دور آسيان في أزمة لاجئي الروهينغيا

ريتشا شيفاكوتي

تفاقمت أزمة لاجئي أقلية الروهينغيا في الآونة الأخيرة لتصبح أزمة إقليمية. لذلك أصبح من واجب الدول الأعضاء في رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) تعزيز التعاون الإقليمي فيما بينهم من أجل تحسين الحماية للاجئي المنطقة.

تشير التقديرات إلى وجود نحو مليون شخص من أقلية الروهينغيا المسلمة في ميانمار، وهي أقلية من ولاية راخين لا تحظى باعتراف حكومة ميانمار كواحدة من الجماعات الإثنية في البلاد البالغ عددها 135 جماعة، ولا يحمل أفرادها أي وثائق قانونية ما يجعلهم عديمي الجنسية. ومع اتساع أعمال العنف ضد جماعة الروهينغيا من قبل الحكومة والجماعات الأخرى في ولاية راخين في عامي 2012 و 2015 أُجبِرَ كثير من الروهينغيا على الانتقال إلى مخيمات النازحين داخلياً أو إلى البلدان المجاورة حيث يعيشون في ظروف مزرية. وفي عام 2016 قدّرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أعداد الهاربين من ميانمار من الروهينغيا بما يزيد عن 168 ألف شخص منذ عام 2012 [1]ومع اندلاع العنف مرة أخرى في أغسطس/آب عام 2017 عبر مئات الآلاف من الروهينغيا الحدود إلى بنغلادش.

وعلى الرغم من الاستجابات الدولية المشتركة لأحداث العنف السابقة الممارسة ضد الروهينغيا وما رافقها من تركيز للحكومات على دعم الإصلاح الديمقراطي الهش في ميانمار وُجِّهَت انتقادات كثيرة لحكومة ميانمار من عدة نواح لضعف الجهود التي تبذلها الحكومة في حماية الروهينغيا، إذ أشار تقرير أعدته المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في عام 2016 إلى أن انتهاكات الحقوق الإنسانية لمسلمي الروهينغيا قد تشير إلى "احتمال ارتكاب جرائم بحق الإنسانية إذا وُضِعَت أمام محكمة القانون"[2] كما أشار تقرير لاذع أعدّته المبادرة الدولية لمكافحة الجريمة السنة الماضية إلى أن " جماعة الروهينغيا تواجه المراحل الأخيرة من الإبادة الجماعية".[3] أمّا زعيمة ميانمار بحكم الأمر الواقع أونغ سان سو كي الحاصلة على جائزة نوبل للسلام فقد وجَّه المجتمع الدولي لها انتقاداً واسع النطاق بأنها لم تشجب بما يكفي تجدد العنف في بلادها.

أزمة إقليمية

تقع المسؤولية الأولى لحماية حقوق مسلمي جماعة الروهينغيا على عاتق حكومة ميانمار. ويعد استبعاد القضية أو الإصرار على أنَّ مصطلح ’الروهينغيا‘ غير مستخدم لأنه مثير للجدل أمراً غير مقبول. وأول ما يجب على الحكومة فعله إيجاد الحلول لحالات انعدام الجنسية المطوّلة لجماعة الروهينغيا إذ إن انعدام الجنسية جعلهم عرضة للتمييز والإساءة. كما ينبغي لميانمار باعتبارها دولة ديمقراطية مُعتَرَف بها حديثاً أن تحترم اختلاف الأديان والجماعات الإثنية داخل البلاد دون ممارسة التمييز المُمَنْهج ضد أي جماعة من الجماعات التي في البلاد. وجاء النِّزاع وأعمال العنف في ولاية راخين التي جذبت التغطية الصحفية رغم السيطرة الحكومية الصارمة لهدم النوايا الحسنة الدولية. ومع هروب مسلمي الروهينغيا إلى البلدان المجاورة، لم يعد بمقدور ميانمار الإصرار على موقفها بالادّعاء أنَّ ما تواجهه لا يعدو أن يكون أزمة داخلية فحسب بل ينبغي لها بدلاً من ذلك أن تعمل مع بنغلادش والدول الأعضاء في آسيان لمعالجة الوضع.

وفي غضون خمس سنوات، أصبحت أزمة الروهينغيا أزمة إنسانية كاملة ذات عواقب إقليمية إذ إنها تشكل اختباراً حاسماً أمام الدول الأعضاء العشرة في آسيان[4] ومؤسساتها، كما تسلط الضوء على غياب الإطار السياسي والقانوني اللازم للتعامل مع القضايا المتعلقة باللاجئين في دول آسيان. فالفلبين وكمبوديا هما الطرفان الوحيدان من بين دول آسيان كلها في اتفاق عام 1951 المتعلق بوضع اللاجئين أو بالبروتوكول التابع له لعام 1967. أمّا إعلان آسيان لعام 2007 بشأن حماية وتعزيز حقوق العمال المهاجرين فلا يركز إلا على العمال المهاجرين فحسب ويخلو من أي ذكر للاجئين أو طالبي اللجوء.

وتفاقمت مأساة الروهينغيا إثر استجابة عدة دول من رابطة آسيان ممن أداروا ظهورهم عام 2015 للقوارب المحمّلة بآلاف اليائسين من الروهينغيا. لكنّ الضغوطات الدولية المكثفة والتدقيق الإعلامي على رفض تلك الدول لتقديم المساعدة للاجئي القوارب أجبر إندونيسيا وماليزيا على السماح للأشخاص بالنزول على أراضيها بصفة مؤقتة. كما أدت تلك الضغوطات إلى شن حملات القمع على المتاجرين بالبشر المشاركين بنقل الهاربين من أقلية الروهينغيا. وفي مايو/أيار عام 2015 وجدت السلطات التايلاندية والماليزية قبوراً جماعية في المخيمات المهجورة للاتجار بالبشر على طول الحدود المشتركة بينهما يُعتَقَدُ أنّها تعود للروهينغيا. وهذا ما دفع الدول الأعضاء في عملية بالي بشأن تهريب الأشخاص والإتجار بالأشخاص وما يتصل بذلك من جرائم عبر وطنية والبالغ عددهم 45 دولة للاعتراف بضرورة الاستجابة العاجلة والجماعية لهذه القضايا. كما وافقوا على اتباع آلية تمنح الرؤساء المشاركين في كل من إندونيسيا وأستراليا السلطة "للتشاور، وإذا لزم الأمر عقد الاجتماعات في المستقبل لمناقشة القضايا العاجلة بشأن الهجرة غير النظامية مع الدول المتأثرة أو المهتمة بها استجابة للقضايا الإقليمية الحالية أو لحالات الطوارئ في المستقبل".[5]

ومن المبادئ المميزة في ميثاق آسيان مبدأ "عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء في رابطة دول جنوب شرق آسيا".[6] وعلى الرغم من هذا المبدأ، ونتيجة للتوترات المتزايدة في المنطقة بفعل أزمة لاجئي الروهينغيا لعام 2015، بدأت بعض الدول ذات الأغلبية المسلمة مثل ماليزيا وإندونيسيا باتخاذ موقف أقوى بشأن حماية مسلمي الروهينغيا. فعلى الرغم من أن اندونيسيا أشارت إلى أن أزمة الروهينغيا هي مشكلة إقليمية فقد اتّبعت مبدأ عدم التدخل مؤكدة أنها ستواصل سياستها في ’المشاركة البنّاءة‘ بدلاً من الضغط على ميانمار. أمّا من الناحية الأخرى، كانت ماليزيا صريحة في إدانتها لمعاملة ميانمار لأقلية الروهينغيا. فقد قال رئيس وزرائها نجيب رزاق في إحدى المسيرات مؤخراً "لن يجلس العالم جانباً بينما يشاهد الإبادة الجماعية بحق الروهينغيا". [7]كما عقدت منظمة التعاون الإسلامي اجتماعاً وزارياً طارئاً في كوالا لامبور في عام 2016 لمناقشة الوضع استجابة لطلب الحكومة الماليزية. كما أكدت ماليزيا على أنَّ مأساة مسلمي الروهينغيا مصدر قلق إقليمي ودعت رابطة آسيان لتنسيق الدعم الإنساني والتحقيق في الفظائع المزعومة المُرتكبة بحقهم.

وأجبرت الانتقادات الإقليمية والدولية المتزايدة حكومة ميانمار على اتخاذ بعض الخطوات من أجل التخفيف من حالة القلق التي تسببت بها أزمة الروهينغيا. وبناءً على طلب ماليزيا، دعت أونغ سان سوكي إلى عقد اجتماع خاص غير رسمي مع وزراء خارجية دول آسيان في يانغون في ديسمبر/كانون الأول عام 2016 لمناقشة المخاوف الدولية حول الوضع. وقالت سوكي إنّ ميانمار ستقدم إحاطات منتظمة للدول الأعضاء في آسيان ومن المحتمل أن تعمل معها من أجل تنسيق جهود المساعدات. كما سمحت حكومة ميانمار لعدة إعلاميين بموجب موافقة مُسبَّقة لزيارة موانغداو وهي إحدى مواقع النِّزاع الرئيسية. وأسست سوكي لجنة استشارية حول ولاية راخين برئاسة كوفي عنان تضم ستة أعضاء وطنيين وثلاثة أعضاء دوليين. وأوصت اللجنة الاستشارية في تقريرها الأخير الذي نُشِرَ في أغسطس/آب عام 2017 بعدة طرق لتحسين المساءلة وإيجاد حلول طويلة الأمد لحالات انعدام الجنسية المطولة للمجتمع الإسلامي في ولاية راخين. كما اقترحت اللجنة تحسين ميانمار لعلاقاتها الثنائية مع بنغلادش وضرورة تسهيل الدولتين للعودة الطوعية للاجئين من بنغلادش إلى ميانمار من خلال عملية تدقيق مشتركة. وأوصت اللجنة ميانمار بمواصلة التفاعل والمشاركة مع البلدان المجاورة لها من أعضاء آسيان وإطلاعهم على الأبعاد الأوسع نطاقاً والآثار الإقليمية للوضع في ولاية راخين.[8]

الخلاصة

كشفت أزمة الروهينغيا المستمرة عن عدم استعداد المنطقة للتعامل مع تنقل اللاجئين من إحدى الدول الأعضاء إلى الدول الأخرى. وتعد الاجتماعات التي عقدت بين دول آسيان لمناقشة الأزمة بداية طيبة لكنّ الوضع يحتاج إلى رصد دقيق إذا ما أُريدَ للتعاون الإقليمي المُحسّن أن يؤدي إلى تحسين حماية اللاجئين في المنطقة. كما يجب على الدول الأعضاء أن يطوروا سياسة خاصة باللاجئين وطلبات اللجوء تشتمل على توجيهات للإجراءات اللازم اتخاذها في الحالات التي تجبر فيها القضايا الداخلية للدول الأعضاء الناس على الفرار إلى الدول المجاورة. ويمكن لهذه السياسة التي وافقت عليها كل الدول الأعضاء في آسيان أن تساعد على التخفيف من تصعيد المعارضة وأي توترات إثنية أو دينية بين الدول. كما يمكن معالجة النِّزاعات المستقبلية من خلال اللجنة الحكومية الدولية المعنية بحقوق الإنسان التابعة لآسيان مع التأكيد على أهمية تعزيز هذه الهيئة ذلك لأنها تفتقر إلى التفويض الذي يمكنها من الحماية والتحقيق. وتجدر الإشارة إلى أن رابطة آسيان)تفتقر إلى محكمة لحقوق الإنسان لتفسير وتنفيذ إعلان رابطة دول جنوب شرق آسيا لحقوق الإنسان وهو عامل آخر يجب معالجته إذا ما أُريدَ حماية لاجئي المنطقة بمن فيهم الروهينغيا.

 

ريتشا شيفاكوتي rshivakoti@gmail.com

مرشحة لنيل درجة الدكتوراه، كلية لي كوان يو للسياسة العامة، جامعة سنغافورة الوطنية https://lkyspp.nus.edu.sg

 



[1] UNHCR (2016) Mixed Movements in South-East Asia 2016.

(المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (2016) التحركات المختلطة في جنوب شرقي آسيا 2016)

www.refworld.org/pdfid/590b18a14.pdf

[2] حالة حقوق الإنسان لمسلمي الروهينغيا والأقليات الأخرى في ميانمار، التقرير السنوي لمفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، 29 يونيو/حزيران 2016

https://documents-dds-ny.un.org/doc/UNDOC/GEN/G16/135/39/PDF/G1613539.pdf?OpenElement

[3] Green P, Macmanus T and de la Cour Venning A (2015) Countdown to Annihilation: Genocide in Myanmar, International State Crime Initiative

(غريب ب وماكمانوس ت ودي لا كور فيننغ إ (2015) العد التنازلي للإبادة: الإبادة الجماعية في ميانمار)

http://statecrime.org/data/2015/10/ISCI-Rohingya-Report-PUBLISHED-VERSION.pdf

[4] تتألف رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) من الدول الأعضاء التالية: بروناي وكمبوديا وأندونيسيا ولاوس وماليزيا وميانمار والفلبين وسنغافورة وتايلندا وفيتنام.

[5]بيان الرؤساء المشاركين في مؤتمر بالي الوزاري الإقليمي بشأن تهريب الأشخاص والإتجار بالأشخاص والجريمة عبر الوطنية المرتبطة بها، 23 مارس/آذار 2016

http://kemlu.go.id/id/lembar-informasi/Pages/Co-Chairs-Statement-BRMC-VI.aspx

[6] ASEAN (2007) The Asean Charter

(رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) (2007) ميثاق آسيان)

http://asean.org/wp-content/uploads/images/archive/publications/ASEAN-Charter.pdf

[7]Malaysia PM urges world to act against “genocide” of Myanmar’s Rohingya’, The Guardian, 4 December 2016

’رئيس الوزراء الماليزي يحث العالم على التدخل لوقف "الإبادة الجماعية" للروهينغيا في ميانمار‘ صحيفة الغارديان)

www.theguardian.com/world/2016/dec/04/malaysia-pm-urges-world-to-act-against-genocide-of-myanmars-rohingya

[8] Advisory Commission on Rakhine State (2017) 'Towards a Peaceful, Fair and Prosperous Future for the People of Rakhine: Final Report of the Advisory Commission on Rakhine State'..

اللجنة الاستشارية حول ولاية راخين (2017) "نحو مستقبل سلمي وعادل ومزدهر لشعب راخين: التقرير النهائي للجنة الاستشارية حول ولاية راخين)

http://www.rakhinecommission.org/app/uploads/2017/08/FinalReport_Eng.pdf

 

FMR 56
October 2017

المحتويات

إخلاء مسؤولية

جميع الآراء الواردة في نشرة الهجرة القسرية لا تعكس بالضرورة آراء المحررين ولا آراء مركز دراسات اللاجئين أو جامعة أكسفورد.