المُواطَنَة الأمريكية اللاتينية: أتكون رابع الحلول الدائمة؟

فاليريا ياماس

تقدم اقتراحات اتحاد دول أميركا الجنوبية (أوناسور) بشأن المواطنة الإقليمية لأميركا الجنوبية إمكانية إيجاد حلول بديلة لحماية النازحين داخلياً واللاجئين في المنطقة.

يتمثل أحد أهم أهداف اتحاد دول أميركا الجنوبية (أوناسور) الذي أُسِّسَ عام 2008 في توحيد المواطنة بين كافة مواطني دول أميركا الجنوبية. وتعكس هذه الخطوة الضخمة والمبتكرة وجود الإرادة السياسة والروح الكامنة وراء عدد من المبادرات المهمة التي استُحْدِثَت في المنطقة على مدى العقود السابقة.

إذ وضع إعلان قرطاجنة المعني باللاجئين الذي اعتُمِدَ عام 1984 الأساس القانوني للاجئين في المنطقة استناداً إلى صيغة أرحب من تعريف صفة اللجوء الوارد في اتفاقية عام 1951 وذلك بالنظر إلى اللاجئين على أنهم: "الأشخاص الذين فرّوا من بلادهم بسبب الخطر الذي يهدد أرواحهم أو أمنهم أو حريتهم الناجم عن العنف المعمم أو العدوان الأجنبي أو النِّزاعات الداخلية أو الانتهاك الجسيم لحقوق الإنسان أو أي ظروف أخرى تعكّر صفو النظام العام تعكيراً خطيراً."[i]

ففي عام 2002 وقّعت بلدان السوق المشتركة الجنوبية (ميركوسور) اتفاقية تمنح لكل مواطنيهم حرية التنقل والإقامة. [ii]ثم في عام 2012، وقعت كتلة بلدان السوق المشتركة الجنوبية (ميركوسور) المُوَسّعة آنذاك إعلان المبادئ بشأن تقديم الحماية الدولية للاجئين متعهدين بذلك تحديد احتياجات اللجوء في تدفقات الهجرة المختلطة مع إيلاء الاهتمام الخاص للجندر والعمر وتجنب عدم الإعادة القسرية. [iii]كما سعى الإعلان لضمان تمكّن اللاجئين من ممارسة نفس الحقوق التي يمتلكها غيرهم من الأجانب وشجّع لم شمل أسر اللاجئين ووضَع آليات للتعاون بين مختلف مؤسسات اللجوء في بلدان أميركا الجنوبية. بالإضافة إلى ذلك، وضع الإعلان برنامجاً إقليمياً لإعادة التوطين لإبراز أهمية مواءمة التشريعات الوطنية وأهمية العمل الجماعي لحماية اللاجئين الذين يصلون إلى المنطقة.

وفي عام 2004، وضعت بلدان أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي العشرون بالتعاون مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين خطة عمل المكسيك التي تعكس المخاوف من التهديدات التي تواجه استقرار المنطقة بسبب النِّزاع الكولومبي والأعداد الكبيرة من اللاجئين والأشخاص النازحين داخلياً. وشدّدت خطة عمل المكسيك على أهمية التعاون والتضامن الدولي والمسؤولية المشتركة هادفةً لتعزيز إطار عمل الحماية الدولية من أجل التوصل لحلول دائمة للاجئين في المنطقة. كما اعتبرت الخطة نوعية اللجوء أمراً أساسياً لإيجاد حلول دائمة لمشكلات اللاجئين، بمعنى أنه إذا كانت الحماية فعّالة فلن يضطر اللاجئ للذهاب إلى بلد ثالث من خلال التحركات الثانوية أو غير القانونية.

وفي عام 2014، تبنت المنظمات الدولية وممثلون عن منظمات المجتمع المدني في جميع أنحاء المنطقة إعلان البرازيل وخطة عملها. وتركز هذه الأداة الإقليمية لتعزيز الحماية الدولية في أمريكا اللاتينية على الحلول الدائمة، كما تُبرِز الممارسات الجيدة وتشجع كلاً من التعاون ما بين دول الجنوب والدعم المُقَدَم من المجتمع الدولي لحالتين محددتين من حالات التَّهجير المستمرة وهما أعداد اللاجئين المتزايدة الذين استوطنوا في المراكز الحضرية الكبيرة لأمريكا اللاتينية والعدد الكبير من المواطنين الكولومبيين المستضعفين في المنطقة الحدودية للبلاد مع كل من الإكوادور وبنما وفنزويلا.

الإرادة السياسية لأمريكا اللاتينية

يعد استحداث الهيئات والصكوك الإقليمية المُبَيَّنة أعلاه مثالاً على وجود الإرادة السياسية في المنطقة وتوضيحاً وجه الاختلاف بين المقاربة المُتّبعة في أمريكا اللاتينية وكثير مما يحدث في أطراف أخرى في العالم إذ إنَّ هذه المقاربة تتجنب السياسات التقييدية وتسمح بتنظيم الهجرة وتنفيذ التدابير اللازمة من أجل تحديد الأشخاص المحتاجين للحماية الدولية.

وقد جاء تأسيس اتحاد دول أميركا الجنوبية (أوناسور) ليشكل حيزاً للتوافق والتقارب مع المبادرات الأخرى ولكن بهدف التقدم للأمام خطوة أخرى:"بناء هُوِيَّة ومواطنة لأمريكا الجنوبية". [iv]وفي هذا السياق، تشكل مواطنة أمريكا الجنوبية أكثر الحلول شمولية وابتكاراً وربما الأكثر ديمومةً للأزمة الإنسانية في المنطقة. كما أنها تمثل إعادة تعريف للعلاقة بين بلدان أميركا الجنوبية اعتماداً على الرؤية المشتركة والهوية الإقليمية.

مفهومات المواطنة

يسعى اتحاد دول أميركا الجنوبية (أوناسور) من بين أهدافه المحددة إلى ترسيخ وتوطيد هوية أمريكا الجنوبية من خلال الاعتراف التدريجي بحقوق مواطني أي من الدول الأعضاء بالإقامة في الدول الأعضاء الأخرى من أجل تمكين المواطنة في أميركا الجنوبية والوصول إلى الضمان الاجتماعي والخدمات الصحية في كافة أنحاء المنطقة، كما يهدف اتحاد دول أمريكا الجنوبية (أوناسور) إلى تشجيع الاعتراف الإقليمي بالإنسان وحقوق العمل من أجل تنظيم سياسات الهجرة وتوحيدها وذلك من خلال التعاون في مجال الهجرة. كما كان الاتفاق المتعلق بالإعفاء من تأشيرات الدخول وجوازات السفر الذي وقعه وزراء الخارجية في مجموعة أمم أمريكا الجنوبية (الذي كان سلف اتحاد دول أمريكا الجنوبية (أوناسور) في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2006 أول خطوة باتجاه حرية التنقل وأسهمت هذه الخطوة بإرساء الأسس لمواطنة أمريكا الجنوبية.

كما كان اتحاد دول أميركا الجنوبية (أوناسور) خلّاقاً في تقديمه لمفهوم المواطنة استناداً إلى مفهوم المبدأ القانوني الذي ينص على حق المواطنة بحكم الإقامة. ويأتي ذلك نتيجة للنظر إلى المواطنة على أنها عضوية على مستويات سياسية مختلفة من المستوى المحلي إلى المستوى الإقليمي. وعلى المستوى الإقليمي العابر للحكومات، يقر اتحاد دول أميركا الجنوبية بالحاجة إلى مد رقعة تطبيق حقوق المواطنة عبر القوميات لكل المواطنين والمواطنين غير القوميين المقيمين في بلادهم، أي الاعتراف بشكل من أشكال الانتماء بحكم مكان الإقامة.

وفي حين يمكن اعتبار المواطنة في أميركا الجنوبية حلاً دائماً بديلاً فهي أيضاَ حلاً مكملاً لاحتياجات الحماية الدولية للاجئين والحماية الوطنية للأشخاص النازحين داخلياً. كما عزز اتحاد دول أميركا الجنوبية (أوناسور) التعاون ما بين دول الجنوب وطور خطة إقليمية لمواجهة المشكلات المشتركة التي ازداد تخطيها للحدود الوطنية.

ومن المهم الانتباه إلى أن القرار رقم 14/2014 لمجلس المستشارين التابع لاتحاد دول أميركا الجنوبية (أوناسور) لعام 2014 وافق على التقرير المفهومي المتعلق بمفهوم مواطنة أمريكا الجنوبية. وبالمثل، واصلت الهيئات دون الإقليمية (مثل جماعة دول الأنديز والسوق المشتركة الجنوبية) بالإضافة إلى مؤتمر أمريكا الجنوبية المعني بالهجرة وفريق العمل المعني بمواطنة أمريكا الجنوبية العمل اعتماداً على مقاربة حيوية ومتكاملة وقائمة على الحقوق، وعُرِضَ التقدم الذي أُحرِزَ في هذه القضية في اجتماع اتحاد دول أميركا الجنوبية (أوناسور) في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2015 في مونتيفيديو. ومنذ ذلك الوقت، يواصل فريق العمل المعني بمواطنة أمريكا الجنوبية عمله على هذه القضية. وبالنسبة للأمين العام لاتحاد دول أمريكا الجنوبية (أوناسور)، يُجسِّدُ الهدف الذي تسعى إليه مواطنة أمريكا الجنوبية طموحات المنظمة المؤسسية وعبر الإقليمية.

 

فاليريا يوماس llamasva@gmail.com

سكرتيرة تنفيذية، شبكة حقوق الإنسان في أمريكا اللاتينية متعددة التخصصات (REDLAIDH) www.redlaidh.org



[i] إعلان قرطاجنة بشأن اللاجئين وحماية الأشخاص الفَّارين من النِّزاع المسلَّح وغيره من أوضاع العنف في أمريكا اللاتينية www.refworld.org/docid/51c801934.html

[iv] يضم اتحاد دول أمريكا الجنوبية (أوناسور) اثني عشر بلداً من بلدان منطقة أمريكا الجنوبية وهي: الأرجنتين وكولومبيا والبرازيل وكولومبيا وتشيلي والإكوادور وغينيا وباراغواي وبيرو وسورينام وأورغواي وفنزويلا

 www.unasursg.org

 

FMR 56
October 2017

المحتويات

إخلاء مسؤولية

جميع الآراء الواردة في نشرة الهجرة القسرية لا تعكس بالضرورة آراء المحررين ولا آراء مركز دراسات اللاجئين أو جامعة أكسفورد.