المبادئ التوجيهية والفاعلون المسلحون من غير الدول

يعيش ملايين النَّازحين داخلياً في مناطق تسيطر عليها الجهات الفاعلة المسلحة من غير الدول. ولا مفر من أن تدخل الجهات الإنسانية في مشاركة مباشرة مع هذه الجهات الفاعلة لمساعدتها على تحقيق فهم أفضل للمبادئ التوجيهية حول النُّزوح الداخلي والامتثال إليها.

تكاد الجهات الفاعلة المسلحة من غير الدول لا تغيب عن مشهد معظم الدول التي تعاني من تصاعد في مستويات النُّزوح الداخلي، بل كانت تلك الجهات في كثير من الأحيان بالأصل مجموعات من النَّازحين المُهجَّرين قسراً [1]إذ تسيطر تلك الجهات على المناطق التي يعيش فيها النَّازحون داخلياً، وفي بعض الأحيان قد يكون هم من يدير المخيمات، وقد يعيقون وصول المساعدات الإنسانية للمستفيدين إليها، أو قد يسهلون تسليم المساعدات بل ربما بالمقابل يقدمون المساعدة مباشرة. وبما أنَّ المبادئ التوجيهية حول النُّزوح الداخلي صممت بالأساس لكي يمتثل إليها ويحترمها كل السلطات والجماعات والأشخاص بغض النظر عن وضعهم القانوني وأن يطبقوها دون أي تمييز بين الأشخاص (المبدأ الثاني) فهي توفر الإرشادات والتوجيهات وتستدعي للذاكرة المسؤوليات التي لا تنحصر على الدول فحسب بل تقع أيضاً على عاتق الفاعلين المسلحين من غير الدول.

ومنذ عام 2012، أدخلت منظمة نداء جنيف موضوع حظر التَّهجير القسري إلى التدريبات التي قدمتها للفاعلين المسلحين من غير الدول حول أهم الالتزامات إزاء القانون الإنساني الدولي. وأقرت نداء جنيف وفهمت مستوى التعقيد الذي يسم الإطار العام التقنيني، وبعد دراسة أجرتها في عام 2013[2] وجولات استشارية عقدتها مع عدد من المنظمات الإنسانية والفاعلين المسلحين من غير الدول، قررت نداء جنيف في عام 2017 ترسيخ مشاركة عملها ومشاركتها حول المعايير المرتبطة بالنُّزوح.

وهكذا أعدَّت نداء جينيف برنامجاً تدريبياً لرفع الوعي بين الفاعلين المسلحين من غير الدول إزاء مسؤولياتهم تجاه النَّازحين داخلياً، وذلك بناءً على المبادئ التوجيهية واتفاقية اللاجئين لعام 1951 واتفاقية الاتحاد الأفريقي الخاصة بحماية النَّازحين داخلياً في أفريقيا ومساعدتهم (اتفاقية كامپالا) ثم اختبرتها مع أربع جماعات فاعلة مسلحة من غير الدول في سوريا وفي جمهورية الكونغو الديموقراطية وفي ميانمار. وكانت بعض هذه الجماعات قد اتُّهِمَت بأنها قد نفذت أعمالاً غير مشروعة في التَّهجير الداخلي للأشخاص أو أجبرت الأشخاص على العودة أو منعت عودتهم أو حبست النَّازحين داخلياً في مخيمات، أو ارتكبت إساءات أخرى مثل تجنيد الأطفال النَّازحين. وبينما كانت تلك الجهات الفاعلة تنكر في بعض الأحيان ارتكابها لمثل هذه الانتهاكات بأنفسها، كانت استجابة كل واحدة من تلك الجماعات استجابة إيجابية إذا أقرت بمحدودية معارفها ومداركها وأظهرت اهتمامها في التعلم أكثر في هذا المجال والتعرف على ما غاب عن معرفتها. كما أن كثيراً من الجهات الفاعلة من غير الدول التي شاركت في الحوار مع نداء جنيف تقر بدورها الذي يمكن أن تمثله في حماية النَّازحين وفي التأكد من وصول جميع النَّازحين داخلياً إلى الخدمات الأساسية.

وسوف تدرج نداء جينيف الآن التدريب حول النُّزوح وتعممه في عملها الذي ستشارك به مع المنظمات والجهات المسلحة من غير الدول. وسوف تستهدف أيضاً الفروع المدنية للفاعلين المسلحين من غير الدول التي تدير و/أو تراقب على المخيمات. وبالإضافة إلى ذلك، سوف تستحدث أدوات لتمكين الفاعلين المسلحين من غير الدول من الالتزام بتوفير المساعدة للنَّازحين داخلياً (مثل الإعلان المعياري أحادي الجانب) كما أن نداء جنيف سوف تسعى إلى التعاون مع الهيئات الإنسانية المتخصصة من أجل دعم عملها في هذا الميدان. وبما أنَّ هذه الجهات الفاعلة المسلحة من غير الدول مشاركة فعلاً حول هذا الموضوع، سوف يهدف الحوار القادم إلى تحقيق تغيرات ملموسة وحقيقية في سلوك تلك الجهات الفاعلة لإيقاف الانتهاكات وتعزيز الممارسات الإيجابية.

تقييم الامتثال

ليس من السهل قياس الدرجة التي تمتثل بها الجهات الفاعلة المسلحة من غير الدول للمعايير الدولية، وعلى وجه الخصوص منها المبادئ التوجيهية، وسبب صعوبة ذلك أن قياس الامتثال يعتمد على عدة عوامل مثل الحوافز أو الأهداف التي تقود الجهات الفاعلة المسلحة من غير الدول ونوع العلاقات التي أقامتها مع السكان المدنيين. ومع أنَّ بعض هذه الجهات الفاعلة المسلحة من غير الدول معروف عن أنها ارتكبت بالفعل انتهاكات، فهناك جهات أخرى مثلها غيرها ممن اتخذت إجراءات خاصة لحماية النَّازحين داخلياً. ومثال ذلك ما حدث في الفلبين إذ مثل الجناح النسوي لجبهة التحرير مورو الإسلامية دور مهماً في توفير المشورة وتحذير السكان مسبقاً من الاعتداءات التي سوف توجهها الحكومة لهم، كما ساعد ذلك الجناح في عمليات الإخلاء المدنية. وبالإضافة إلى ذلك، يُعرَف عن كثير من الجهات الفاعلة المسلحة من غير الدول أنها تقدم أو/و تُيسِّر بالفعل المساعدات الإنسانية للنازحين داخلياً كما الحال في ميانمار حيث قدمت منظمة التحرير الوطنية Pa-Oh الدعم للنازحين داخلياً بتقديم المساعدات المباشرة لهم (وكانت على وجه الخصوص مساعدة غذائية) كما عملت على إعادة إنشاء مدرستين اثنتين، وأمنت بعض الدفعات الخاصة برواتب بعض المعلمين، ويسرت وصول المساعدات الإنسانية. ويُعرَف عن كثير من الجهات الفاعلة المسلحة من غير الدول أنها تنتهج ممارسات جيدة وأخرى سيئة. فبعض الجماعات المسلحة من غير الدول في العراق على سبيل المثال، مع أنها تيسر المساعدات الإنسانية وتقدم المساعدة المباشرة للنَّازحين داخلياً وتدعم عودتهم بمساعدتهم في إعادة بناء بيوتهم، فكانت تمارس التمييز بين الأشخاص مانحة الأولوية لبعض النَّازحين داخلياً على غيرهم على أساس العرق أو الدين أو كلاهما.

وبهذا الإطار، قدمت بعض الجهات الفاعلة المسلحة من غير الدول التزامات ترتبط بحماية النَّازحين. [3]وتظهر مراجعة لهذه المنظمات وجود ثلاثة توجهات، أولها وأغلبها يمثل جزءاً من اتفاقات السلام أو إيقاف إطلاق النار التي تتوصل إليها الجهات الفاعلة المسلحة من غير الدول والحكومات، وثانياً هناك إشارة ضمن هذه الالتزامات إلى كل من النَّازحين داخلياً واللاجئين، وثالثاً، تُعنَى معظم الالتزامات بقضايا العودة وإعادة الاندماج. كما أنَّ قليلاً جدّاً من الالتزامات تضمن بالفعل إشارات إلى حظر التَّهجير القسري الداخلي وعدم مشروعيته، أو إلى حماية حقوق للنَّازحين داخلياً. ويستثنى من ذلك بيان عام 2008 لحركة العدالة والمساواة وحركة تحرير السودان،[4] ففي ذلك البيان، التزم كلا الطرفان بالامتناع عن إجبار السكان المدنيين في النُّزوح وقصداً عنهم، ووقف عملية عسكرة مخيمات النَّازحين داخلياً أو اللاجئين. وهناك عدة عوامل متنوعة يمكن أن تحفز امتثال الجهات الفاعلة المسلحة من غير الدول. ومثال ذلك حماية النَّازحين داخلياً في النزاع المسلح، فتلك قضية قد تساعد الجهات الفاعلة المسلحة من غير الدول على جذب الدعم الأكبر من السكان المدنيين ورفع مستوى شرعيتهم في عيون المجتمع الدولي. بالإضافة إلى ذلك، يمكن لتيسير عملية عودة النَّازحين داخلياً أن يعزز من عملية حل النزاع بعد انتهائه.

بعض التحديات والمعضلات

أولاً، لا إنكار بأنَّ المبادئ التوجيهية مفيدة فهي تقدم مصدراً واحداً فيه إرشادات شاملة مبنية على المعايير القائمة حالياً، لكنَّ اللبس والغموض ما زالا موجودين حول من وماذا يقع تحت تصنيف السلطات وما هي التزاماتها. ومن الواضح والجلي أن بعض هذه الالتزامات (مثل الالتزام بحظر التَّهجير التعسفي، وحظر العنف الجنسي، والتجنيد العسكري) تنطبق مباشرة على الجهات الفاعلة المسلحة من غير الدول إلاَّ أن غيرها (مثل التأكد من تلقي جميع النَّازحين داخلياً بمن فيهم الأطفال على وجه الخصوص للتعليم) فهي ليست بهذا الوضوح. بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن اعتبار حظر التَّهجير التعسفي أمراً مطلقاً، وكل ما يمكن القول بأنه يرقى إلى "أسباب عسكرية حتمية" تفرض الأمر بالتَّهجير والنُّزوح (المبدأ 6) يصعب تعريفه تماماً. وحتى لو وافقنا جدلاً على أنَّ الجهات الفاعلة المسلحة من غير الدول تقع ضمن عبارة "كل السلطات"، يبقى السؤال مطروحاً في تحديد درجة التنظيم، والقدرات والموارد والسيطرة على الأراضي التي يجب أن تمتلكها تلك الجهات المسلحة إذا ما أريد لها أن تؤسس سلطة، وذلك لن يكون له سوى التزامات سلبية (بمعنى آخر الامتناع عن التَّهجير، والامتناع عن التجنيد القسري إلى آخره) لكنَّ ذلك سيضم أيضاً التزامات إيجابية (بما فيها توفير الخدمات).

وثانياً من الصعب على خبراء القانون العام الدولي الإبحار في الإطار العام القانوني الدولي والتقنيني (قانون اللاجئين، وقوانين النَّازحين داخلياً وسياساتها بما فيها المبادئ التوجيهية) والأمر يزداد صعوبة عند الحديث الجهات المسلحة من غير الدول. وقليل من الجهات المسلحة من غير الدول تعي بوجود المبادئ التوجيهية أصلاً أو أي مبادئ إرشادية، ومعايير أخرى يجب تطبيقها بما يتعلق بحظر التَّهجير القسري، أو حماية الأشخاص النَّازحين. وبالنتيجة، ترتكب الانتهاكات بعضها بسبب عدم وجود المعرفة، فليس من الضروري أن يكون ذلك بوجود نية مسبقة لإيذاء الناس.

ثالثاً، تعتمد احتمالات تطبيق المبادئ التوجيهية على القدرات والموارد والسيطرة على الأراضي التي تمتلكها الجماعات المسلحة من غير الحكومات. فبعضها يمتلك قدرات أكبر من الموارد البشرية (مثل الأجنحة المدنية والإدارات المدنية) أو موارد مادية أكبر. وهناك توقعات الآن أعلى للجهات الفاعلة المسلحة من غير الدول بأنها ستستطيع أن تقدم المساعدة المباشرة إلى النَّازحين وأن ترفدهم بالرعاية الصحية الأساسية والتعليم الأساسي. أمَّا فيما يخص الجهات الفاعلة المسلحة من غير الدول ذات الموارد القليلة المحدودة فسوف تركز المشاركة معهم على تيسير المساعدات الإنسانية ومنع التَّهجير القسري. ولن يكون من السهل إعطاء تعريف عملي لدرجة تطبيق مختلف الجهات الفاعلة من غير الدول للمبادئ التوجيهية.

ورابعاً، لا ينبغي للغرض المرجو من المشاركة الإنسانية مع الجهات الفاعلة المسلحة من غير الدول أن يكون تفضيل إنشاء خدمات موازية وتكرار وازدواجية أو استبدال الخدمات التي توفرها الدولة لأنَّ مثل هذا الأمر قد يؤدي إلى إضعاف المؤسسات في الدولة التي تأثرت بالفعل بالنزاع أو الأزمة. ومن جهة أخرى، في غياب الدولة أو محدودية ظهورها، أو في غياب الخدمات التي يقدمها الفاعلون الآخرون، قد تصبح الجهات الفاعلة المسلحة من غير الدول الملاذ الوحيد العملي لتقديم الخدمات الأساسية.

وأخيراً، هناك بعض الجهات الفاعلة المسلحة من غير الدول ذات الأجندات القوية عرقياً أو دينيّاً ممن ترتكب أعمال التَّهجير القسري، وذلك ليس على خلفية أهداف عسكرية قصيرة أو متوسطة الأمد، بل لأنَّ ذلك التَّهجير ينصب في خدمة واحدة من أهم الأهداف التي تنادي فيها تلك المنظمة، كما الحال في بعض هذه الفئات والجماعات في جمهورية الكونغو الديمقراطية التي أعلنت أن هدفها هو تمكين فئة عرقية معينة من السيطرة في مكان ما وطرد مجموعة عرقية أخرى. ففي حالة مثل هذه، لا شك في أن التحدي سيكون كبيراً جداً إزاء تغيير السياسة والممارسة المتعلقة بمنع التَّهجير القسري.

ورغم كل هذه التحديات، ما زلنا نقول إنَّ المشاركة المباشرة مع هذه الجهات الفاعلة أمر حساس وحرج من أجل إحداث التغييرات الملموسة. فهي الأساس لبناء المعارف المطلوبة أصلاً حول ماهية المبادئ الإرشادية، لكن أهميتها تتجاوز ذلك بكثير لتصل إلى الإرادة السياسية والمساءلة إزاء هذه الجماعات من ناحية وفائها بالتزاماتها تجاه النَّازحين داخلياً.

كارلا روتا CRuta@genevacall.org مستشارة قانونية مواضيعية

إيلويس روديل heloise.ruaudel@gmail.com محللة للسياسات الإنساية ومستشارة في الأبحاث

پاسكال يونغارد PBongard@genevacall.org رئيس وحدة السياسات والقانون

نداء جنيف https://genevacall.org/

[1] انظر نشرة الهجرة القسرية، العدد 37 ‘الفاعلون المسلحون من غير الدول والنُّزوح’https://www.fmreview.org/ar/non-state

[2] Geneva Call (2013) ‘Armed Non-State Actors and Displacement in Armed Conflict’.

  (’الفاعلون المسلحون من غير الدول والنزوح في النِّزاع المسلَّح)

https://genevacall.org/wp-content/uploads/dlm_uploads/2013/12/Armed-non-State-actors-and-displacement-in-armed-conflict1.pdf

[3] www.theirwords.org

[4] صدر هذا البيان في إطار الحوار الإنساني لجنيف/دارفور الذي نظمته نداء جنيف للحوار الإنساني.

http://theirwords.org/media/transfer/doc/1_sd_jem_slm_a_unity_2008_18-9786ecfeda2b4605ff60bcdc4aab48b2.pdf

إخلاء مسؤولية

جميع الآراء الواردة في نشرة الهجرة القسرية لا تعكس بالضرورة آراء المحررين ولا آراء مركز دراسات اللاجئين أو جامعة أكسفورد.

 

facebook logo Twitter logo RSS logo

Forced Migration Review
Refugee Studies Centre
Oxford Department of International Development
University of Oxford
3 Mansfield Road, Oxford OX1 3TB, UK
fmr@qeh.ox.ac.uk  +44 (0)1865 281700
skype: fmreview