استمرار مشاكل أوضاع انعدام الجنسية منذ 60 عاماً

تمثل الذكرى الستون للاتفاقية المتعلقة بأوضاع الأشخاص معدومي الجنسية لعام 1954 فرصة لجذب الانتباه للجانب الإنساني لقضية انعدام الجنسية ولزيادة الوعي بأثرها على كل من حياة الأفراد والمجتمعات على نطاق أوسع.

ثمة تناقض صارخ في عالم الدول القومية التي تشتمل على ملايين الأفراد غير المعترف بانتمائهم لأي دولة. فمنذ ستين عاماً، اتفق المجتمع الدولي على أول معاهدة دولية لتقنين أوضاع الأشخاص معدومي الجنسية (الموقع عليها حالياً نحو 80 دولة) وعلى اتفاقية عام 1961بشأن خفض حالات انعدام الجنسية. إلا أن العالم مازال مبتلياً بقضية انعدام الجنسية التي تؤثر سلباً على حياة الأفراد والمجتمعات في جميع أرجائه.

فأن تكون معدوم الجنسية يعني ألا تكون مواطناً في أي دولة بموجب قانونها المُفعل. ومن بين أشياء أخرى كثيرة، تكفل الجنسية للفرد حق التمتع بحماية الدولة. وهكذا، أن يصبح الشخص معدوم الجنسية يقتضي عادة حرمانه من معظم حقوقه الأساسية ومن امتلاكه وثائق تضمن له هذه الحقوق ومن عناصر أخرى كثيرة ضرورية لعيش حياة طبيعية. وانعدام الجنسية أيضاً سبب كافٍ لتهميش الفرد ومعاملته بعنصرية وللطخ جبين أطفالك والأجيال القادمة بوصمة عار.

وهذا لا يعني أن الأشخاص معدومي الجنسية لا يمتلكون روابط مع دولة بعينها. ولكن يمكن القول أنه إما لتصرفات الدولة أو لتقاعسها عن العمل أو بسبب الثغرات القائمة في القوانين والإجراءات أو ببساطة بسبب التقارب المؤسف للظروف، نجد أن مثل هؤلاء الأشخاص يقعون من قعر القفة. ولا يحدث ذلك مطلقاً جراء أي تقصير من ناحيتهم.

ولضمان تمتع جميع الأفراد بالجنسية، تشدد مفوضية الأمم المتحدة السامية للاجئين بقوة على ضرورة الانضمام لاتفاقية 1961 وتقدم مشورة تقنية بشأن كيفية تطبيق هذه الاتفاقيات وما يتصل بها من معايير حقوق الإنسان. ومع ذلك، فأينما وجدت العقبات نعمل للتأكد من منح الأشخاص معدومي الجنسية حق الإقامة القانونية المماثل لذلك الذي يتمتع به اللاجئون ويضمن لهم الحصول على الخدمات الأساسية. ولعل هذا أيضاً سبب التزام مفوضية الأمم المتحدة السامية للاجئين بتعزيز الانضمام لاتفاقية 1954 التي تقنن آليات معاملة الأشخاص معدومي الجنسية.

فمنذ 2011، انضمت على نحو غير مسبوق 33 دولة إلى اتفاقيتين بشأن انعدام الجنسية من بينهم 22 دولة في 4 قارات انضمت إلى كلتا الاتفاقيتين. ومؤخراً، تراجعت كل من المجر والمكسيك عن تحفظاتها تجاه اتفاقية 1954، وانضمت كل من بيرو ومونتينيغرو وساحل العاج وليتوانيا لاتفاقية أو اتفاقيتين منهما، في حين سنت كل من جورجيا وغامبيا وكولومبيا التشريعات اللازمة التي تؤهلها للانضمام. وكان الهدف من حملة الاحتفال بالذكرى الستين لاتفاقية 1954 دعم تحقيق مزيد من هذا الزخم.

خطوات إيجابية

على المعنيين اتخاذ الإجراءات الوقائية لتفادي المواقف المحتملة للحرمان الجماعي من حق الجنسية ولضمان اتخاذ الدول خطوات جديدة فعّالة عقب انضمامها للاتفاقية لا تُسفر عن مشاكل انعدام الجنسية على سبيل المثال. وعلاوة على ذلك، يجب تعديل قوانين الجنسية والإجراءات الإدارية لتحظر ممارسات التمييز العنصري وتضمن إتباع إجراءات أمنية تحول دون ظهور حالات انعدام الجنسية ولاسيما بين الأطفال.ولتحقيق هذه الغاية، شددت مفوضية الأمم المتحدة السامية للاجئين على تقديم النصيحة التقنية وتعزيز الإصلاحات القانونية في 2012 و2013 سعياً لمعالجة الثغرات القائمة في قوانين منح الجنسية والتشريعات المتصلة بها في 56 دولة وخاصة من منظور المساواة الجندرية وحماية الأطفال. وما زال ثمة سبعة وعشرون دولة تمارس التمييز ضد المرأة بعدم السماح للأمهات بمنح جنسيتهن لأطفالهن أسوة بالآباء، إلا أن كينيا والسنغال وتونس تمكنت جميعها من تعديل تشريعات الجنسية لديها في السنوات الأخيرة لتضمن بذلك تحقيق المساواة الجندرية مما سيزيل العقبات أمام النساء المتعلقة بجنسيتهن.

فاتخاذ الإجراءات البسيطة، مثل: التسجيل المدني، مصحوباً بالتعديلات التشريعية آليات غير كافية لاكتساب الأشخاص معدومي الجنسية حق المواطنة. ففي حالة ملايين الأفراد حول العالم، الحصول على شهادات ميلاد، التي تعد أمراً اعتيادياً لدى كثير منا، حلم ومفتاح التمتع بمستقبل أفضل. ويتضح ذلك جلياً على وجه كل فرد فخور بحصوله على شهادة ميلاد في كل من تايلاند والفلبين أثناء تنفيذ إجراءات الاعتراف بحقوقهم مؤخراً.

فتسجيل المواليد خاصة لا يعالج المخاوف بشأن حقوق حماية الطفل وحسب، ولكنه يمتد لقضايا انعدام الجنسية وإعادة الإدماج أيضاً. وقد نفذ كل من جورجيا والاتحاد الروسي تعهدات بشأن احترام أنظمة التسجيل المدني والتوثيق وسيبقى تسجيل المواليد من أولويات مفوضية الأمم المتحدة السامية للاجئين.

ونظراً لعدم امتلاك الأشخاص معدومي الجنسية في معظم الأحيان وثائق شخصية مما يسقطهم من عمليات التعداد السكاني ويجعلهم غير مرئيين، صار تحديد مقدار حالات انعدام الجنسية عقبة جسيمة على طريق معالجة هذه القضية. ولكن، لا يجب أن نغفل التقدم المحرز بهذا الصدد عندما نرى دولاً تشرع في أبحاث ودراسات مسحية وتقدم تقارير بشأن قضية انعدام الجنسية على أراضيها. ولعل الفلبين من الدول التي تتصدر المشهد بهذا الشأن، في حين وضعت عدد من الدول، مثل: جورجيا ومولدوفا والمملكة المتحدة، إجراءات تحديد انعدام الجنسية لتحسين آليات التعرف على الأشخاص معدومي الجنسية وتقديم الحماية لهم. وطالما دعت مفوضية الأمم المتحدة السامية للاجئين لوضع إجراءات تحديد انعدام الجنسية بسيطة ولكن فعّالة وقدمت الإرشاد التقني بهذا الصدد في 39 دولة من بينها الولايات المتحدة الأمريكية والبرازيل وأوروغواي وكوستاريكا وبنما.

تقليل حالات انعدام الجنسية

أحرزت كثير من الدول، مثل: ساحل العاج، وجمهورية قيرغيزستان وتركمانستان وسريلانكا وبنغلاديش والاتحاد الروسي تقدماً ملحوظاً في حل مشاكل انعدام الجنسية طويلة الأجل من خلال منح الجنسية للأشخاص معدومي الجنسية. وقد ازداد عدد الدول المدركة للخسائر المترتبة على مشاكل انعدام الجنسية فيما يخص قضايا حقوق الإنسان وتباطؤ النمو والتنمية والتنوع الاجتماعي التي تؤدي في حالات استثنائية إلى نشوب النزاع في أراضي البلاد. وهكذا، تبنت عدد من الدول مبادرة لتعديل قوانين منح الجنسية لديها وسياساتها المتبعة في ذلك خلال العقد الأخير. فعلى سبيل المثال، اعترفت بنغلاديش بحق المواطنة لكثير ممن كانوا سابقاً معدومي الجنسية، بينما تتخذ ساحل العاج خطوات مهمة على طريق حل أوضاع انعدام الجنسية المُطوَّلة عندها وتسعى لمنع نشوء أجيال جديدة من الأشخاص معدومي الجنسية.

ومن الأمور المحفزة أن نلاحظ الاهتمام الكبير بين المنظمات غير الحكومية لحشد الجهود للقضاء على قضية انعدام الجنسية. وفي ظل مثل هذا الاهتمام المجتمعي المدني الناشئ والمتزايد، تلتزم مفوضية الأمم المتحدة السامية للاجئين بدعم حركة المجتمع المدني على صعيد عالمي التي تركز على ضمان قدر أكبر من الخطوات الفعالة للتصدي لقضية انعدام الجنسية. وسعياً لتحقيق هذا الغرض، ستستمر مفوضية الأمم المتحدة السامية للاجئين في تسهيل إجراءات التراجع السنوي لحالات انعدام الجنسية التي تجمع مشاركين ينتمون لما لا يقل عن 25 منظمة غير حكومية لتعزيز التنسيق بين منظمات المجتمع المدني سعياً لتقوية شبكة شركاء المجتمع المدني المعنيين بقضية انعدام الجنسية وتوسيع هذه الشبكة.

وفي السنوات الأخيرة، زادت مفوضية الأمم المتحدة السامية للاجئين على نحو ملحوظ من أنشطتها لمكافحة قضية انعدام الجنسية مدعومة بالمبادرات القانونية، مثل: وضع مبادئ توجيهية تحدد الإطار المناسب لمنح الجنسية للأطفال[i] ودليلاً بشأن حماية الأشخاص معدومي الجنسية. وتهتم المفوضية أيضاً بوضع برامج العون القانوني لمساعدة الأشخاص معدومي الجنسية ليتمتعوا بالحقوق المدنية وليمتلكوا وثائق هوية من خلال توفير الخدمات وبذل جهود الدعم للأشخاص معدومي الجنسية سعياً منها لتغيير القوانين والسياسات المتبعة في 25 دولة.

وعلى الصعيد العالمي، تعمل مفوضية الأمم المتحدة السامية للاجئين جنباً إلى جنب مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) على القضايا المتعلقة بتسجيل المواليد في الوقت الذي تسعى فيه لتعزيز آليات التنسيق بين فرق دول الأمم المتحدة المعنيين بقضايا انعدام الجنسية، ويمكن لمس أمثلة جيدة لمثل هذا التعاون في الإجراءات المشتركة المتخذة لحل قضية انعدام الجنسية المُطوَّلة في قيرغيزستان والمشورة التقنية المقدمة للجمعية التأسيسية في نيبال.

وما زلنا نشهد تطوراً ملموساً في محاولات التصدي لقضية انعدام الجنسية من خلال بحث الدول عن أساليب جديدة ومبتكرة للاشتراك في هذه المحاولات التي تظهر في جهود الولايات المتحدة، على سبيل المثال، لمناصرة حقوق الإنسان في جميع المحافل ودعم الدول الأخرى لتقليل حالات انعدام الجنسية لديها والتي تظهر أيضاً في تقديم المجر للمشورة التقنية لمجموعة من الدول بهذا الصدد. إلا أن الحقائق تشير إلى وجود ما لا يقل عن 20 حالة تشتمل كل منها على ما لا يقل عن 25000 شخص يعانون من انعدام الجنسية لأكثر من قرن.

وقد شنت هذا العام مفوضية الأمم المتحدة السامية للاجئين حملة تشتمل على مجموعة من الحوارات مع مجموعات من الأشخاص معدومي الجنسية ونشر شهاداتهم ونشر مجموعة من الممارسات الجيدة وأعمال المنتدى العالمي الأول المعني بقضية انعدام الجنسية والاجتماعات الحكومية الدولية الوطنية والإقليمية. وتهدف الحملة للتصدي خلال العشر سنوات القادمة لظاهرة انعدام الجنسية التي تستمر في إفراز أشخاص غير مرئيين قانونياً ومعرضين لممارسات التمييز العنصري والاستغلال والتحرش وعدد من تحديات الحماية الأخرى.

 

فولكر تورك turk@unhcr.org مدير مكتب الحماية الدولية في المقر الرئيسي لمفوضية الأمم المتحدة السامية للاجئين في جنيف. www.unhcr.org



[i]المبادئ التوجيهية بشأن انعدام الجنسية رقم 4: ضمان حق كل طفل في اكتساب الجنسية في المواد من 1-4 التي تنص عليها اتفاقية 1961 بشأن خفض حالات انعدام الجنسية. www.refworld.org/docid/50d460c72.html

(Guidelines on Statelessness No. 4: Ensuring Every Child's Right to Acquire a Nationality through Articles 1-4 of the 1961 Convention on the Reduction of Statelessness )

 

إخلاء مسؤولية

جميع الآراء الواردة في نشرة الهجرة القسرية لا تعكس بالضرورة آراء المحررين ولا آراء مركز دراسات اللاجئين أو جامعة أكسفورد.

 

facebook logo Twitter logo RSS logo

Forced Migration Review
Refugee Studies Centre
Oxford Department of International Development
University of Oxford
3 Mansfield Road, Oxford OX1 3TB, UK
fmr@qeh.ox.ac.uk  +44 (0)1865 281700
skype: fmreview