ثغرات الحماية في المكسيك

أندريا فيلاسنيور وإيلبا كوريا

مثَّلت المكسيك واحدة من أهم البلدان للذين هجَّرهم العنف الدائر في المثلث الشمالي لأمريكا الوسطى كوجهة نهائية وكبلد للعبور على حد سواء، ويدعو ذلك إلى ضرورة ملحة لتحسين الحكومة المكسيكية لمنظومات اللجوء لديها وإجراءات النظر في طلبات اللجوء لتفي بالغرض المنشود منها في ظل ذلك السياق

يمثل مسار الهجرة العابر من أمريكا الوسطى فالمكسيك فالولايات المتحدة الأمريكية واحداً من أكبر مسارات الهجرة في العالم إذ تشير مفوضية الأمم المتحدة السامية للاجئين إلى أنَّ ما لا يقل عن 500 ألف شخص يعبرون المكسيك في كل عام. [i]لكنَّ تغيرات كبيرة لا تخطئها العين حدثت على الأقل خلال العقد المنصرم في توليفة تدفقات الهجرة غير النظامية إلى المكسيك وخصائصها خاصةً من ناحية الأسباب المولّدة للتهجير في كل من هندوراس والسلفادور وغواتيمالا بدرجة أقل.

وتتأصل جذور التَّهجير في الثمانينيات عندما اندلعت الحرب الأهلية في بلدان مثل غواتيمالا والسلفادور وصاحبها موجة من القمع أدت إلى تهجير الناس نزوحاً في الداخل ولجوءاً إلى الخارج. فاختار البعض الفرار إلى الدول المجاورة لكنَّ مئات الآلاف غيرهم هاجروا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وبعد انتهاء النِّزاعات في المنطقة في التسعينيات توقفت تدفقات اللاجئين من أمريكا الوسطى لكنَّ موجة جديدة حلت مكانها تتمثل في هجرة أعداد كبيرة من المهاجرين الاقتصاديين الفارين من براثن الفقر والفاقة التي بسطت ظلالها على بلدان أمريكا الوسطى خاصة منها دول المثلث الشمالي[ii]: السلفادور وغواتيمالا وهندوراس. وتضاعفت أعداد المهاجرين إلى الولايات المتحدة الأمريكية مع وقوع الكوارث الطبيعية منها على سبيل المثال إعصار ميتش في عام 1998 وزلزال السلفادور في عام 2011.

واستجابة لذلك، أسست المكسيك عام 1980 لجنة مساعدات اللاجئين، وفتحت مفوضية الأمم المتحدة السامية للاجئين مكتباً لها في المكسيك عام 1982، ثمَّ أسست المكسيك عام 1990 اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان. ثم أدخلت المكسيك أيضاً منظومة اللاجئين في تشريعاتها الوطنية عام 1990 وبعد عشر سنوات، صدَّقت المكسيك اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بوضع اللاجئين لعام 1951. وفي عام 2011، أقرَّت المكسيك قانوناً للهجرة وقانوناً للاجئين والحماية التكميلية (عُدِّل لاحقاً عام 2014 ليصبح: قانون اللاجئين والحماية التكميلية واللجوء السياسي)

سمات الهجرة الجديدة

في وقت ليس ببعيد، بدأت أعداد المغادرين لهندوراس والسلفادور لأسباب اقتصادية بحتة بالانخفاض يقابله ارتفاع بأعداد الفارّين من العنف والجريمة المنظمة والاضطهاد. فمنذ عام 2006، أودت الأحداث بحياة ما تقدر أعدادهم بـ 150 ألفاً في السلفادور بمعدل يفوق 50 قتيلاً على يد العصابات الإجرامية لكل مائة ألف في العام الواحد أي ما يزيد على ثلاثة أضعاف معدل القتلى في المكسيك بل ما يفوق عشرة أضعاف المعدل ذاته في الولايات المتحدة الأمريكية. وفي عام 2015، سجَّلت السلفادور معدل 103 قتيلاً على يد العصابات لكل مائة ألف من السكان يقابله 57 في هندوراس و30 في غواتيمالا. وحتى معدلات الأطفال تحت سن العشرين من ضحايا جرائم القتل فقد سجلت ارتفاعاً في السلفادور وغواتيمالا مقارنة بمعدلاتها في أي بلد آخر في العالم. وفي عام 2015، احتجزت سلطات الهجرة المكسيكية قرابة 35 ألف مراهق أكثر من نصفهم كانوا غير مصحوبين ببالغين.

وفي السنوات الأربعة الماضية، ازدادت طلبات اللجوء في المكسيك من 1296 في عام 2013 إلى 8788 في عام 2016، حصل منها 2872 على صفة اللجوء أو اللجوء. لكنَّ هذه الأرقام ما زالت ضعيفة مقارنة بعدد الفارين من بلدان المثلث الشمالي في أمريكا الوسطى ممن اعترضتهم المكسيك واحتجزتهم. وبين عامي 2013 و2016، فاق عدد المعتقلين من بلدان المثلث الشمالي في أمريكا الوسطى 520 ألفاً معظمهم (517 ألفاً و249) كان مصيرهم أن رحّلتهم السلطات (برعاية العهد الوطني للهجرة).[iii] من بين ما يقدر عدده بـ 51 ألف طفل مهاجر ومراهق غير مصحوبين ببالغين ممن لديهم حاجات محتملة للحماية في المكسيك والقادمين من أمريكا الوسطى بين عامي 2013 و2016، لم يتقدم منهم أكثر من 1.1% لطلب اللجوء، وحتى هؤلاء لم يحصل منهم على حق اللجوء أو الحماية التكميلية سوى 230 فرداً (0.4%).

من جانب آخر، تمخضت قمة الأمم المتحدة للاجئين والمهاجرين عام 2016 عن تحسينات تجسدت في رفع معدلات الاعتراف بصفة اللاجئ وبقطع الدول المشاركة لتعهداتها بالالتزام بإدخال إجراءات حقيقية في منظوماتها لتوفير ’معاملة إنسانية تحفظ كرامة المهاجرين واللاجئين‘، لكنَّ تحديات كثيرة ما زالت قائمة في مواجهة توفير الحماية للاجئين في المكسيك. ومن هنا، نجد حاجة ماسة إلى تبني التدابير الكفيلة بتحديد الأشخاص الذين يحتاجون للحماية وتمكينهم مباشرة دون تعقيدات من دخول عملية تحديد صفة اللاجئ بما في ذلك تمكينهم من الوصول إلى المنظومات العدلية خاصة منها القدرة على الطعونات والدفوع في المحاكم وغيرها من الجهات المعنية. وعلى المكسيك أيضاً أن ترسم سياسات عامة فاعلة لضمان الاندماج المحلي ولضمان كامل حقوق اللاجئين.

تدابير تحديد اللاجئين

من أهم الاعتبارات التي يجب مراعاتها في رسم السياسات العامة السمات الاجتماعية-السكانية للأشخاص الذين يسعون للحماية. لكنَّ هذا الاعتبار، رغم أهميته، لم يُفرِز أثراً كبيراً على الإجراءات التي اتخذتها المؤسسة الوطنية للهجرة (COMAR) لإحداث التحسينات اللازمة في معلومات حق اللجوء ونطاقه وآلية تمكين وصول طالبي اللجوء له

خاصة أنّ القادمين إلى المكسيك من السلفادور وغواتيمالا وهندوراس عادة ما تكون مستويات تعليمهم منخفضة ويعانون من استضعاف اقتصادي اجتماعي يقابل ذلك شح في المعلومات المتاحة حول اللجوء وكيفية التقدم بطلب للجوء، وحتى تلك المعلومات القليلة لا تتيحها الجهات التي تمتلكها إلا إذا أُكرِهَت على ذلك. ولعل لتلك الجهات ما يسوِّغ تصرفها لكنَّ إخفاء المعلومات بهذه الطريقة فيه تجاهل لحقيقة ثابتة هي أنَّ الناس المحتاجين للحماية عادة ما يجهلون أنَّ لهم الحق في الاعتراف بهم كلاجئين خاصة مع تدني مستويات تعليمهم التي تصل في بعض الأحيان إلى الأمية وكل ذلك يعيق من حصولهم على فهم صحيح وإحاطة كاملة بمجمل الجوانب القانونية للوضع الذي يعيشون فيه. وبذلك يصبح تدني وضعهم الاقتصادي-الاجتماعي سبباً في زيادة استضعافهم ومعاناتهم وبافتقارهم للمعلومات اللازمة حول وضعهم، لا يجدون سبيلاً لتحديد حاجاتهم في الحماية ولا التعامل معها أصلاً.

تمكين الوصول إلى إجراءات اللجوء

تمثل سياسات الهجرة وسياساتها التي تنفِّذها المكسيك واحدة من أهم معيقات الوصول إلى إجراءات اللجوء، منها الاحتجاز القسري والممنهج للأشخاص المتنقلين وتسريع ترحيلهم قسراً عدا عن انعدام الموارد التي يفترض أن تتاح إلى الأفراد الراغبين في السعي وراء الحماية من الإعادة القسرية، وكل تلك التدابير تشوش على حق التقدم بطلب الحصول على صفة اللاجئ. وبهذا الصدد، لا بد من اتخاذ التدابير الضرورية لتجاوز الخطاب الرسمي المنصب على أنَّ الأشخاص المعرضين لهذه المعاملة إنما قدموا للمكسيك كدولة ’عبور‘ لوجهتهم النهائية وأنها ليست مستقراً لهم. وما هي إلا حجة يزداد التشكيك بها وبمصداقيتها. وهناك واجب على الدولة بأن تضمن منع انتهاك إعادة اللاجئين لمبدأ عدم الإعادة القسرية ما يتطلب بالضرورة أن تبدأ المكسيك بإطلاق التدريب المناسب بما في ذلك توفير الأدلة الإرشادية والتنفيذية بغية ضمان انسجام سياسات الهجرة واللجوء فيها مع المعايير الدولية ومنها على سبيل المثال توفير بدائل الاحتجاز لطالبي اللجوء.

الوصول إلى العدالة والإجراءات النظامية

يؤسس قانون اللاجئين والحماية التكميلية واللجوء السياسي معايير للحماية وإجراءات كافية وواضحة. لكنَّ الممارسة على أرض الواقع تشير إلى وجود عوائق إدارية وعملية تُقوِّض الحماية المكفولة بالقانون وتحد من تنفيذ الحق بالإجراءات العادلة والفعالة إذ إنَّها، على سبيل المثال، تحد من قدرة الأفراد المحتجزين في مراكز احتجاز المهاجرين وتمنع عنهم المساعدة القانونية. مثل هذه المعوقات تقف حائلاً أمام إنجاز حق الحماية للشخص بصفته لاجئ وهذا ما يستدعي بدوره التساؤل حول مدى التزام الدولة بتوفير الحماية الفعالية للاجئين.

وفضلاً عن معالجة أوجه القصور التي تعيق في الوضع الراهن من الاعتراف بصفة اللاجئ، على المكسيك أن تحرص أيضاً على توفير الآليات الفعالة للتنسيق ما بين مؤسساتها المختلفة والمؤسسة الوطنية لهجرة لتسهيل تنظيم العملية ككل فور الاعتراف بالأشخاص على أنهم لاجئون. وأخيراً، ينبغي للمكسيك أن تؤسس برامج شاملة لضمان حصول جميع أفراد مجتمع اللاجئين على حقوقهم كحق الصحة والتعليم ولا بد لها ن الترويج لدمجهم اجتماعياً واقتصادياً.

 

أندريا فيلاسنيور subdireccionsjrmex@sjrlac.org

مديرة المشروعات، المنظمة اليسوعية لخدمة اللاجئين، المكسيك http://en.jrs.net

 

إيلبا يانيت كورياelba.coria@ibero.mx

مديرة، عيادة ألايدي فوبا القانونية، جامعة إيبيروامريكانا، المكسيك

http://ibero.mx/derecho @AfClinica
 



[i] UNHCR Fact Sheet. February 2017 [Hoja informativa ACNUR. Febrero 2017]

(صحيفة الحقائق للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فبراير/شباط 2017)

http://reporting.unhcr.org/sites/default/files/Mexico%20Fact%20Sheet%20-%20Februrary%202017.pdf

[ii] يشار إليها أيضاً بشمال أمريكا الوسطى.

[iii] المصدر: وزارة الداخلية - شعبة سياسة الهجرة

 

FMR 56
October 2017

المحتويات

إخلاء مسؤولية

جميع الآراء الواردة في نشرة الهجرة القسرية لا تعكس بالضرورة آراء المحررين ولا آراء مركز دراسات اللاجئين أو جامعة أكسفورد.