مهاجر أم لاجئ أم قاصر؟ مصطلحات تحدث فرقاً للأطفال في أوروبا

لكي تتمكن الحكومات الأوروبية من الوفاء بالتزاماتها إزاء الأطفال اللاجئين والمهاجرين، لا بد من تعزيز قدرات منظمات حقوق الأطفال وخدماتهم في كثير من البلدان الأوروبية.

تعمل هيئات حقوق الطفل والهجرة واللاجئين بالاتحاد الأوروبي فيما بينها لإصلاح الخلل الملحوظ المعترف به في التركيز على الطفل وتعميم الجندر في الاستجابات الأولية المتبعة بعد الارتفاع الحاد في عدد الأطفال الوافدين إلى أوروبا، الذين أصبحت نسبتهم تمثل 35% من إجمالي الوافدين في مارس/آذار 2016 بعد أن كانت لا تزيد على 20% في عام 2015. لكنَّ التشرذم والانفصام اللذين تشهدهما العلاقات بين الأحكام القانونية والضمانات في الاتحاد الأوروبي للأطفال من تعليمات وضوابط مختلفة يجعلان الأطفال في البلاد المستضيفة خاضعين لقوانين وسياسات واستحقاقات متباينة وغير متناسقة تختلف باختلاف مراحل عملية اللجوء والهجرة، مع أنَّ حاجاتهم ومصالحهم وحقوقهم تبقى على حالها، بالإضافة إلى أنَّ الأهمية التي تمنحها التشريعات الوطنية لهجرة الطفل أو صفته كلاجئ في تحديد استحقاقه للخدمات تتناقض مع الفعالية المجربة للمقاربة الشمولية المرتكزة إلى الطفل التي كثيراً ما تتبناها هيئات الأطفال.

وكلمة ’مهاجر‘ من الكلمات التي يزداد استخدامها في الخطاب العامّ لوصف الأطفال الذين عبروا البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا في العامين 2015 و2016، وذلك كمسوِّغ لهذه المقاربة المهتمة بحقوق الطفل. لكنَّ هذا الاستخدام لا يعكس ولا يعزز تغييراً في الرأي العام ما يولِّد استجابةً أقل عطفاً، بل يقلل من قيمة تجارب الأطفال في التَّهجير والنزاع، وينطوي على ذلك التزام على عاتق الدول لتأمين الحماية لهم. واستخدام كلمة ’مهاجر‘ كوصف شامل يشوش على صفتهم الرئيسية كأطفال، تلك الصفة التي تنطوي عليها حاجاتهم وحقوقهم واستحقاقاتهم للخدمات الأساسية المطلوبة لضمان نمائهم بسلامة وصحة.

وما زال مبدأ ’الطفل أولاً وآخراً‘ يلاقي صعوبات في توحيد آلية تطبيقه ونطاق شموليته في القارة الأوروبية، ورغم وجود إطار عام داعم للتشريع والسياسة الأوروبيتين إضافة إلى عدد كبير من نماذج الممارسات الجيدة في بعض البلدان، ما زال الضعف المزمن يلازم معظم منظومات الهجرة واللجوء وحقوق الأطفال وخدماتها. فهذا الضعف يحد من قدرة تلك المنظومات على توفير الدعم والحماية اللازمين للأطفال اللاجئين والمهاجرين المنصوص عليهما في القوانين الدولية وقوانين الاتحاد الأوروبي.

وبالنسبة للأطفال، لن يكون التمييز بين مصطلحات مثل ’مهاجر‘ و’لاجئ‘ و ’طالب لجوء‘ مجرد مسألة تنصبُّ في علم المعاني  والمترادفات اللفظية، فمجموع التشريعات والقوانين والأحكام القضائية التي تكوّن بنية قانون الاتحاد الأوروبي المعروفة بمجموعة التشريعات الأوروبية الخاصة باللجوء والهجرة تقبل تأويلات متعددة على المستوى الوطني وتسمح بتصنيف الأطفال ضمن فئات تمايز بينهم من ناحية الصفة والاستحقاقات القانونية. وهذه الطريقة في تصنيف الأطفال تمثل عائقاً رئيسياً أمام وصول الطفل إلى خدمات الرعاية الصحية والحماية والتعليم في البلد المستضيف. ونتيجة لذلك، تُضطَّر الأسر إلى التفاعل مع نظام متقلب إذا أرادت الوصول إلى خدمات الأطفال تزامناً مع انتقالهم (أو نقلهم) خلال وبين مراحل الهجرة واللجوء، ويُحرَم أطفالهم من الدعم المتناسق والمتكامل على غرار ما هو متاح لبقية الأطفال الذين يعيشون في البلد.

التعليم والرعاية الصحية

التَّعليم المدرسي الأساسي حقٌّ تعترف به الدول الأوروبية بموجب قانون الاتحاد الأوروبي للهجرة، غير إنَّ جودة التَّمدرس المقدّم للأطفال اللاجئين والمهاجرين تعتمد على وضعيتهم في أثناء الهجرة أو في أثناء عملية طلب اللجوء أكثر مما تعتمد على حاجاتهم التعليمية.

وفي حالة طالبي اللجوء، يسمح القانون للسلطات التعليمية الوطنية تأجيل وصول الأطفال إلى المدرسة لمدة لا تزيد على ثلاثة أشهر بعد تقديمهم طلب اللجوء، أو قد تُدِخلُهم في صفوف في مراكز الاستقبال أو الإيواء لا ترقى إلى المستوى التعليمي الذي تقدمه المدارس المحلية. ويزداد الوضع سوءاً في حالة الأطفال غير المصطحبين لوثائق رسمية لأنَّ عشر دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي فقط تعترف بحق هؤلاء الأطفال في الدراسة، في حين أن خمس دول أخرى تمنعهم منها صراحةً، بينما يبقى حقهم في التعليم في دول أخرى محاطاً بالغموض. أما الوصول إلى التعليم المدرسي غير الإلزامي والتعليم المبكر للأطفال والتدريب المهني والتعليم العالي، فيواجه صعوبات خاصة.

ومع أنَّ وصول اللاجئين والمهاجرين إلى الخدمات الصحية الطارئة من الأمور المضمونة في كل أنحاء أوروبا، يعتمد وصول الأطفال لتلك الخدمات اعتماداً كبيراً على وضعهم القانوني، فقد يترتب على الأطفال من آباء أو أمهات من أصول غير أوروبية أن يحصلوا على الإقامة الدائمة ليتمكنوا من الوصول إلى الخدمات الصحية، إلّا أن حقهم حتى في هذه الحالة قد يكون مقيَّداً.

وبموجب قانون الاتحاد الأوروبي، يتعين على الدول الأعضاء ضمان إمكانية وصول الأطفال اللاجئين وطالبي اللجوء إلى الرعاية الصحية الملائمة التي لا تقلّ عمّا يستفيد منه المواطنون، إلا أنَّ هذه الرعاية قد تقتصر على ’الخدمات الأساسية‘. فيحقّ للأطفال غير المصحوبين ببالغين في 25 من الدول الأعضاء الحصول على الرعاية صحية والعلاج الطارئ، ولكنَّ ذلك لا يشتمل بالضرورة على خدمات الطفل الصحية والنمائية والتطعيم. كما يحقّ للأطفال المهاجرين غير المصطحبين لوثائق رسمية الوصول بموجب القانون إلى الرعاية الصحية الطارئة في جميع دول الاتحاد الأوروبي، غير إنَّ ثمانية منها فقط توفر لهم رعاية صحية تضاهي ما يقدّم للمواطنين، بينما تحصر ستة منها استحقاقات هؤلاء الأطفال على الرعاية الطارئة فقط، وتسمح اثنتا عشر دولة للمهاجرين غير المصطحبين لوثائق رسمية الوصول المقيَّد إلى الخدمات الخاصة، منها رعاية الأمومة ومعالجة مرض نقص المناعة المكتسبة والأمراض المعدية. كما أنَّ بعض الدول تمنح حقوقاً إضافية لبعض فئات الأطفال غير المصطحبين لوثائق رسمية، بينما يُحرَمون في بلدان أخرى من الرعاية الصحية إما بسبب شروط التأمين الصحي أو بسبب العوائق الإدارية الأخرى، يضاف إلى ذلك القيود المفروضة على الأسر المهاجرة والأسر طالبة اللجوء فيما يتعلق بالسكن والعمل، فهي تؤثر أيضاً على الأطفال، ويتضاعف هذا الأثر بعجز أنظمة الرفاه الاجتماعي الوطنية بتوفير شبكة كافية للأمان الاجتماعي.

وبما أنَّه من واجب الدول ضمان تقديم الحماية الفعالة للأطفال، فذلك يستلزم مسؤوليتها في تبنّي الإجراءات والضمانات الرامية إلى ذلك. لكنَّ التباين في استحقاقات الأطفال اللاجئين والمهاجرين في الخدمات على أساس صفتهم القانونية يعرّض كثيراً منهم للخطر. وقد اتخذ الاتحاد الأوروبي إجراءات لمكافحة الجرائم العابرة للحدود وخصوصاً تلك التي تتعلق بالعنف واستخدام الأطفال في المواد الإباحية، والإتجار بالأطفال، والعمل القسري.[i] ورغم الاعتراف بأنَّ الأطفال على العموم معرَّضون للعنف والاستغلال والاعتداء الجنسي والإتجار بهم، لا تصنف تشريعات الاتحاد الأوروبي لحماية الأطفال اللاجئين والمهاجرين على أنَّهم مجموعة مستضعفة (ما عدا الأطفال غير المصحوبين ببالغين)، مع أنَّهم مستضعفون بنص مجموعة تشريعات الاتحاد الأوروبي حول الهجرة.

الخلاصة

يعاني الأطفال خلال طريقهم إلى أوروبا من صعوبات وصدمات نفسية بل قد يتعرضون للاعتداءات بالإضافة إلى استمرار التوتُّر الذي يعيشونه في حياتهم وهيمنة الغموض على مصيرهم بعد وصولهم. كل ذلك لا بد من أن يؤهلهم لأحقية الحصول على مزيد من الدعم والحماية لهم، ولكن هذا الأمر يجب أن يُترَجم إلى أرض الواقع من خلال رسم الاستراتيجيات وخطط العمل الوطنية لحماية الأطفال. ومن حيث المبدأ، لا تقصي الأنظمة الوطنية لحماية الطفل الأطفال المهاجرين، غير إنَّ السياسات واللوائح التنظيمية والموارد ليست متاحة دائماً لتسهيل وصول هؤلاء الأطفال إلى خدمات الحماية العامة. فمعظم بلدان الاتحاد الأوروبي، مثلاً، توفر دور إيواء للمشرَّدين لا يدخلها إلا من لديهم تصريح بالإقامة أو سجل للضمان الاجتماعي، الأمر الذي يبقي النساء والأطفال اللاجئين والمهاجرين عالقين في علاقات عنيفة أو مهينة.

ومع أنَّ مجموعة التشريعات الأوروبية حول الهجرة لا تخلوا من مواطن الضعف، ما زالت تمثل خياراً جيداً لتعزيز التكافؤ في حق وصول جميع الأطفال إلى الخدمات بغض النظر عن صفتهم القانونية. ومع أنَّ مجموعة التشريعات الأوروبية للهجرة لم تصمم خصيصاً كإطار لحقوق الأطفال، فهي تجد الدعم من اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، كما يدعمها التزام الاتحاد الأوروبي بحقوق الأطفال بموجب دليل القانون الأوروبي المتعلق بحقوق الطفل.[ii]وتعزز مجموعة التشريعات تلك انتهاج مقاربة متكاملة ومتناغمة ومتناسقة ومرتكزة إلى الطفل فيما يتعلق باللجوء والهجرة على المستوى الوطني، وذلك من خلال وضع سلسلة من الحد الأدنى للمعايير التي يجب استيفاؤها، ومن خلال وضع إطار للدعم والتوجيه المتعلقين بتطوير ما يتعلق بالطفل من قوانين وسياسات وهياكل وممارسات وتطبيقها وإنفاذها وتعزيزها.

ولحد الآن، ما زال تأثير مجموعة التشريعات الأوروبية حول الهجرة ضعيفاً ومشتتاً، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أنَّ تطورها إلى يومنا هذا لم يكن منطقياً ولا متماسكاً في مختلف مجالات السياسات والأنظمة التي يمر بها الأطفال المهاجرون واللاجئون. لكنَّ الخيارات كثيرة من أجل إقامة سياسات مرتكزة إلى الطفل في أوروبا، منها إعادة كتابة مجموعة التشريعات الأوروبية حول الهجرة واللجوء، أو تطوير إطار منفصل يخص لجوء الأطفال وهجرتهم، أو الإصلاح التدريجي لمجموعة التشريعات القائم حالياً من خلال عملية تحسين وتوسيع ذات أولية ومخطط لها تستهدف المجالات التي تمثل أكبر مصادر الاستضعاف للأطفال المهاجرين واللاجئين.

 

كيفن بيرن kbyrne381@gmail.com

خبير مستقل في حقوق الطفل



[i] لمزيد من التفاصيل حول تشريعات الاتحاد الأوروبي في هذه المجالات، انظر هيئة الاتحاد الأوروبي للحقوق الرئيسية (2015) دليل القانون الأوروبي المرتبط بحقوق الطفل

 http://fra.europa.eu/en/publication/2015/handbook-european-law-child-rights  

 (Handbook on European law relating to the rights of the child (

 

إخلاء مسؤولية

جميع الآراء الواردة في نشرة الهجرة القسرية لا تعكس بالضرورة آراء المحررين ولا آراء مركز دراسات اللاجئين أو جامعة أكسفورد.

 

facebook logo Twitter logo RSS logo

Forced Migration Review
Refugee Studies Centre
Oxford Department of International Development
University of Oxford
3 Mansfield Road, Oxford OX1 3TB, UK
fmr@qeh.ox.ac.uk  +44 (0)1865 281700
skype: fmreview