقانون الحدود وفقاً لاتفاقية شنجن الذي ينظم كيفية إدارة الحدود الداخلية لأوروبا. فوفقاً لهذا القانون، لا يُسمح للشرطة بممارسة نشاطاتها التي "لا يوجد لديها أثر مكافئ لتفقدات الحدود" ما دام أنها "لا تضع مراقبة الحدود على أنه هدفها.... وعلى شرط أن تكون هذه التفقدات فجائية فقط". [i]وعلى ضوء ذلك، يمكن القول: إن حضور ضباط الشرطة اليومي على القطارات المتجهة إلى الشمال تتجاوز مجرد أن تكون تفقدات فجائية مع أن هذه الشرطة تستثني قطاراً واحداً في اليوم الواحد دون تفقده مما يقدم المجال لتفسير إبداعي لقواعد اتفاقية شنجن.

وهناك مثال آخر يوضح كيفية عمل بعض الدول الأوروبية الجنوبية والشمالية تجاه بعضها الآخر باستخدام (أو بإهمال) الآليات المصممة لتعزيز التعاون فيما بينها وهذا المثال يتعلق بالطريقة التي تتعامل معها تلك الدول مع "تحويل الأشخاص وفقاً لمعاهدة دبلن". فالمهاجرون الذين يمكنهم إثبات وصولهم أولاً إلى بلد مختلف يمكن إعادتهم إلى ذلك البلد على أساس أنهم يمثلون "حالة تنطبق عليها اتفاقية دبلن" ولفعل ذلك لا بد من تقديم طلب بذلك، ولا بد من قبول هذا الطلب لدى سلطات اللجوء في البلد المُستقبِل لهم خلال مدة زمنية معينة. لكن الحالات التي تنطبق عليها أحكام اتفاقية دبلن ممن تقرر النمسا إعادتهم إلى إيطاليا يُتركون دورياً من الحافلات النمساوية غير المحددة في معبر برينر على ميدان قرب حدودها في طرف المدينة، ما يمثل تحايلاً تاماً على إجراء العودة المنصوص عليه رسمياً.

وبما أن كل دولة عضو في الاتحاد الأوروبي تسعى لأن تكون أذكى من غيرها وتسعى للتحايل على اللوائح التنظيمية التي اتفقت عليها معاً فذلك يمثل دليلاً قاطعاً على أن منظومة اللجوء الحالية لم تنجح ولا يمكن لها أن تنجح. وما يزيد الطين بَلّةً عدم التطابق الجوهري بين اللائحة التنظيمية لاتفاقية دبلن مع أحكام اتفاقية شنجن. بمعنى أن التنفيذ الكامل لواحدة منها سيمنع التنفيذ الكامل للأخرى. وفي الممارسة العملية، تعمد الدول إلى التحايل عليهما مع تزايد أعداد اللاجئين غير النظاميين الواصلين إلى أوروبا.

وقد دعا المتشددون المعارضون للهجرة في جميع أرجاء أوروبا إلى إعادة تطبيق الضوابط الرقابية على الحدود ما قبل اتفاقية شنجن وذلك لصد المهاجرين عن بلدانهم. ويُفترِض أن إغلاق الحدود سوف يمنع دخول المهاجرين ويصدهم، ويقنعهم أن يبقوا في دول أوروبا الجنوبية التي يريدون مغادرتها. ومع ذلك، بالنسبة للأشخاص الذين عبروا الصحارى والبحار هرباً من النزاع والحرمان، لن تكون عمليات خفر الحدود سوى عقبة أخرى تواجههم في طريق تحقيق مستقبل أفضل ولن يجدوا صعوبة في تخطيها. فتصعيب الأمور عليهم في معبر برينر أو في أي مكان آخر لن يكون له من الأثر سوى تأخير وصولهم، وهذا بدوره ما سيجعل من هجرتهم أكثر كُلفة وخطراً لكنه لن يمنعهم من ذلك.

 

ماركو فنك Marcosebastian.funk@sciencespo.fr

مؤلف كتاب (Fortress Europe’s Inner Wall: Migrant Dilemmas at the Brenner Pass)

)الجدار الداخلي لقلعة أوروبا: معضلات يواجهها المهاجرون على معبر برينر)  

 

FMR 51
January 2016

المحتويات

إخلاء مسؤولية

جميع الآراء الواردة في نشرة الهجرة القسرية لا تعكس بالضرورة آراء المحررين ولا آراء مركز دراسات اللاجئين أو جامعة أكسفورد.