الأطفال والمراهقون المقاتلون السابقون في كولومبيا

ستيفاني أرماس كونتريراس

يجري الآن تسريح أعداد كبيرة من الأطفال والمراهقين الذين جُنِّدوا في النزاع المسلح في كولومبيا، ويمكن للدروس المستخلصة من عملية السلام السابقة للفترة الواقعة ما بين عامي 2003 - 2008 أن تكون مفيدة لإثراء عملية العدالة الانتقالية الحالية، ولا سيما فيما يتعلق بإعادة اندماج المقاتلين السابقين القاصرين في الحياة المدنية، وتجنب زيادة تهجيرهم، أو توريطهم في الجماعات المسلحة.

يمثل خطر تجنيد القاصرين في الجماعات المسلحة سبباً مهماً من أسباب التهجير في كولومبيا، وفي عام 2008، قُدِّرَ أن ما بين ثمانية آلاف إلى 13 ألف طفل متوسط أعمارهم 13 سنة قد جندتهم جماعات حرب العصابات والقوات شبه العسكرية،[i] ونتيجة لذلك، اضطُّرَّت أسر ومجتمعات بأكملها إلى الهجرة لتنأى بأطفالها عن خطر التجنيد القسري، إما لأن بعض أفراد الأسرة أو المجتمع قد جُنِّدوا بالفعل، أو لأنهم هدِّدوا بالتجنيد، كما اضطُّرَّ العديد من القاصرين أيضاً إلى الهرب بعد هجرهم للجماعات المسلحة، هرباً من الاضطهاد أو الانتقام بالانتقال إلى أماكن أخرى.

توضيح الحقيقة

تهدف عملية العدالة الانتقالية في كولومبيا، إلى تيسير إنهاء النزاع المسلح الداخلي، وتحقيق سلام مستقر ودائم مع ضمانات بعدم إعادة التجنيد، فضلاً عن ضمان حقوق الضحايا في معرفة الحقيقة والعدالة وجبر الضرر. وسعياً للمصالحة، يتمثل أحد الأهداف الرئيسية للعدالة الانتقالية في توضيح الحقيقة، ويجب على الأطفال الذين كانوا مقاتلين أن يساهموا في هذه العملية، سواء أكانوا مجنياً عليهم أم جناة. والكشف عن الحقيقة ما هي إلا آلية لجبر الضرر عن المجتمعات المحلية والمجتمع الكبير وكذلك للأفراد، بمن فيهم الأطفال المقاتلون السابقون.

ومع ذلك، ففي تجربة كولومبيا لآليات العدالة الانتقالية، لم يُنظَرُ إلى الأطفال المقاتلين السابقين إلا بوصفهم ضحايا سلبيين، الأمر الذي أعفاهم من أي مسؤولية عن الأفعال التي اِرتُكِبَت عندما كانوا مقاتلين. ولا تسمح السياسة الاختزالية هذه بالوقوف على فهم سليم للأسباب الاجتماعية والتاريخية لتجنيد القاصرين، وهي أسباب يمكن أن تعوق نجاح إعادة اندماجهم في الحياة المدنية إن لم تُعالَج،[ii]وإذا لم يُعَدْ اندماج الأطفال المقاتلين السابقين بشكل فعال، فقد يُعَادُ تجنيدهم، أو قد يتعرضون للخطر بطرق أخرى، وقد يضعون الآخرين في خطر. كما أنَّ هذه المقاربة لم تسهم في الكشف عن الحقيقة، بل استبعدت المقاتلين السابقين من مبادرات المصالحة ومبادرات الذاكرة التاريخية.

وخلافاً لما حدث في عملية السلام السابقة، أُنشِئَت لجنةٌ للكشف عن الحقيقة كجزء من عملية السلام الجارية مع القوات المسلحة الثورية الكولومبية. وتهدف هذه اللجنة إلى توضيح ما حدث، والمساهمة في الاعتراف بالضحايا والمسؤوليات الفردية والجماعية، وتعزيز التعايش السلمي. وسيشارك كل من الضحايا والجناة في لجنة الحقيقة. وبالإضافة إلى ذلك، أُنشِئَت لجنة مواضيعية معنية بالأطفال والمراهقين، من شأنها توفير مقاربة متخصصة لاحتياجات وحقوق القاصرين السابقين المقاتلين.

الوصول إلى العدالة

يُمَثِّلُ الوصول إلى العدالة أيضاً عنصراً مهماً في عمليات العدالة الانتقالية، ومن الضروري الاعتراف بالمسؤولية، ففي حالة المقاتلين السابقين من الأطفال والمراهقين، يجب الاعتراف بمسؤولية أولئك الذين يجندون القاصرين قسراً والتصدي لتلك المسؤولية، كما يجب الاعتراف بمسؤولية الأطفال المقاتلين السابقين الذين وقعوا ضحايا للآخرين في فترة ما كانوا مقاتلين. وكلاهما مهم لمواجهة إفلات جناة تجنيد الأطفال من العدالة، وللمساهمة في عمليات المصالحة.

وخلال العملية التي نفذتها مفوضية الاتحاد الإفريقي[iii] في عملية السلام السابقة في كولومبيا لتفكيك الفصائل المسلحة، لم يكن هناك أي إشراف على عملية تسريح الجنود الأطفال؛ فقد سُرٍّحوا بطريقة غير رسمية، دون أن توفر في الوقت نفسه القدر المطلوب من الدعم أو التخطيط لإعادة اندماجهم في الحياة المدنية. أما القادة المسؤولون عن جريمة تجنيد الأطفال فتنصلوا من المسؤولية والإدانة الجنائية، وقوّضت هذه العوامل قدرة الأطفال على المشاركة في البرامج الرسمية للتسريح ونزع السلاح وإعادة الاندماج وحقهم في العدالة.

وفيما يتعلق بالاعتراف بمسؤولية الجنود الأطفال السابقين، من المهم التمييز بين المسؤولية الأخلاقية والمسؤولية الجنائية، إذ ينص نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على أنَّ "المحكمة لن يكون لها أي ولاية قضائية على أي شخص يقل عمره عن 18 عاماً وقت ارتكاب الجريمة المنسوبة إليه".[iv]وفيما عدا المسؤولية الجنائية، من المهم ألا يُنظَر إلى الأطفال الجنود على أنهم ضحايا سلبيون في أثناء عملية جبر الضرر عن الضحايا، كما ينبغي أن يكونوا قادرين على الاعتراف بمسؤوليتهم الأخلاقية والمشاركة في أنشطة جبر الضرر في مجتمعاتهم.

وينبغي أن تكون الآليات المُنشِأَة لمشاركة الأطفال والمراهقين مناسبة ومعترف بها قانونياً، مع احترام الطابع الطوعي للمشاركة، وضمان أن يكون الأطفال قادرين على اتخاذ قرارات مستنيرة، ودعمهم في ذلك، وتوفير ظروف السلامة البدنية والنفسية والاجتماعية.

جبر الضرر عن المقاتلين السابقين القاصرين

يجب أن تكون عملية جبر الضرر عن الأطفال ضحايا التجنيد المسلح عملية شاملة، وينبغي أن تشمل هذه العملية توفير التعليم ومشاريع كسب الرزق والرعاية النفسية الاجتماعية والرعاية الصحية. لكنَّ هدف جبر الضرر هذا لا ينبغي أن يقتصر على التعويضات، وإنما يجب أن يتضمن تغيير الظروف التي أدت إلى تعرض الأطفال للتجنيد، وهي في الغالب بسبب ظروف الفقر والإيذاء وفقدان أفراد الأسرة.

وفي هذا الصدد، هناك الكثير مما ينبغي تعلمه من إخفاقات عملية التسريح السابقة. فقانون العدالة والسلام لعام 2005، على سبيل المثال، اقتصر على ذكر التعويض دون التطرق إلى التغيير؛ ولم يوجب إحداث أي تغييرات لإزالة الظروف الأصلية التي تسببت في التجنيد، فحتماً كان هناك تجنيد جديد، ونزوح جديد للأطفال الذين كانوا يتجنبون الاشتراك في الجماعات المسلحة.

ورأت المحكمة الدستورية في حكمها رقم T-025 [v] الصادر في عام 2004 أنَّ الاعتراف بالأطفال الذين انفصلوا عن الجماعات المسلحة وحمايتهم أمر أساسي لتجنب إعادة تجنيدهم. وتشير الأرقام إلى أنَّ 9.7٪ من الأطفال الذين غادروا الجماعات المسلحة سيعودون إليها في النهاية، وأنَّ 79.4٪ منهم تلقوا تهديدات من الجماعات المسلحة التي ينتمون إليها، و7.6٪ تعرضوا للتهديد من قبل جماعات مسلحة أخرى غير تابعة للدولة، و 1.2٪ منهم تعرضوا للتهديد من قبل الجيش.

ولقد أورد تقرير الائتلاف لعام 2005 بشأن إشراك الفتيان والفتيات والشباب في النزاع المسلح في كولومبيا[vi] الدروس التالية على وجه الخصوص من عملية إعادة الاندماج في ذلك الوقت:

- لم يلبِّ توفير التعليم وبرامج العمل بأي حال احتياجات الشباب وتوقعاتهم.

- لا تركز عمليات إعادة اندماج الشباب في الحياة المدنية إلا على الفرد، دون الاهتمام بالظروف الاجتماعية الأكثر اتساعاً، والتي قد تؤدي إلى الوصم والإقصاء اللذين يشجعان التجنيد في المقام الأول.

ويبدو أنَّ بعض الدروس قد استُخلِصَت، وفي إطار عملية السلام الحالية، بموجب القانون 1448 حول الضحايا واستعادة الأراضي، تُتَّخذُ التدابير القانونية والإدارية والاجتماعية والاقتصادية لتوفير مجموعة شاملة من الرعاية والمساعدة والتعويض لضحايا النزاع. ومن الأمثلة الأخرى على الممارسة الجيدة إطلاق برنامج كامينو ديفيرنسيال دي فيدا (طريقة مختلفة للحياة) لإعادة اندماج الجنود الأطفال السابقين؛ وخلافاً للنهج الذي اُتٌّبِعَ من قبل، لهذا البرنامج تركيز قوي على رد الحقوق والمصالحة المجتمعية وبناء النسيج الاجتماعي للمجتمع.[vii]

 

ستيفاني أرماس كونتريراس armasstephany@gmail.com

مسؤولة سياسية في منظمة متطوعي الأمم المتحدة الدولية، بعثة الأمم المتحدة السياسية الخاصة https://colombia.unmissions.org/en



[i] Amnesty International (2008) ‘Colombia: Leave us in peace!’ Targeting civilians in the internal armed conflict – facts and figures’

(منظمة العفو الدولية (2008)، ’كولومبيا: دعينا في سلام!‘ استهداف المدنيين في النزاع الداخلي المسلح)

www.amnesty.org/en/press-releases/2008/10/colombia-e28098leave-us-peacee28099-targeting-civilians-internal-armed-conflict-fa/

[ii] Anne Rethmann (2010) ‘Condenados al silencio – jóvenes excombatientes en Colombia’, Axe XI, Symposium 40, Independencias – Dependencias – Interdependencias, VI CEISAL (European Council for Social Research on Latin America) International Conference 2010,

(آن ريثمان (2010)، محكوم عليهم الصمت- المقاتلون السابقون الشباب في كولومبيا)

https://halshs.archives-ouvertes.fr/halshs-00503128/

 

[iii] United Self-Defenders of Colombia (Autodefensas Unidas de Colombia)

(المدافعون الذاتيون المتحدون في كولومبيا)

[vii]Camino diferencial de vida: Programa integral para la atención y consolidación de los proyectos de vida de los menores de edad que salen de las FARC-EP’

(مفترق الطريق في الحياة: برنامج شامل لرعاية المشروعات الحياتية للقاصرين الفارين من قوات الجيش الثوري الكولومبي وإدماجهم)

www.derechoshumanos.gov.co/Prensa/2017/Paginas/comunicado-3-consejo-nacional-de-reincorporacion.aspx
 

 

FMR 56
October 2017

المحتويات

إخلاء مسؤولية

جميع الآراء الواردة في نشرة الهجرة القسرية لا تعكس بالضرورة آراء المحررين ولا آراء مركز دراسات اللاجئين أو جامعة أكسفورد.