تصدير: التضامن الإقليمي والالتزام بالحماية في منطقة أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي

فيليبو غراندي

في الوقت الذي يُجبَر فيه أكثر من 65 مليون شخص على الهجرة في العالم، تُقدِّم لنا منطقة أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي أمثلة عن الممارسات الجيدة من المنطقة التي ما زالت تتمسك بالتزامها الراسخ بحماية من يحتاج للحماية.

في وقت تخيم فيه على العالم صورة أوضاع التَّهجير المطوَّلة والناشئة حديثاً، قد تظهر منطقة أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي كملاذ للسلامة النسبية ينأى بنفسه عن التَّهجيرات الهائلة التي وقعت مؤخراً بسبب الاضطهاد والنِّزَاع والعنف. لكنَّ المؤسف في الأمر، كما لحظت بنفسي خلال زياراتي الأخيرة، ليس هذا هو الوضع في تلك المنطقة.

ففي شمال أمريكا الوسطى[1]، تنتشر عصابات إجرامية منظمة عابرة للقوميات وتمارس درجات مخيفة من العنف، إذ يعاني السكان في فنزويلا من آثار الاضطرابات الاجتماعية والسياسية والمحدودية الكبيرة في الوصول إلى الخدمات الأساسية. وفي بعض مناطق كولومبيا، ما زالت بعض الجماعات المسلحة مستمرة في العمل مفلتة من العقاب رغم اتفاقية السلام التي أُبرِمَت مؤخراً. كل تلك الظروف تقود الناس إلى الانتقال إلى أماكن أخرى ضمن دولهم أو الانطلاق برحلات خطرة نحو البلدان المجاورة وما وراءها وغالباً ما يعتمدون لتلك الغاية على خدمات المهربين عديمي الشفقة سعياً إلى الوصول لبر الأمان. وتكتمل الصورة بطالبي اللجوء من هاييتي وكوبا والأعداد المتصاعدة من اللاجئين الواصلين من خارج المنطقة بما فيها بلدان في آسيا وأفريقيا.

وتشهد أعداد طلبات اللجوء من منطقة أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي تسارعاً كبيراً إذ ينتظر قرابة مائة ألف شخص حالياً البت في قرار النظر في طلبات لجوئهم. وبقي ذلك الواقع منحى ثابتاً في السنوات الأخيرة لدرجة أنَّه يفرض ضغوطاً كبيرة على منظومات اللجوء ما يزيد من الحاجة المُلحَّة للبحث عن الحماية المناسبة والاستجابات للحلول.

وبعيداً عن المآسي الشخصية التي واجهها كثير من الناس، يواجه الأشخاص المتنقلون في رحلة تهجيرهم عدداً من التحديات أهمهما ما يتعلق بالتحديد المناسب لحاجاتهم للحماية ووصولهم للمعلومات اللازمة لضمان بدائل الانتقال وإجراءات اللجوء والوصول إلى الحماية المادية الكافية في المآوي وغيرها من الفضاءات الآمنة والوصول الفعال للجوء وغيره من أشكال الحماية التكميلية والوصول إلى التسجيل والتمتع بحرية الحركة وببدائل الاحتجاز والقضايا التي تتعلق بمنحهم وثائق التعريف الشخصية.

استمرار تقاليد توفير الحماية

هناك التزام عميق لتوفير الحماية للفارين بحثاً عن السلامة نجده راسخاً في قِيَم منطقة أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي، تلك المنطقة التي تحافظ على تقاليد قوية للانفتاح والتضامن والعمل الإنساني. ويشهد التاريخ لها في كثير من الأمثلة بما فيها استجابة المنطقة للاجئين الفارين من الحرب الأهلية الإسبانية والدكتاتوريات البرتغالية في ثلاثينيات القرن الماضي إضافة إلى جاليات اليهود الفارين من الحرب والتطهير العرقي في أوروبا قبل الحرب العالمية الثانية وإبّانها واللاجئين الفلسطينيين، والفارين من نير السلطات القمعية في أمريكا الجنوبية في السبعينيات والمتأثرين بالحروب الأهلية في أمريكا الوسطى في الثمانينيات.

وما زالت هذه التقاليد مستمرة إلى يومنا هذا. فهناك جهود مُنسَّقة تُبذَل لتعزيز استجابة الحماية من خلال استحداث التحسينات على منظومات اللجوء في جميع أرجاء المنطقة بتعزيز آليات حماية الأطفال وترسيخ الحماية المراعية للجندر وتدخلاتها وإيلاء التركيز الكبير على التَّنَوُّع. كما أبدت دول منطقة أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي التزاماً نحو القضاء على ظاهرة انعدام الجنسية بحلول عام 2024 من خلال تأسيس إجراءات عادلة وفعالة لتحديد وضع انعدام الجنسية وتبني القواعد الداخلية لضمان حقوق الأشخاص عديمي الجنسية وتوفير الحلول الكافية لمن لا يتمتع بجنسية. وقد بذلت المنطقة جهوداً كبيرة في سبيل إيجاد الحلول الخلاَّقة مثل منح التأشيرات الإنسانية للاجئين السوريين وتبني خطط الحماية البديلة من خلال اتفاقات التعاون الإقليمي (مثل تأشيرات السوق المشتركة الجنوبية (ميركوسور) واتحاد دول أمريكا الجنوبية (أوناسور)) واستكشاف إمكانية إعادة نقل اللاجئين باستخدام أطر الهجرة المراعية للحماية.

وسجلت المنطقة خطى متقدمة لم يسبق لها مثيل في التشارك بالمسؤولية وآليات الحماية المستندة إلى تقاليدها الثابتة في التضامن. وأبدت كل دول المنطقة تقريباً التزامها بانتهاج مقاربة شاملة للهجرات المختلطة والتَّهجير القسري بتبني إعلان البرازيل وخطة عملها في عام 2014. وتهدف هذه الخطة الطموحة تعزيز الوصول إلى العدالة وحق اللجوء وتقوية الحماية واستنباط الحلول لمأساة المحتاجين وسوف تُراجَع في أواخر عام 2017. وهي واحدة من أهم النماذج التي يجب أن يحتذي بها العالم في التعاون النزيه والشفاف والمتفاني.

وقد شاركت دول منطقة أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي أيضاً في جهد جماعي لها بالاستجابة للوضع المقلق الناتج في شمال أمريكا الوسطى من خلال اتباع سلسلة من التدابير التي تتماشى مع بيان خطة عمل سان خوسيه لعام 2016. وتعمل تلك الدول الآن على تأسيس إطار عام إقليمي شامل للحماية والحلول (CRPSF) الذي سوف يُعمِّق تدخلاتها ويجعلها أكثر استدامة بمعالجتها للأسباب الجذرية للتَّهجير في شمال أمريكا الوسطى ويعزز من حماية المتأثرين بالتَّهجير ويقدم الحلول لهم. وإلى هذه اللحظة، انضمت إلى مبادرة الإطار العام تلك هندوراس وغواتيمالا والمكسيك والسلفادور. وسوف يساهم الإطار العام في إعداد العقد العالمي لعام 2018 حول اللاجئين إذ سيعمل مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين للاستجابة إلى الدعوة التي أطلقها إعلان نيويورك لعام 2016 حول اللاجئين والمهاجرين لتعزيز الاستجابات الشاملة التي يمكن التنبؤ بها إزاء التَّهجير واسع النطاق.

لكنَّ التصدي للتهجير القسري في منطقة أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي واحد من أكثر التحديات تعقيداً، واستجابت دول المنطقة لذلك التحدي بانتهاج مقاربات مضبوطة وإبداعية يمكن أن تساعد في إلهام الاستجابات الأوسع نطاقاً على مستوى العالم ككل. وفي هذا الصدد، لا شك في أنَّ مقالات هذا العدد سوف تقدم رؤى نيّرة حول الوضع الناشئ في تلك المنطقة وستسلط الضوء على الممارسات الجيدة التي يمكن أن تساعد في تعزيز الحماية وتكثيف خطى التقدم نحو الحلول ضمن المنطقة وإلى ما وراءها.

 

فيليبو غراندي

مفوض الأمم المتحدة السامي للاجئين

www.unhcr.org

لمزيد من المعلومات، يرجى الاتصال بفيكي تينانت، المساعدة الخاصة للمفوض السامي على البريد الإلكتروني. tennant@unhcr.org



[1] تتكون دول شمال أمريكا الوسطى من السلفادور وغواتيمالا وهندوراس.

 

FMR 56
October 2017

المحتويات

إخلاء مسؤولية

جميع الآراء الواردة في نشرة الهجرة القسرية لا تعكس بالضرورة آراء المحررين ولا آراء مركز دراسات اللاجئين أو جامعة أكسفورد.