ولاية ميتشواكان المكسيكية: تدفقات الهجرة المختلطة والروابط عبر الوطنية

سوتشيتل بادا وأندرياس فلدمان

على خلفية العنف المتواصل في المكسيك، بدأت ملامح أنماط الهجرة التقليدية في ممر أمريكا الشمالية بالتغير.

تعرّض التدفق الراسخ في القدم للمهاجرين الذين يحاولون الوصول إلى الولايات المتحدة الأمريكية من أجل تحسين أمنهم الاقتصادي إلى توسّع شديد إثر الموجة الجامحة لآلاف المُهَجَّرين قسرياً الهاربين من العنف والانفلات الأمني في المكسيك.[1]وأصبحت الضبابية تغشى أي محاولة للتمييز الدقيق بين الهجرة الطوعية والهجرة القسرية لتنوع العوامل التي قد تدفع الأشخاص إلى الهجرة لحماية حقوقهم الإنسانية الأساسية. وقد تأتي هذه العوامل منفردة أو مجتمعة، منها الهرب من تهديدات العنف والافتقار إلى الفرص الاقتصادية والتدهور البيئي. وتشير التقارير التي قدّمتها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى ارتفاع كبير في أعداد طلبات اللجوء التي قدَّمها مواطنون مكسيكيون في الولايات المتحدة من 3996 طلباً عام 2000 إلى 14634 طلباً عام 2016 على الرغم من انخفاض معدلات القبول في الولايات المتحدة.[2]

ويتعلق السؤال الحاسم لفهم التشكيلات المعاصرة للتحركات بكيفية تأثير العنف على قرار الأفراد للتحرّك وكيفية اختيارهم لوجهاتهم التي سيتحركون نحوها. فبالإضافة إلى البحث عن ملاذ داخل حدود المكسيك أو تقديم طلبات اللجوء في الخارج ثمّة احتمال ثالث تقدّمه شبكات الهجرة قديمة العهد لأولئك المتأثرين بالعنف وهي العبور إلى الولايات المتحدة الأمريكية سواء بوجود الوثائق أم عدمه. ومن أجل دراسة التحركات العابرة للحدود الوطنية وفهمها استَقْصَيْنا حالة الولاية المكسيكية ميتشواكان.

العنف والتهجير في ميتشواكان

تأثّرت ميتشواكان تأثراً كبيراً بالعنف الناجم عن المخدرات مع ظهور كثير من المنظمات الإجرامية البارزة إذ تمكّنت عصابات المخدرات من اكتساح الاقتصاد بفعل ثروتها الهائلة وقدراتها الجبرية مما جعل حكومة البلاد الواهنة غير قادرة على إيقاف ذلك المد. كما شهدت ولاية ميتشواكان توسعاً سريعاً لميليشيات الدفاع الذاتي التي نشأت كَرَدّ فعل تجاه الجريمة المنظمة. ونتيجة لذلك وجد آلاف الميتشواكانيين أنفسهم مجبرين على النُّزوح إلى المخيمات المؤقتة المُقامَة على أطراف المدن والبلدات بينما كانت الدولة التي تُقَوِّضُها جهات فاعلة قوية غير حكومية عاجزة أو غير راغبة في تقديم المساعدة والحماية لأولئك النَّازحين داخلياً.

وثمّة تحدٍ آخر تواجهه ميتشواكان ممثل بسعيها إلى مساعدة آلاف المهاجرين العائدين من الولايات المتحدة وإعادة إدماجهم نتيجةً للبطالة أو لِأنّهم أُبعِدُوا من الولايات المتحدة بسبب الإدانات الجنائية أو عدم توافرهم على الوثائق. وفي ظل الإدارة الرئاسية الحالية في الولايات المتحدة، نفذّت وزارة الأمن الوطني في الولايات المتحدة بنجاح سياسة قائمة على تكتيكات الخوف لحثّ آلاف المهاجرين غير المُوَثَّقين على العودة إلى أوطانهم طوعاً بدلاً من تعرضهم لخطر العقوبات الإلزامية السالبة للحرية التي تُفرَضُ عليهم حالما تُمسِكُ بهم دائرة الهجرة والجمارك. ويحاول العائدون أحياناً الاستيطان في مدن أكبر في ولاية ميتشواكان حيث يمتلكون شبكات اجتماعية وفرص عمل أفضل بينما يعود آخرون إلى بلداتهم الأصلية ليعيشوا مع أقاربهم ويعانون باستمرار من ندرة فرص العمل وغياب سياسات الإدماج والظروف العنيفة التي تستدعي ضرورة التحرّك مرة أخرى.[3]

اختيار الوجهة

لِولاية ميتشواكان المكسيكية تاريخ حافل مع الهجرة الدولية إذ يرجع تاريخ وجود الميتشواكانيين في الولايات المتحدة إلى بدايات القرن العشرين عندما هاجر آلاف الرجال إلى الشمال للعمل في الزراعة. وفي فترة الستينيات، انضمت النساء والأطفال إلى موجة الهجرة تلك. وكان لوجود هؤلاء المهاجرين دور فعّال ومهم في إيجاد مجتمع عابر للحدود الوطنية يمتلك اقتصاداً قوياً وروابط ثقافية وسياسية، كما أنَّ هنالك حركة دائمة بين ميتشواكان وعدد من المدن الأمريكية بما فيها شيكاغو ودالاس ولوس انجليس. وفي عام 2014، تلقّت ولاية ميتشواكان 2.2 مليار دولار من الحوالات المالية الأسرية ما تجاوز قيمة الحوالات في أي ولاية مكسيكية أخرى ويمثل ذلك 10% من الناتج المحلي الإجمالي السنوي للولاية ويشكل ضعفي قيمة صادراتها.

أما على الصعيد السياسي، تُعَرِّفُ ميتشواكان نفسها على أنّها ولاية ثنائية القوميات، إذ يسافر حاكم الولاية ورؤساء السلطات الأخرى بانتظام إلى الولايات المتحدة من أجل تعميق علاقاتهم مع الميتشواكيين في الشتات والحفاظ عليها. ومن جانبهم، كثيراً ما يعود الميتشواكيون من الولايات المتحدة إلى ميتشواكان ويشاركون بنشاط في كسب تأييد السلطات الإقليمية والمجتمعات المحلية والتفاعل معها بشأن وضعهم كمهاجرين والظروف المعيشية للمكسيكيين في الولايات المتحدة. كما تنظم ولاية ميتشواكان ملتقى سنوياً يركز على الهجرة ثنائية القومية (Foro Binacional del Migrante) تتوافد إليه السلطات الإقليمية وعدد كبير من المنظمات من المكسيك والولايات المتحدة لمناقشة المشكلات والتحديات بما فيها المساعدة الحكومية للعائدين وتقديم الدعم لاستحداث الوظائف وإنشاء البرامج الصحية والتعليمية ومشروعات البنى التحتية والتدابير اللازمة لتعزيز أمن المهاجرين وتحسينه. وتتعلق هذه المسائل بكل من المهاجرين الاقتصاديين والمُهجَّرين على حد سواء.

ويبدو أن ضعف احتمالية تلقّي المساعدة والحماية في المكسيك والخوف من التعرض للتهديد حتى في حالة التنقّل الداخلي ووجود الشبكات عبر الوطنية قديمة العهد والأمل بإيجاد فرص أفضل في الشمال كلها تعزز من اتخاذ المهاجرين لقرار التماس الحماية عن طريق عبور الحدود الفاصلة بين المكسيك والولايات المتحدة على الرغم من عدم اصطحابهم للوثائق. ومن أجل دراسة هذه الظاهرة وفهمها، أجرينا المقابلات والدراسات الاستقصائية مع السلطات وممثلي المجتمع المدني والأكاديميين والمهاجرين.[4]

وكما علمنا من خلال زياراتنا إلى ميتشواكان ومقابلاتنا مع المهاجرين في شيكاغو، يغادر الأشخاص مجتمعاتهم بأكبر قدر ممكن من التكتم والسرية لئلا تقبض عليهم الجهات الفاعلة العنيفة معتمدين على الشبكات الموجودة ورأس المال الاجتماعي لحمايتهم. أمّا المحظوظون ممن لديهم أقارب وأصدقاء في الولايات المتحدة فغالباً ما يتلقون الدعم الضروري (كالمال والتأشيرة بكفالة والمعلومات الضرورية والمأوى) بما يتيح لهم السفر والوصول إلى الولايات المتحدة وإيجاد وظائف جديدة والتأقلم مع ظروفهم الجديدة حالما يصلون إليها.

ومع أنّ ظروف المكسيكيين المهاجرين سواء أكانوا مهاجرين اقتصاديين أم طالبي لجوء في الولايات المتحدة قد تدهورت منذ الأزمة الاقتصادية عام 2008 وبفعل السياسات التي طبقتها إدارة ترامب الحالية مؤخراً، أشار الخاضعون للدراسة إلى أنَّ كثيراً من المكسيكيين ممن يخافون على أرواحهم في المكسيك يفضلون مواجهة الظروف غير الأكيدة والخطر في الولايات المتحدة على البقاء في ميتشواكان. وتمثل ثقافة الهجرة الراسخة دوراً كبيراً في تسهيل هذه التحركات ذلك أنَّ كثيراً من هجرات الميتشواكانيين إلى الولايات المتحدة ليست إلا جزءاً لا يتجزأ من تربيتهم التي نشؤوا عليها.

وتشكل الظروف الحالية تحديات هائلة أمام جمع المعلومات ما يجعل مهمة تتبع رحلات المهاجرين أمراً صعباً. فليس المهاجرون الفارّون من العنف وحدهم من يحجمون عن الحديث بل كذلك الأمر مع المسؤولين الحكوميين في المكسيك والولايات المتحدة أيضاً، فكلهم يخافون التعرّض للاستهداف من قبل المنظمات الإجرامية المتاجرة بالمخدرات. كما تتفاقم صعوبة تحصيل المعلومات وجمعها بسبب إحجام السلطات المكسيكية عن توفير المعلومات التي تؤكد حجم النزوح الجماعي لمواطنيها نحو الولايات المتحدة لأنَّ تقديم تلك المعلومات سيعني الاستسلام لعصابات المخدرات.

وتعترف السلطات الاتحادية وسلطات ولاية ميتشواكان بما فيها اللجنة التنفيذية الاتحادية المعنية بتقديم الخدمات للضحايا وأمانة شؤون المهاجرين بالهجرة القسرية كمشكلة حقيقية ولكنها تفتقر إلى الوعي الشامل بأبعادها وروابطها عبر الوطنية كما تعاني من شُحّ السياسات اللازمة لتنسيق المساعدة للأشخاص المتأثرين. وحتى في سياق العنف الحالي في المكسيك، لا توجد برامج حكومية حيز التطبيق من أجل مساعدة النازحين داخلياً وحمايتهم، كما كان المجتمع المدني بطيئاً في الرد.[5] وبالمثل، ليس بمقدور ممثلي المجتمع المدني المهاجرين في ميتشواكان أن يقدموا شيئاً يُذكَر من الأدلة التي توثق هجرة الأشخاص إلى الشمال خاصة أنَّهم لا يمتلكون القدرة على التحقيق والاستقصاء بسبب شح الموارد والخوف من الردود الانتقامية بحقهم.

وبالنظر إلى المأزق الذي يواجهه آلاف المشرّدين الميتشواكانيين المقتلعين من جذورهم، يتعيّن على السلطات المكسيكية على المستويين الاتحادي والإقليمي تنفيذ تدابير ملموسة لمساعدة السكان حمايتهم وبالأخص الفئة الأشد ضعفاً منهم. وعلى أقل تقدير، يجب أن تشتمل التدابير على فتح المآوي ليتسنّى للضحايا تلقّي المعونة الحيوية والمساعدات الطبية ولحمايتهم من الأذى، وتعزيز الآليات الموجودة للإبلاغ عن انتهاكات حقوق الإنسان وأي جرائم أخرى، ووضع سجل وطني للأشخاص المُهَجَّرين. وينبغي أيضاً ابتكار ما أمكن من آليات لمساعدة الضحايا على العودة إلى مجتمعاتهم وتعزيز الحلول الدائمة الأخرى. ويجب على المجتمع الدولي من جهته أن يقدم الدعم المالي والفني لزيادة قدرة المكسيكيين على مواجهة هذه الأزمة الإنسانية المتزايدة.

 

سوتشيتل بادا xbada@uic.edu

بروفيسور مشارك

 

أندرياس فلدمان feldmana@uic.edu

بروفيسور مشارك

 

 برنامج أمريكا اللاتينية والدراسات اللاتينية، جامع إلينوي في شيكاغو www.uic.edu

يتقدم الكاتب بالشكر لكريستينا كوريا لمساعدتها في إعداد هذه المقالة.

 



[1] ألبوجا س. (2014) ’ العنف الجنائي والتهجير والهجرة في المكسيك‘، نشرة الهجرة القسرية، العدد 45

www.fmreview.org/ar/crisis/albuja

[2] إحصاءات السكان للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (2017)

باللغة الإنجليزية: http://popstats.unhcr.org/en/asylum_seekers

[3] مقابلة شخصية مع أحد أعضاء كوادر أمانة شؤون الهجرة في ميتشواكان. موريليا، ديسمبر/كانون الأول 2016

[4] استُكمِلت هذه المعلومات بالاعتماد على مصادر ثانوية بما فيها التقارير الحكومية وتقارير المنظمات العابرة للحكومات وتقارير المنظمات غير الحكومية وإفادات طالبي اللجوء المشفوعة بالقسم والأعمال الأكاديمية.

[5] Rubio Diaz-Leal L (2016) ‘Internal displacement in Mexico: a debate on concepts, statistics and State responsibility’, in Cantor D J and Rodriguez-Serna N (Eds) The New Refugees: Crime and Displacement in Latin America, London: Institute of Latin American Studies.

(روبيو دياز-ليل ل (2016)، ’النزوح الداخلي في المكسيك: حوار حول المفهومات والإحصاءات ومسؤولية الدول‘ في: كانتور د ج ورودريغوز-سيرنا ن (محرران)، اللاجئون الجدد: الجريمة والتَّهجير في أمريكا اللاتينية)

 

 

FMR 56
October 2017

المحتويات

إخلاء مسؤولية

جميع الآراء الواردة في نشرة الهجرة القسرية لا تعكس بالضرورة آراء المحررين ولا آراء مركز دراسات اللاجئين أو جامعة أكسفورد.