نحو مقاربة إنمائية للتَّهجير

زافيير ديفيكتور

من أجل تحقيق استجابة أفضل لقضية التَّهجير القسري علينا أن نتبنّى منظوراً على المدَيين المتوسط والطويل قائماً على المبادئ الإنمائية والإنسانية معاً.

ثمّة إجماع عام بأنّ التَّهجير القسري لا يتطلب استجابة إنسانية فحسب بل يحتاج أيضاً إلى استجابة إنمائية. غير إنّ هذا الإجماع يضعف عند تحديد طبيعة الاستجابة الإنمائية وكيفية اختلافها عن الاستجابة الإنسانية. ومع تهجير 66 مليون شخص تقريباً في الوقت الراهن بسبب النِّزاعات والاضطهاد واستضافة معظمهم في عدد قليل نسبياً من البلدان النامية أصبحت الحاجة إلى إزالة الشك عن طبيعة الاستجابة الإنمائية مُلِحّة.

فبالنسبة للمؤسسات الإنمائية، يفرض التَّهجير القسري تحديات كبيرة أمام تحقيق أهداف التنمية المُسْتَدَامة. وفي بعض المناطق، مع ازدياد الضغوطات لإغلاق الحدود، تظهر التحديات إزاء الوصول إلى الإجماع على مزايا حرية حركة الأشخاص والبضائع وما تعود عليه من نفع على النمو العالمي. وفي مناطق أخرى، ينجم عن حجم السكان اللاجئين عدد من المخاطر التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار داخل المنطقة وخارجها. ففي عدد من الحالات، شُرِّدَ المُهَجَّرون قسرياً لمدة طويلة من الزمن ما جعل الاستجابات الإنسانية التقليدية غير كافية.

مقاربة إنمائية

يجب على الجهات الفاعلة الإنمائية أن تركز على أبعاد الأزمة الاجتماعية والاقتصادية متوسطة الأجل. وكجزءٍ من الجهد الدولي واسع النطاق الذي يشتمل أيضاً على عناصر إنسانية وأمنية وسياسية، ينبغي للجهات الفاعلة الإنمائية أن تركز على أفضل ما يمكنها فعله وأن تكمل خطط الآخرين بدلاً من استبدالها. كما يمكن لها أن تعمل على توفير الموارد متوسطة الأجل وتعزيز الفرص الاقتصادية. ويمكنها دعم الحكومات والاستفادة من القطاع الخاص والمجتمع المدني فضلاً عن قدرتها على تعزيز السياسات والمؤسسات في البلدان المُضِيفَة. ويُعَدُّ إطار العمل الإنمائي جزءاً من عملية الحد من الفقر وذلك لتركيزها على كلا الجانبَيْن: المهجرين قسرياً ومُضِيفيهِم. لكنَّ هذا الأمر يسير بشكل مختلف من بلد إلى آخر، إذ يجب على الجهات الفاعلة الإنمائية أن تحدد الأهداف متوسطة الأجل التي يمكن تحقيقها في سياق معين وأن تُكيّف أهدافها المُحَدَّدة وبرامجها مع كل حالة من الحالات.

ويثير الأشخاص المُهَجّرون قلقاً خاصاً لدى المجتمع الإنمائي بسبب مواطن الاستضعاف المحددة الناجمة عن وضعهم. فقد فقدوا ممتلكاتهم ومَرّوا بمحَنٍ أليمة صادمة وغالباً ما يفتقرون إلى كثير من الحقوق وحتى الحقوق التي تُمنَح لهم فتضعف قدرتهم في ممارستها ويعيش معظمهم في أماكن محدودة الفرص. كما أنّ حالة المجهول المخيم على وضعهم تُصعِّب عليهم التخطيط والاستثمار. وتؤثر مواطن الضعف هذه على قدرة المُهَجَّرين على اغتنام الفرص الاقتصادية وعادةً ما ترمي بهم في شِراك الفقر. ومواطن الضعف هذه سمة أساسية محددة بالمهجرين وهي نفسها وراء عدم كفاية الجهود التقليدية المبذولة لخفض الفقر، وهذا يستدعي تدخلات خاصة لأجلهم. ومن ثَمَّ، تهدف الاستجابة الإنمائية للمساعدة في التخفيف من مواطن الضعف أو إزالتها أصلاً من أجل استعادة قدرات المُهَجَّرين الاجتماعية والاقتصادية.

ولا تقتصر الحاجة إلى الدعم على المُهَجّرين قسرياً فحسب بل إنّ البلدان والمجتمعات المُضيفَة تحتاج إليه أيضاً إذ إنّ وصول أعداد كبيرة من الأشخاص يفضي إلى مخاطر وفرص في مجالات الأمن الوطني والوظائف والخدمات والتماسك الاجتماعي. فبعض الآثار الناجمة عن استضافة المُهَجَّرين قسرياً إيجابية وبعضها الآخر سلبي، كما أن بعض أفراد المجتمع المحلي يستفيدون من ذلك بينما يخسر بعضهم الآخر. بل يؤدي ذلك في معظم الأوضاع إلى تحويل مسار البيئة التي تصمم فيها وتُنفَّذ جهود خفض معدلات الفقر. وتتجلّى قدرة الجهات الفاعلة الإنمائية في مساعدة البلدان والمجتمعات المُضيفة في التعامل مع هذه الظروف والاستمرار بإحراز التقدم الإنمائي في سياق متحوّل في الوقت الذي توفر فيه بيئة مقبولة للمُهَجّرين قسرياً.

دعم التغيير

أسست مجموعة البنك الدولي صندوقين لدعم برامج اللاجئين والمجتمعات المُضِيفَة. فمرفق التمويل العالمي المُيَسّر (GCFF) يستخدم آليات تجعل القروض الإنمائية التقليدية للبلدان المُضيفَة ذات الدخل المتوسط كالأردن ولبنان أرخص بكثير. ويخطط مرفق التمويل العالمي المُيَسّر لجمع 1.5 مليار دولار أمريكي على شكل مِنَح مالية وتقديم ستة مليارات على شكل تمويل مُيَسَّر خلال السنوات الخمس القادمة. ومن خلال مبلغ مخصص قيمته ملياري دولار أمريكي تتيحه المؤسسة الدولية للتنمية، وهي ذراع البنك الدولي المخصص لدول الدخول المنخفضة، سوف تقدم المؤسسة موارد إضافية للبلدان المستضيفة مثل إثيوبيا وباكستان.

وسَتُصرَفُ هذه الموارد من خلال الآليات الإنمائية التقليدية التي عادة ما تكون هيئات حكومية وذلك مع التركيز على دعم السياسات والتغييرات المؤسسية لتحسين عملية إدارة الأزمة. كما تدل الاستفادة الكبيرة من التمويل حتى الآن على أنّه ثمّة فرصة سانحة لدعم التغيير في عدة بلدان مضيفة. وصُمِمَت البرامج القطرية بالتعاون مع الجهات الفاعلة الإنسانية وغيرها علماً أنّ الجهات الفاعلة الإنمائية تساهم في دعم التغيير من خلال عدة طرق:

البيانات و الأدلة: يُعدّ تحسين قاعد الأدلة اللازمة لتصميم برامج ناجحة أمراً بالغ الأهمية. فالبيانات الموثوقة نادرة والأدلة التجريبية والتحليلية أكثر ندرة منها. لكنّ ذلك ضروري لإثراء التوصيات السياساتية وتطوير التدخلات السليمة وتمكين التضافر الفعّال بين كل الجهات الفاعلة.

الجاهزية: يمكن التكهن بمعظم حالات التَّهجير القسري، فبالنسبة للعديد من البلدان المضيفة يُعدُّ تدفق اللاجئين ظاهرة متكررة. وغالباً ما تتاح الفرصة لإحداث نقلة من أجندة الاستجابة إلى الأزمة إلى أجندة الاستجابة وهذا بدوره ما قد يحدث أثراً كبيراً. ويعدّ توافر نظم الإنذار وخطط الطوارئ والاستعداد المؤسسي أمراً مهماً للتخفيف من الآثار السلبية على العملية الإنمائية لكل من المُهَجَّرين قسرياً ومضيفيهم.

الاستجابة المبكرة: تميل القرارات المُتَّخّذة في الأسابيع الأولى من الأزمة إلى إحداث تأثيرات دائمة كتلك المتعلقة بموقع مستوطنات اللجوء أو نوع الاتفاق الذي عُقِدَ مع السلطات. ومن المهم جداً دمج منظور اجتماعي-اقتصادي متوسط المدى في هذه النقاشات من أجل تحقيق الديمومة الشاملة للجهود المبذولة. ويمكن أيضاً للتدخلات المبكرة أن تساعد على تقليل التكاليف الإنسانية كتقليل الحاجة لنقل المياه بالشاحنات من خلال تعزيز نظم التزويد بالمياه.

الوظائف: تعدّ الثقة بالنفس ضرورة اقتصادية وعنصراً أساسياً للحفاظ على كرامة الإنسان. ومن أجل تيسير ذلك، يحب على الجهات الفاعلة الإنمائية أن تتفاعل مع الحكومات المضيفة في العمل على قضايا متنوعة مثل الحق في العمل وحرية التنقل ومعالجة القضايا الإنمائية طويلة الأمد كالبيئة التجارية السيئة التي تعاني منها الاقتصادات المضيفة بالإضافة إلى العمل مع القطاع الخاص كما يحصل حالياً في الأردن بموجب العقد الأردني.

التربية والتعليم: أكثر من نصف المُهَجّرين قسرياً هم من فئة الأطفال. ويعد تعليمهم ضرورة بالغة الأهمية ليس لهم فحسب وإنما من أجل بناء جيل جديد يمكنه أن يسهم في تحقيق السلام الدائم في بلدهم الأصلي ومن أجل تجنب التهميش واسع النطاق الذي قد يؤدي إلى توليد المزيد من العنف. كما يمكن للجهات الفاعلة الإنمائية المساعدة على تعزيز المنظومات القُطرِيَّة وتصميم حلول التعليم الملائمة لهؤلاء الأطفال مع تركيز خاص على بناء المهارات التي يمكنهم الاستفادة منها لاحقاً.

المناطق الأقل نمواً: كثيراً ما يُستَضَافُ اللاجئون في مناطق نائية في بلدان غالباً ما تكون من الأشد فقراً. ويمكن للجهات الفاعلة الإنمائية أن تساعد في تقوية وتعزيز البنية التحتية وتقديم الخدمات في هذه المناطق من أجل تحسين آفاق التنمية لكل من اللاجئين والمجتمعات المضيفة لهم.

الحلول: يجب على الجهات الفاعلة الإنمائية أن تركز على تحقيق حلول مستدامة كاملة للتهجير من النواحي الاجتماعي-الاقتصادية، على اختلاف أنواع تلك الحلول من عودة واندماج وإعادة توطين. ويمكن التوصل لتلك الحلول من خلال معالجة الآثار الاجتماعية والاقتصادية طويلة الأمد عن طريق تقديم الفرص الاقتصادية. فالناس الذين يواصلون المعاناة والكد بعد سنوات من النفي في المخيمات وغيرها من البيئات المؤقتة يحتاجون إلى دعم خاص.

ما وراء العلاقة الإنسانية الإنمائية

يُنظَرُ منذ مدة طويلة لأنشطة الجهات الفاعلة الإنسانية والإنمائية على أنها متتابعة، تأتي إحداها بعد الأخرى لا معها، فعندما يصبح الوضع مُطَوًّلاً تكون الاستجابة الإنسانية داخلية ومن ثم تتبعها جهود إنمائية. بيد أنّه في كثير من الحالات تكون المقاربتان متكاملتان طوال مدة التَّهجير القسري. ولذلك، من الضروري أن يكون هنالك استجابة للأزمة بحيث تكون متأصلة في منظور ما بين متوسط الأمد إلى طويل الأمد وتشمل بالضرورة على التنمية.

 

زافيير ديفيكتور xdevictor@worldbank.org

مدير البرامج، البرنامج العالمي للتهجير القسري، البنك الدولي

 

www.worldbank.org

 

بُنِيَت هذه المقالة على تقرير لمجموعة البنك الدولي بعنوان:

 Forcibly Displaced: Towards a Development Approach Supporting Refugees, the Internally Displaced, and Their Hosts

(المُهجَّرون: نحو مقاربة إنمائية داعمة للاجئين والنَّازحين داخلياً ومضيفيهم)

www.worldbank.org/forciblydisplaced

FMR 56
October 2017

المحتويات

إخلاء مسؤولية

جميع الآراء الواردة في نشرة الهجرة القسرية لا تعكس بالضرورة آراء المحررين ولا آراء مركز دراسات اللاجئين أو جامعة أكسفورد.