خصخصة الأمن والحرب

خوسيه ل. جوميز ديل برادو

مهام الأمن الحكومية المناطة أصلاً إلى قوات الجيش والشرطة تُخصخَص وتوكل إلى الشركات العسكرية والأمنية الخاصة في البلدان التي يقود فيها النزاع إلى نزوح كثير من المواطنين.

مع تأسيس الشركات العسكرية والأمنية الخاصة، ظهر نوع جديد من رجال الحماية والجنود من القطاع الخاص ممن يعملون في مناطق الحرب وفي المناطق التي تفتقر إلى الأمن ضمن قيود قانونية يُشك في نزاهتها.  وتُنفّذ نشاطاتها على ما يمكن تسميته بالحدود التي تفصل الخدمات العامة للدولة والخدمات التجارية للقطاع الخاص، ومن هنا تنشأ "منطقة رمادية" خَطِرَة تفتقر إلى الشفافية والمساءلة والتنظيم.  وهناك آثار سيئة لنشاطاتهم بالإضافة إلى نشاطات القوات العسكرية غير الرسمية والمليشيات، وتتمثل هذه الآثار المتزايدة في النزوح القسري وفي وقوع انتهاكات حقوق الإنسان.  

 

تغطّي شركات الخدمات العسكرية والأمنية الخاصة عدداً من المهام التي كانت تلقى بالعادة على عاتق القوات العسكرية الرسمية والشرطة.  وتستخدم خدمات هذه الشركات كلّ من الحكومات، والمنظمات العابرة للحكومات، والمنظمات غير الحكومية، والشركات العابرة للقارات، والمنظمات الإنسانية، ووسائل الإعلام، والمنظمات الدولية.

 

ويشكِّل هذا الجيش من حرّاس الأمن الخصوصيين القوة الكبيرة الثانية في العراق بعد الجيش الأمريكي.  أمّا في أفغانستان فتشير أرقام نيسان 2010 التي كشفت عنها وزارة الدفاع الأمريكية إلى أنّ عدد المستَخدَمين في تلك القوات الأمنية الخصوصية يصل إلى 107,292 مدنياً و78,000 جندياً.

 

وقد أضاف استخدام الشركات العسكرية والأمنية الخاصة في مجال العمليات الإنسانية شيئاً من الضبابية على التمييز ما بين المنظَّمات الإنسانية غير الحكومية والشركات الهادفة للربح.  وفي مناطق النزاع أو ما بعد النزاع كأفغانستان والعراق، حيث يزداد عدد الشركات الأمنية والعسكرية الخاصة التي تقدم خدماتها للمنظمات غير الحكومية الإنسانية يصعب على المواطنين والمسؤولين الحكوميين على حد سواء التمييز بين المساعدات الإنسانية وقوى التدخّل.

 

وتأكيداً على تلك النقطة، تعمد إحدى شركات الأمن على وضع إعلان بانتظام في مجلة عمليات السَّلام الدولية[1] لكي تروّج لنشاطاتها في أفغانستان، والصّومال، والكونغو، والبوسنة والهرسك، والسودان، والعراق.  ويظهر في الإعلان صورة أحد الأفراد يُطعم طفلاً يعاني من سوء التَّغذية ويظهر على الإعلان الرِّسالة التَّالية: "من خلال الالتزام الإيثاري ومحبة الناس جميعاً، تعمل بلاكوتر على إحداث التغيير في العالم وتقديم الأمل لكل من يعيش حتى الآن أوقاتاً عصيبة"

 

أفغانستان

 

يعتري المواطنون في أفغانستان القلق إزاء انعدام تنظيم الشركات الأمنية الخاصة وعدم وجود المساءلة عليها، في بلد يعد من الدول المخفقة يعيش فترة ما بعد النزاع.  وفي أوضاع النِّزاع المسلح وما بعد النِّزاع، يعمل موظفو شركات الأمن الخاصة، وهم من المدنيين الذين يُسلَحون كما لو كانوا عسكريين، في وضع مجهول قد يحوّلهم من صفة "المدنيين" إلى صفة "المقاتلين" في أي لحظة كانت. [2]

 

وفي كثير من الحالات، ينظر المواطنون الأفغان إلى شركات الأمن الخاصة على أنّها تساهم في تأبيد "ثقافة الحرب"، كما أنّهم يبدون مخاوفهم إزاء غياب الشفافية والمساءلة على تلك الشركات وموظفيها.  وبما أنّ رجال الأمن الخصوصيين يرتدون ملابس مدنية ولا يضعون أيّ معرّف عليهم ويتنقلون من مكان إلى آخر دون وضع أي إشارة على عرباتهم تشير إلى هويتهم، فذلك يؤدي إلى أمر خطر للغاية يتَمثَّل في عسر التمييز بين الفاعلين الإنسانيين العاملين في البلاد وقوى الأمن.  ويبدو أنّ الأفغان أيضاً يعتقدون أنَّ الأموال المخصصة لإعادة إعمال بلادهم تُهدَر وتذهب إلى شركات الأمن الخاصة، ما يمنع من الاستقرار والأمن في البلاد، وهي بالضبط عكس الغاية التي تتبناها تلك الشركات.  وفي الواقع، كثيرٌ من الأفغان يؤمنون الآن أنّ موظفي الأمن الخصوصيين يهمهم بقاء حالة عدم الاستقرار في البلاد حفاظاً على وظائفهم.

 

أمّا شركات الأمن الخاصة فهي ترسل أيضاً رسالة إلى المواطنين وتسعى لتوضح لهم أنّ الأمن ليس سلعة عامة، وأنّ هذه السلعة لا تتوافر إلاّ للمغتربين الأغنياء أو أثرياء الأفغان دون غيرهم.  كما ينظر كثير من الأفغان إلى شركات الأمن الخاصة على أنّها ميلشيات مُسلَّحة وتربط بينها وبين قادة الحرب والعصابات الإجرامية.

 

العراق

 

في العراق، أصدر مدير سلطة التحالف المؤقتة القرار رقم 17 في حزيران/يونيو 2004، يمنح بمقتضاه الحصانة إلى المقاولين من أي ملاحقة قضائية خلال السنوات الثلاث الأولى من حكم الإدارة المؤقتة.  وكان ذلك القرار على غرار ما حدث في كولومبيا حيث مُنحت الحصانة للعناصر المُسلَّحة الأمريكية والمقاولين العاملين ضمن ما سمي بخطة كولومبيا فلا يمكن التحقيق بأي انتهاك أقدم عليه أيّ من تلك العناصر أو المقاولين، ولا يمكن ملاحقة أي منهم قضائياً.  وبالإضافة على ذلك، أبرمت كولومبيا اتفاقية عام 2003 مع الولايات المتحدة الأمريكية تمنع كولومبيا بموجبها أن تحيل إلى سلطة اختصاص المحكمة الجنائية الدولية أياً من العناصر المُسلَّحة الأمريكية أو أياً من المقاولين الأمريكيين العاملين لدى شركات الأمن الخاصة العابرة للقارات على خلفية جرائم ضد الإنسانية.

 

وكما الحال في أفغانستان، هناك كثير من الوظائف الأمنية في العراق المخصخصة باستخدام المقاولين من القطاع الخاص ممن تمكنوا من العمل بموجب الحصانة الممنوحة إليهم.  ومع ذلك، فقد ارتكب هؤلاء المقاولون كثيراً من الانتهاكات لحقوق الإنسان ما دفع السلطات إلى العمل إزاء ذلك.  وفي أفغانستان، بُذلت بعض الجهود لوضع التشريعات اللازمة لتنظيم الشركات عابرة القارات العاملة محلياً في مجال الأمن وإحكام الرقابة عليها.  لكنّ مشروعات القانون الأولى الناظمة للشركات العسكرية والأمنية لقيت الرفض من قبل وزارة العدل والمحكمة العليا لأنّها كانت تتعارض مع الدستور الأفغاني لعام 2004 الذي يمنح السلطة الحصرية لاستخدام القوة للدولة دون غيرها، ولتعارضها أيضاً مع قانون الشرطة الصادر في أيلول/سبتمبر 2005 الذي يُدرج الواجبات والمسؤوليات المناطة بالشرطة ومنها النظام العام والأمن.

 

أمّا في العراق، فقد تغيّر الوضع بعد حادثة حي المنصور في بغداد حيث عمد المقاولون من شركة بلاكووتر للأمن والمسؤولون عن حماية وفد من وزارة الدفاع الأمريكية إلى فتح النار عشوائياً على المواطنين ما أدى إلى مقتل 17 مواطناً بمن فيهم بعض الأطفال.  وأدت تلك الحادثة إلى طرد شركة بلاكووتر وتعليق جميع نشاطاتها في البلاد، وأُعيد تقييم وضع الشركات الأمنية الخاصة في البلاد.  وبذلك، يترتب على خصخصة الأمن مضمونات صعبة تُشكِّل تحدياً للمساءلة في الوضع الحالي في كل من العراق وأفغانستان، ومن المحتمل أن يكون لها أثر بعيد المدى على طريقة نظر المواطنين للعدالة وسيادة القانون.

 

ملحوظات ختامية

 

تتسم صناعة شركات الأمن الخاصة بأنّها عابرة للقارات بطبيعتها، وهي تشهد تزايداً سريعاً خاصة منذ بدء النِّزاع في كلّ من أفغانستان والعراق.  وتقدر قيمة العقود التي وُقِّعَت إجمالاً ما يتراوح بين 20 إلى 100 مليار دولار سنوياً.  ومنذ عام 2001، استُعين بخدمات هؤلاء المقاولين الخصوصيين لدعم العمليات في العراق وأفغانستان، والصومال وغيرها من الدول المخفقة.  وتضمنت مشاركة تلك الجهات الخاصة ارتكاب المخالفات لحقوق الإنسان إلى الدرجة التي أثارت الاهتمام على الصعيد الدولي.  كما أنَّ تلك الحقيقية قد أثارت جدلاً كبيراً حول نمط الوظائف التي يجب أن تتولاها الشركات الأمنية الخاصة، والمعايير التي يجب أن يراعوها في العمل وكيفية رصد نشاطاتها.  وضمن مساعي الحكومتين اللتين تشكلا أكبر مصدر لهذه الشركات (70%) وهما الحكومتين البريطانية والأمريكية، وبالتعاون مع حكومة سويسرا وصناعة الأمن ذاتها، أُطلِقت المبادرة السويسرية[3] القائمة على فكرة التنظيم الذاتي.

 

ونظراً للأثر الذي تفرضه شركات الأمن الخاصة على وضع التمتع بحقوق الإنسان، توصل فريق عمل الأمم المتحدة حول استخدام المرتزقة إلى اقتناع بضرورة سنّ أداة تنظيمية قانونية ملزمة لرصد نشاطات الشركات الأمنية الخاصة على الصعيدين الوطني والدولي.

 

ثم قدّم قرار فصل نشاطات الشركات الأمنية الخاصة عن القرار التقليدي حول المرتزقة عام 2010 في مجلس حقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة في جنيف.  ومع أنّ القرار حصل على موافقة الغالبية العظمى، صوّتت وفود المجموعة الغربية ضده، في إشارة واضحة إلى رغبة تلك البلدان بحماية مصالحها وتوسيع نطاق صناعة الأمن.

 

ويتيح تبني القرار من قبل مجلس حقوق الإنسان المجال أمام جميع أصحاب المصلحة في المساهمة بتطوير إطار عمل دولي يسعى إلى تنظيم ورصد نشاطات الشركات العسكرية الخاصة والأمنية.  وستُعرَض العناصر الأساسية لاتفاقية محتملة بهذا الخصوص ومشروع تلك الاتفاقية على فريق العمل حول المرتزقة جنباً إلى جنب مع المبادرات الأخرى الهادفة جميعاً إلى تأسيس مثل هذا الإطار التنظيمي الدولي.  ولإنجاح هذه العملية، سيترتب على الرأي العام والمجتمع المدني في الدول الغربية مهمة ممارسة الضغوط على حكوماتهم.

 

بالإضافة إلى ذلك، يمكن للحكومات الوطنية، المذكورة سابقاً، بل يجب تشجيعها على تولي هذه المهمة في بلدانها حيث تعمل الشركات الأمنية الخاصة، حتى لو كانت التجارب السابقة تشير إلى أنّ الحكومات لا تتخذ الإجراءات المطلوبة عادة إلاّ بعد أن تصل الانتهاكات إلى درجة غير مقبولة أبداً أو عند ظهورها على السطح.

 

ومما لا شك فيه، أنّ الفائدة ستتحقق أيضاً إذا ما عملت المنظَّمات العابرة للقارات، والمنظمات الإنسانية ووسائل الإعلام، على سبيل المثال، على تبني موقف مدروس ومسؤول تجاه توظيف مثل تلك الشركات أو التعاون معها.

 

خوسيه ل. جوميز ديل برادو (jose.del-prado@wanadoo.fr) يعمل مقرراً ورئيساً لفريق العمل التابع للأمم المتحدة حول استخدام المرتزقة http://www2.ohchr.org/english/issues/mercenaries/

 

أكثر من 5.5 مليون هكتارٍ من ممتلكات الفلاّحين الكولومبيين صودرت من قبل القوات العسكرية غير الرسمية، ومسؤولي الحكومة، والشركات الزراعية الصناعية ما أدى إلى نزوح الآلاف ومقتل كثير منهم خلال ثمانينيات القرن العشرين.  وكان أحد ضباط جيش الدفاع الإسرائيلي واسمه يار كلاين قد أسس شركة عسكرية وأمنية خاصة تحت اسم سبيرهد ليمتد قدّم من خلالها التدريب لجماعات اليمين العسكرية غير الرسمية في كولومبيا.  وتُلقى على عدد من أعضاء تلك الجماعة مسؤولية الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، واغتيال الفلاحين، وأعمال السرقة والنهب واسعة النطاق وتهجير المواطنين في كولومبيا. 

وفي عام 2001، أدانت المحكمة الجنائية في مقاطعة مانيزلايس في كولومبيا كلاين بجرم توفير التدريب للجماعات العسكرية غير الرسمية وتجار المخدرات وحكمت عليه غيابياً بالحبس 14 عاماً.  وكلاين موجود حالياً في إسرائيل.



 [1] من منشورات جمعية السَّلام الدولي ومعهد عمليات السَّلام International peace Operations Association and Peace Operations Institute  المجلد 2، العدد 4. كانون ثاني/شباط (ديسمبر/فبراير) 2007، واشنطن http://issuu.com/ipoa/docs/  في تشرين الثاني/نوفمبر2010، غيّرت جمعية عمليات السَّلام الدولية اسمها إلى جمعية عمليات الاستقرار الدولي.

[2]  تقرير الأمم المتحدة حول استخدام المرتزِقة المقدم أمام مجلس حقوق الإنسان http://www.unwg.rapn.ru/ru/4/Annual%20Reports/2__G0811295.pdf،

وتقرير الأمم المتحدة المقدم من قبل فريق عمل الأمم المتحدة أمام الجمعية العمومية حول استخدام المرتزِقة. http://www.unwg.rapn.ru/en/4/Annual%20Reports/2__N0652080.pdf

[3]   http://www.eda.admin.ch/psc

FMR 37
March 2011

إخلاء مسؤولية

جميع الآراء الواردة في نشرة الهجرة القسرية لا تعكس بالضرورة آراء المحررين ولا آراء مركز دراسات اللاجئين أو جامعة أكسفورد.