إبقاء المدارس مفتوحة: التعليم في أوقات النزاع

أليس فارمر

مع أنَّ الجماعات المُسلَّحة من غير الدٌّول تسعى لحماية التعليم وتعزيزه، فكثير منها تتجاهل المدارس والطلبة وقد تعتدي عليهم أيضاً.

ليس النِّزاع بحد ذاته سبباً مقنعاً لإغلاق فرص التعليم، بل على الجماعات المُسلَّحة من غير الدٌّول واجب يحتّم عليها حماية التعليم في المناطق التي تسيطر عليها.  والقانون الإنساني يفرض وجوب استمرار التعليم في حالات الطوارئ.  فاتفاقية جنيف الرابعة على سبيل المثال، تجبر سلطات الاحتلال على تسهيل "العمل الملائم للمؤسسات التعليمية في المناطق المُحتلَّة."  كما تركّز الاتفاقية ذاتها على أنّه بالنِّسبة لبعض فئات الأطفال المتأثرين بالنِّزاع، "يتعين على أطراف النِّزاع ضمان تسهيل عملية تعليم (هؤلاء الأطفال) تحت أي ظرف كان." [1]  فالتعليم عامل أساسي في التمكين من أن يعيش الأطفال حياة طبيعية ممن تأثروا نتيجة النِّزاع، ولا بد من إكسابهم المهارات اللازمة للعيش. [2]

 

وفي الأحوال التي يقود فيها النِّزاع مع الجماعات المُسلَّحة من غير الدٌّول إلى نزوح السُّكان، يُطلب من الجهة المسيطرة على المنطقة سواء أكانت السلطات المعنية أم الدَّولة أو الجماعة المُسلَّحة من غير الدٌّول توفير التعليم قدر الإمكان.  كما نصَّت المبادئ الإرشادية حول النُّزوح في مادتها 23(1) على ضرورة تسهيل الخدمات التعليمية "التي يتعين أن تكون متوافرة للنَّازحين...فور إتاحة الظروف لذلك."

 

وأكثر من نصف عدد الأطفال غير ملتحقين بالمدارس في الدٌّول الضعيفة أو المتأثرة بالنِّزاع.  ومع الأخذ بالاعتبار أنّ النزاعات الحديثة إنما هي نزاعات مُسلَّحة داخلية، فقد نشطت كثير من الجماعات المُسلَّحة من غير الدٌّول على أراضيها.  وتلك الجماعات قادرة على إحداث تأثير لا يستهان به في الوصول إلى التعليم.   وفي حين أنَّ ذلك الأثر قد يكون مدمِّراً ، كما الحال عند الاعتداء على المدارس، على سبيل لمثال، فهو ليس أثراً سلبياً في جميع الأحوال، لأنّ التعليم يُعد من النواحي التي يمكن للجماعات المُسلَّحة من غير الدٌّول استغلاله في تلبية الحقوق الرئيسية التي يطالبون بها خاصة إذا ما كان للجماعة المُسلَّحة من غير الدٌّول أجندات سياسة واستحواذ على السيطرة في بعض المناطق.

 

الجماعات المُسلَّحة من غير الدٌّول التي لا تستحوذ على السيطرة الإقليمية

 

يترتب أثر كبير جداً على النزاعات المُسلَّحة التي تشارك بها الجماعات المُسلَّحة من غير الدٌّول على التعليم وذلك نتيجة تسبب النِّزاع في إحداث موجات هائلة من النُّزوح الجماعي القسري (وهو عامل يؤدي إلى انقطاع التعليم المصاحب لتوقف المدارس، وفقر العائلات، وارتفاع مستوى الانفلات الأمني لدى كلّ من المرافق والهيئات التعليمية) وتدمير البنى التحتية التعليمية (البشرية والمادية على حد سواء)، وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية (بما فيها توفير برامج التعليم في حالات الطوارئ).

 

وقد لا تقتصر عمليات الجماعات المسلحة من غير الدول على الاعتداء المادي على المدارس فحسب، بل قد يتعدى ذلك لتمارس عمليات خطف الأطفال من المدارس للانضمام إلى الجماعات المُسلَّحة، وقد تمارس التهديد أيضاً على الطلاب والمعلمين والمديرين.  ففي مقاطعة سوات في الباكستان على سبيل المثال، انتشرت اعتداءات الجماعات المُسلَّحة من غير الدول على المدارس في الأعوام التي قادت إلى أزمة النُّزوح، فقد دمَّرت 200 مدرسة في المقاطعة المذكورة وحدها مع نهاية عام 2008، وكان 95% منها من مدارس الإناث.  ويُقدَّر أنّ قرابة 50,000 طالب وطالبة قد حُرموا من التعليم نتيجة لتلك الاعتداءات.  بالإضافة إلى ذلك، يشير المسح الذي أجرته منظمة إنقاذ الأطفال (المملكة المتحدة) حول إحدى المدارس في مدينة قندهار الأفغانية إلى أنّ "ما لا يزيد عن نصف عدد الإناث يحضرن للمدرسة يومياً وذلك نتيجة لاستمرار تعرضهن لخطر الموت." [3] مع العلم بأنَّ القانون الدَّولي يحظر الاعتداء على المدارس أو المرافق الأخرى التي يستخدمها الأطفال بالعادة، ومع ذلك فما زالت تلك الاعتداءات مستمرة.

 

ويمكن أن يكون للنّزاع بين الجماعات المُسلَّحة من غير الدول مع غيرهم للسيطرة على أقاليم في البلاد أثرٌ مأساوي على إمكانية نفاذ النَّازحين وغيرهم إلى التعليم.  فمنظمة إنقاذ الأطفال (المملكة المتحدة)، على سبيل المثال، تقدّر أنّ أغلب الأطفال النَّازحين في المناطق الشرقية من جمهورية الكونغو الديمقراطية غير قادرين على النفاذ إلى التعليم وذلك نتيجة عرقلة وصول المساعدات الإنسانية إليهم ودمار البنى التحتية التعليمية.  فغالباً ما يضطرون إلى حرق أثاث المدارس لغايات التدفئة، عدا عن أنّهم يتخذون من المدارس مأوى لهم. 

 

الجماعات المُسلَّحة من غير الدٌّول ذات السيطرة الإقليمية

 

في الحالات التي تستحوذ فيها الجماعات المُسلَّحة من غير الدٌّول على السيطرة الإقليمية، قد تتمكن تلك الجماعات أيضاً من توفير بعض أنواع الخدمات الاجتماعية والاقتصادية للسكان المحليين.  فحزب الله في لبنان، على سبيل المثال، بصفته جماعة مُسلَّحة من غير الدٌّول وفاعل أساسي على المشهد السياسي في لبنان، يتمتع بسيطرة واسعة النطاق على عدد كبير من البلديات في جنوب لبنان، وهو يحافظ على الوحدة التعليمية التي تشكل جزءاً من منظومته الخاصة بالخدمات الصحية والاجتماعية.   ووفقاً لتقرير نشر نُشر في حزيران 2009، تقدم الوحدة التعليمية "خدمة لا غنى عنها للفقراء الشيعة" وذلك عن طريق فتح المدارس الأساسية والثانوية التي تخدم قرابة 14,000 معظمهم من الطلاب الشيعة مقابل رسوم رمزية وذلك في المناطق التي يُنظر للخدمات التعليمية الحكومية على أنها ضعيفة. [4]  وهنا، نجد أن حضور الجماعة المُسلَّحة من غير الدٌّول يمنح درجة من السيطرة الإقليمية والخدمات الاجتماعية أيضاَ ما يترتب عليه أثر إيجابي في النَّفاذ إلى التعليم للأطفال النَّازحين وغير النَّازحين على حد سواء.

 

ومع ذلك، لا يمكن القول إنَّ هذا النمط من تقديم الخدمات ينطبق على جميع الجماعات المُسلَّحة من غير الدٌّول المسيطرة على مناطق معينة في البلاد.   فقد تعمل الجماعة المُسلَّحة من غير الدٌّول على تقويض الأمن إلى درجة تقود إلى استحالة تقديم الخدمات التعليمية و/أو إهمالها اهمالاً كبيراً.  ففي إقليم جاوزجان في أفغانستان مثلاً ، يلاحظ إهمال كبير من جانب الحكومة المركزية إزاء تقديم الخدمات الحكومية في حين يعمّ كثير من مناطقها بالعنف الذي تسببت به الجماعات المُسلَّحة من غير الدٌّول.  ويواجه الأطفال عقبات خَطِرَة في الحضور إلى بعض المدارس القليلة التي بقيت قائمة.  ومن هذه العقبات الألغام التي زرعتها حركة طالبان، وعمليات الخطف التي تجري بحق الأطفال أثناء ذهابهم أو غيابهم من المدرسة.  ففي مثل هذه الأحوال، لا تقدم الجماعات المُسلَّحة من غير الدٌّول الأمن الكافي للسماح باستمرار التعليم ولا الدعم السياسي للتعليم نفسه. 

 

من هنا، يتبين أنَّه على الجماعات المُسلَّحة من غير الدٌّول واجب يحتم عليها الامتناع عن الاعتداء على قطاع التعليم، وعليهم أيضاً في حالة سيطرتهم على منطقة ما أن يتحملوا واجب العمل على توفير النَّفاذ إلى التعليم.  ومن نافلة القول أنّه من الضروري إشراك هذه الجماعات في مسألة التعليم والإقرار بالدور الذي يمكن لهم تولّيه في المساس بحقوق الأطفال أو في حمايتها على حد سواء.

 

أليس فارمر (alice.farmer@nrc.ch) مستشارة في حقوق الأطفال لدى مركز رصد النَّازحين الدَّولي/مجلس اللاجئين النرويجي (http://www.internal-displacement.org).



[1] المواد 50(1) و24(1)

[2]   غريس متشل، The Impact of War on Children (أثر الحرب على الأطفال) http://www.unicef.org/publications/index_4401.html

[3]  منظمة إنقاذ الأطفال، (المملكة المتحدة)   Barriers to Accessing Education in Conflict-Affected Fragile States, Case study: Afghanistan (عوائق النفاذ إلى التعليم في الدول الضعيفة المتأثرة بالنزاع- دراسة حالة: أفغانستان) ص. 27، http://www.savethechildren.org.uk/en/docs/Afghanistan_Case_study_Final.pdf

[4]  مركز الشرق الأوسط للسياسات،

 Hezbollah’s social Jihad: non-profits as resistance organizations (جهاد حزب الله الاجتماعي: خدمات لا تهدف إلى الربح بالإضافة إلى أنّه تنظيم للمقاومة)  حزيران 2009

http://www.mepc.org/journal/middle-east-policy-archives/hezbollahs-social-jihad-nonprofits-resistance-organizations

FMR 37
March 2011

إخلاء مسؤولية

جميع الآراء الواردة في نشرة الهجرة القسرية لا تعكس بالضرورة آراء المحررين ولا آراء مركز دراسات اللاجئين أو جامعة أكسفورد.