دليل بصري "عن بُعد" للنزوح

سوزان ولفينبارغر وجيسيكا ويندام

تقدم التكنولوجيات الجيوفضائية كصور الأقمار الصناعية وسيلة "للوصول" إلى منطقة النزاع عندما تكون عملية الإبلاغ ورفع التقارير في الميدان محفوفة بالمخاطر، أو عندما تكون المنطقة بعيدة جداً ونائية، أو عندما يكون هناك منع للوصول إلى تلك المناطق.

بمقدور الأدلة المرئية التي تقدمها صور الأقمار الصناعية وأساليب التصوير الجغرافي أن تعزز وتؤيد التقارير المحلية حول النزاع والدمار والنزوح. فالتكنولوجيات الجيوفضائية وأساليبها تتضمن مجموعة كبيرة من الأدوات الحديثة كالتصوير عن طريق الأقمار الصناعية، ونظم المعلومات الجغرافية، والنظم العالمية لتحديد المواقع. فهي بذلك تتيح رسم الخرائط وتحليلها كما أنها تقدم أدوات ذات قيمة كبيرة في تحديد النزوح عالي النطاق وقياسه ورصده وتوثيقه، سواء أكان النزوح ناتجاً عن النزاع أم عن هدم البيوت أو الكوارث الطبيعية أو المشروعات الإنمائية.

تحليل الصور الجيوفضائية

في عام ٢٠٠٦، كانت محكمة الجنايات الدولية في طور إعداد لائحة الاتهام بحق الرئيس السوداني عمر البشير التي أسندت إليه تهماً بارتكاب جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، وفي تلك الآونة راجعت المحكمة المذكورة تحليلاً للصور التجارية عالية الدقة التي التقطتها الأقمار الصناعية حول إقليم دارفور. ولغاية تحديد أثر النزاع وحجم النزوح وقياسهما، كان المنهج الأكثر اتباعاً يتمثل في تحليل الصور ما قبل والصور ما بعد النزاع. وكان "مشروع التكنولوجيات الجيوفضائية لحقوق الإنسان"[1] التابع لـ"الجمعية الأمريكية لتطوير العلوم" قد وثّق تدمير القرى في دارفور. وبالتنسيق مع المنظمات الأخرى العاملة على رفع التقارير في الميدان جمع المشروع أزواجاً من الصور لثمانية وعشرين موقعاً يعود تاريخها إلى الفترة ما بين ٢٠٠٣ و٢٠٠٧. ومن خلال التحليل الحريص لكل صورة على حدة، تبين أنَّ ٧٥% من الحالات المدروسة في الصور كانت تشتمل على قرى دُمرت أو مخيمات للنازحين قد أقيمت. وبالإضافة إلى ذلك، أظهرت التحليلات أن القرى دُمرت على وجه الخصوص بإضرام النار فيها وحرقها، ما يؤكد التقارير الواردة من الميدان.

قاد ذلك التحليل إلى إنشاء موقع "عيون على دارفور" (Eyes on Darfur) [2] وهو موقع تفاعلي على الإنترنت يتضمن صوراً تحدد مواقع الدمار في كثير من القرى ودرجة ذلك الدمار، وقد استخدمَت تلك الصور منظمات حقوق الإنسان لتكون دليلاً يدعم ادعاءاتهم بحدوث حملة إبادة جماعية ولكسب التأييد للحصول على التزام أكبر من قبل الحكومات الدولية في التعامل مع الوضع على أرض الواقع.

وكان إنشاء موقع "عيون على دارفور" من أولى أمثلة استكشاف البيانات التفاعلي التي تجمع عدداً من الطبقات المتعددة للبيانات (كالصور والنصوص وغيرها من عناصر الوسائط المتعددة) التي عرضها الموقع على شكل خرائط. لكنَّ القدرة على التعامل مع حجم البيانات الكبير وإنشاء العروض المرئية بهذه الطريقة لم يظهر إلا منذ أمد قريب مع حدوث التطورات في برمجيات نظام المعلومات الجغرافية وقدرات الحاسوب.

وفي عام ٢٠٠٩، انضم المشروع المذكور إلى منظمة العفو الدولية ومنظمة هيومن رايتس ووتش ضمن فريق واحد كان هدفه تحديد مواقع ملاجئ النازحين في سريلانكا والكشف عن مدى الضرر الذي لحق بها بعد أن وردت أنباء حول استهداف تلك الملاجئ. فبما أنَّه لم يكن يُسمح للجهات الخارجية الدخول إلى المنطقة خلال الإطار الزمني المحدد، كانت صور الأقمار الاصطناعية التجارية عالية الدقة واحدة من الخيارات القليلة المتاحة لجمع المعلومات. وقد وجدت المنظمات المذكورة أنَّ آلافاً من ملاجئ النازحين قد أزيلت، وكذلك وجدوا دليلاً على تعرض مستوطنات النازحين والأماكن المحيطة بها إلى القصف. وقد مثل ذلك التحليل مصدراً غنياً بالمعلومات لإعداد تقرير الحكومة الأمريكية عام ٢٠٠٩ حول جرائم الحرب في سريلانكا. [3]

وفي عام ٢٠١١، شاركت الجمعية الأمريكية لتطوير العلوم مع منظمة العفو الدولية مجدداً في بناء خارطة مفصلة تحدد مختلف الواقعات المتعلقة بحقوق الإنسان التي حدثت في مناطق مختلفة من نيجيريا بدءاً بالنزاع المسلح، والعنف العرقي، والنزوح القسري وانتهاءً بالآثار الضارة التي لحقت بالسكان المحليين والبيئة نتيجة اشتعال الغاز الصناعي. لقد كشف موقع "عيون على نيجيريا"[4] قيمة استخدام أساليب التصوير الجغرافي في توعية جمهور العامة بالمعلومات المعقدة الخاصة بحقوق الإنسان التي جُمعت من خلال قدر واسع من المصادر بحيث إنَّها ما كانت لتكون مؤثرة لو أنها اقتصرت على الاعتماد على السرد النثري للأحداث. ومن هذه المصادر المستخدمة طرق الاستشعار عن بعد، والصور المأخوذة عن الميدان (حيث كان من الممكن تحديد مواقعها من خلال استخدام آلات التصوير الممكنة لنظام تحديد المواقع الجغرافية) والمقابلات. ويظهر زوجا الصور هنا موقع الدمار الذي لحق بالبيوت ودرجة ذلك الدمار الذي وقع في الجبهة المائية لبورت هاركورت عام ٢٠٠٩.

يقول كريستوف كوهتل، منظم حملة الوقاية من الأزمات والاستجابة لها، متأملاً حول قيمة هذه المشروعات التعاونية لمنظمة العفو الدولية "قبل بضعة أعوام، كانت التكنولوجيات الجيوفضائية أداة جديدة في منتهى الغرابة، أما الآن فقد أصبحت من ضمن الأدوات المعيارية التي يستخدمها مناصرو حقوق الإنسان وعلى الأخص من يعمل منهم حول أوضاع النزاع المسلح. وكان من الأمثلة الجيدة على ذلك عملنا خلال المرحلة الأولى من مراحل الحرب الأهلية في سريلانكا. فمع أنَّ منطقة النزاع شمالي غرب سريلانكا كانت مغلقة بالكامل من قبل الحكومة، تمكنَّا من منح نشطائنا وعامة الناس النفاذ الافتراضي إلى المنطقة، فقدمنا بذلك الدعم لحملاتنا التي أطلقناها لمساءلة المتهمين المزعومين بارتكابهم لجرائم الحرب. وما كان من السهل أبداً تخيل تحقيق ذلك الإنجاز لولا توافر الأدوات الجيوفضائية."

أما "المركز الأوروبي لمناصرة حقوق الإنسان" فقد تشارك مع "جمعية المحامين الشباب الجورجيين" واعتمد على تحليل الصور الجيوفضائية في توثيق الدمار الذي خلفه النزاع بين روسيا وجورجيا في آب/أغسطس ٢٠٠٩. وعرضت المعلومات على المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في إحدى القضايا التي رُفعت لديها نتيجة النزاع في أوسيتيا الجنوبية.

كما ازداد عدد الحكومات ومنظمات المساعدات الإنسانية المستفيدة من صور الأقمار الصناعية في تحديد نطاق الكوارث الطبيعية والكوارث التي تسبب الإنسان في وقوعها. كما استفادوا منها في تحديد مواقع السكان النازحين نتيجة لنوعي الكوارث المذكورين. فبعد كلٍّ من زلزال هايتي في الثاني عشر من يناير/كانون الأول ٢٠١٠ والزلزال والموجات الزلزالية "تسونامي" التي ضربت اليابان في الحادي عشر من مارس/آذار ٢٠١١، استُخدمت صور الأقمار الصناعية عالية الدقة في وضع تقييمات لمساحات واسعة من المناطق المتضررة ولتحديد السكان النازحين بسبب الكارثتين وذلك من خلال رسم الخرائط السريع للأوضاع ولتوزيع هذه المعلومات على فرق الاستجابة للكوارث.

وفي هذا الصدد، تقول كيت تشامبان من منظمة "خارطة الشارع المفتوحة الإنسانية" (Humanitarian OpenStreetMap) "إن حرية الحصول على المعلومات المتوافرة عن طريق الأقمار الصناعية بعد الزلزال الذي ضرب هايتي في يناير/كانون الثاني لا تقدر بثمن...فدون الصور، كان من المستحيل على منظمة خارطة الشارع المفتوحة الإنسانية إنشاء خارطة أساسية في غاية التفصيل يمكن استخدامها من قبل وكالات الاستجابة التقليدية كالأمم المتحدة وغيرها من المجتمعات التكنولوجية".

قيود وآفاق

تتراوح كلفة الصور عالية الدقة ما بين ١٠ إلى ٢٥ دولاراً للكيلومتر المربع الواحد،² ويعتمد السعر على حداثة الصور وعلى ما إذا كانت الصورة المطلوبة ملونة أم باللونين الأبيض والأسود. وبسبب الشروط المتعلقة بطلب الحد الأدنى من الصور، قد تصل كلفة صورة واحدة ٤٠٠ دولار أمريكي. وحتى لو كانت الغيوم، على سبيل المثال، لا تشكل حائلاً أمام توافر صور الأقمار الصناعية لمنطقة معينة، فقد لا يكون بالإمكان الحصول على صور ملتقطة في تاريخ معين أو صور متتابعة زمنياً من الأقمار الصناعية. كما أنَّ القيود التي تفرضها الحكومات قد تمنع من حصول الجهات الفاعلة من المنظمات غير الحكومية على الصور المطلوبة.

وأخيراً، فإنَّ المنظمات الحقوقية أو الإنسانية الراغبة باستخدام هذه الأدوات لا بد لها من الاستعداد والقدرة على العمل مع الخبراء الفنيين الذين يمكنهم تحليل الصور الجيوفضائية في حالة عدم توافرها على مثل هذه الخبرة في كوادرها.

لقد بدأ عدد من المنظمات بإدماج التكنولوجيات الجيوفضائية مع المعلومات التي حصلت عليها عن طريق الاستعانة بمجموعة كبيرة من المصادر الجماهيرية. وهذه الطريقة المذكورة آنفاً تعتمد على القدرة على الدعوة لإقامة الشبكات بين الأشخاص حول العالم وعادة ما يساعد في ذلك ارتفاع نسبة توافر الهواتف المحمولة وغيرها من التكنولوجيا اللاسلكية. فاستمرار تزايد الوصول إلى الهواتف المحمولة والتشبيك من خلال مواقع التواصل الاجتماعي وتكنولوجيات رسم الخرائط يتيح إلقاء نظرة شاملة على الوضع القائم على تراكم التقارير الميدانية التي سيجري إعدادها. وبعد ذلك، يمكن جمع هذه المعلومات مع البيانات الأخرى ورسم خارطة لها لبناء الصورة الكلية لما يحدث في موقع ما. [5]

إنَّ التكنولوجيا الجيوفضائية توفِّر أدوات لا تجلب المنفعة المتزايدة على منظمات حقوق الإنسان فحسب، بل إنها أيضاً تفيد المحاكم ووكالات الاستجابة الإنسانية. فهذه التكنولوجيا تتيح نفاذاً مرئياً غير مسبوق للمناطق النائية والخطرة، وتمكّن الخبراء من تحليل مستويات الدمار ونوعيته كما أنها توفر وسيلة لإيصال المعلومات، التي لولاها لكانت معقدة و/أو مجردة، بطريقة تجعل من تلك المعلومات أداة فعالة سواء أكان ذلك في حملات المناصرة أم في حوارات السياسات أو الملاحقة القضائية.

ومع تزايد توافر الصور عن طريق الأقمار الصناعية والمناهج الإبداعية في جمع المعلومات وتحليلها وعرضها، لا بد لمجتمع الباحثين والمنظمات والمناصرين المعنيين بالنزوح أن يجتمعوا وينضموا إلى مجتمع التكنولوجيا لتحديد مجالات الحاجات الحالية التي يمكن أن تسهم في تلبيتها التكنولوجيات والأساليب الجيوفضائية.

سوزان ولفينبارغر (swolfinb@aaas.org) زميلة برامج رئيسية في مشروع التكنولوجيات الجيوفضاية وحقوق الإنسان في الجمعية الأمريكية لتطوير علوم التكنولوجيا الجيوفضائية لمشروع حقوق الإنسان/ برنامج المسؤولية العلمية وحقوق الإنسان والقانون (http://srhrl.aaas.org/geotech). وجيسيكا ويندام (jwyndham@aaas.org) مديرة مشاركة لبرنامج المسؤولية العلمية وحقوق الإنسان والقانون في الجمعية الأمريكية لتطوير علوم التكنولوجيا الجيوفضائية لمشروع حقوق الإنسان (http://srhrl.aaas.org) وهي أيضاً تعمل أستاذاً مساعداً في جامعة جورج واشنطن. كُتب هذا المقال بالصفة الشخصية، وهو لا يعكس بالضرورة آراء الجمعية الأمريكية لتطوير العلوم. 

 

راجع أيضاً مقالة "استخدام صور الأقمار الصناعية" بقلم إينر بحورنو، وفرانشيسكو بيزانو، وجوشوا ليونز، وهولغر هايزغ (UNOSAT)  في العدد ٣١ من نشرة الهجرة القسرية على الرابط التالي

www.hijra.org.uk/pdf/NHQ31/72-73.pdf



[5]  راجع مقالة غاليا رافر، الصفحات ٢٠-٢١ والصفحة....على موقع خارطة الشوارع المفتوحة

 

 

FMR 38
November 2011

المحتويات

إخلاء مسؤولية

جميع الآراء الواردة في نشرة الهجرة القسرية لا تعكس بالضرورة آراء المحررين ولا آراء مركز دراسات اللاجئين أو جامعة أكسفورد.