رُوحُ إعلانِ قرطاجنة؟ تَطْبيقُ تعريفِ اللاجئينَ المُوسّعِ على الفنزويليّين في أمريكا اللاتينية

أدرجت دول أمريكا اللاتينية عموماً تعريفَ قرطاجنةالموسَّعَ للاجئين في أُطُر اللجوء الوطنية فيها، وعلى الرغم من ذلك، يجب على هذه الدول مزيْدُ فعلٍ لتطبيق هذا التعريف -وما ينشأ عنه من حمايةٍ- على المهجَّرين الفنزويليّين.

أدَّت الأَزْمة السياسيّة والاقتصاديّة والإنسانيّة في فنزويلا إلى حالةٍ هي من أوسع حالات التَّهجير نطاقاً في أيامنا هذه. إذ تُضيّفُ أمريكا اللاتينية والكاريبي نحواً من ثلاثة ملايين وسبعة أعشار المليون إنسانٍ (3.7) من أصل أربعة ملايين ونصف مليون إنسانٍ (4.5) تركوا فنزويلا منذ عام 2015، ويُقدَّر أن عدد الفنزويليّين المهجَّرين في العالم عامَ 2020 قد يبلغ 8 ملايين أو يزيدون.[i] 

وفي أوائل عام 2020، بلغ رسميّاً عدد الفنزويليّين الذين تُضيّفهم كولومبيا مليوناً وثلاثة أخماس المليون وثلاثة أعشار العُشْر (1.63)، وفي بيرو 864 ألفاً، وفي الإكوادور 385 ألفاً، وفي شيلي 372 ألفاً. وفي العالم كلّه، بلغ طالبوا اللجوء الفنزويليّون 770 ألفاً إلا قليلاً.[ii] وأعظم أعداد الطلب وردت على بيرو (إذ في أوَّل شهر يناير/كانون الثاني من عام 2020 بلغ عدد ما ورد عليها من طلباتٍ 395 ألفَ طلبٍ غير مبتوتٍ فيه)، ثم على البرازيل (فبلغ في شهر نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2019 ما ورد عليها من طلباتٍ 130 ألفَ طلبٍ غير مبتوتٍ فيه)، وورد على غيرهما من البلاد في المنطقة طلبات إلا أنّها أقلّ بكثير من هذه الأعداد.[iii] على أنه إن قِيْسَ عدد طلبات اللجوء الكليُّ إلى قَدْر المهجّرين الفنزويليّين، ظهر أنّ عددها يسير. ويُفسَّرُ هذا -بعض التّفسيرِ- ببرامج مخصوصة اسمها برامج الإقامة، تُتِيحها للفنزويليّين عِدَّةُ بلاد، أوّلها كولومبيا، حيث لم يمْضِ شهر أكتوبر/تشرين الأول من عام 2019 إلا وقد نظّمت مُقَامَ 640 ألف فنزويليّ عندها. وتُسهِمُ عوامل أخرى في قِلّة عدد طلبات اللجوء بالقياس إلى غيرها، ومنها أنْ ليس لكثيرٍ من الفنزويليّين معرفة بتعريفات اللاجئين الإقليميّة، أو أنهم يكرهون تقييد حريّة تنقُّلهم -وهو عاقبةٌ ممكنة لمَنْ يُطلَق عليه صفة طالب اللجوء- لكي لا ينقطعوا عن زيارة أقاربهم في فنزويلاومع ذلك، زادت طلبات لجوء الفنزويليّين باطّراد، حتّى تكاد تتضاعف عالمياً ثلاث مرّاتٍ في كلِّ عام منذ عام 2015. هذا من وجهٍ، ومن وجه آخر، ما تزال معدّلات الاعتراف باللاجئين جدّ هابطة؛ فبين عام 2014 وعام 2018، كان عدد الطلبات التي قبلتها بيرو 629 طلباً فقط، والتي رفضتها 739 طلباً فقط، وعلّقت 227 ألفَ طلب و325 طلباً في آخر عام 2018.[iv] وقبلت المكسيك إذ ذاك 4 آلاف طلبٍ و415 طلباً من أصل 10 آلاف طلبٍ و845 طلباً، وأما كولومبيا فقبلت 79 طلباً فقط، وأما البرازيل فلم تقبل إلا 22 طلباً. على أنّ من علامات الأمل أنّ البرازيل قبلت أكثر من 37 ألفَ طلبٍ فنزويليّ بين شهر ديسمبر/كانون الأول عام 2019 وشهر يناير/كانون الثاني عام 2020، فطبّقت إذاً تعريف قرطاجنة.

ولمّا كانت الزيادة مطّردةً في طلبات اللجوء الفنزويليّة في أمريكا اللاتينية التي بلغت مبلغاً عظيماً في بعض البلاد كَبِيرو والبرازيل وكان الهبوط عامّاً في معدّلات الاعتراف بها في دول المنطقة، كان من المهمّ إنعام النظر لمعرفة الإجابة عن السؤال الآتي: هل ينطبق تعريف اللاجئين المُوسّع في إعلان قرطاجنة على حالة تهجير الفنزويليّين؟ فمن هنا أنّ الأزمة الفنزويليّة هي امتحانٌ من أوائل الامتحانات الشديدة الأهميّة التي تجري على تطبيق تعريف اللاجئين المُوسَّع في المنطقة.

قرطاجنة واللوائح الوطنيّة

اعتُمِدَ إعلان قرطاجنة في عام 1984، وجاء فيه على لسان الدول المعتمدة حينئذٍ أن: "تعريف اللاجئ أو مفهومه الذي يوصى باستعماله في المنطقة، يشتمل فيما يشتمل عليه -إضافةً إلى احتواءه على عناصر اتّفاقية عام 1951 وبروتوكول عام 1967- على اللاجئين الذين فرّوا من بلدهم لأن حياتهم أو سلامتهم أو حريّتهم مُهدّدةٌ بالعُنْف المعمّم، أو العدوان الأجنبي، أو النزاع الداخليّ، أو الانتهاك الجسيم لحقوق الإنسان، أو غير ذلك من الظروف التي تُشوّش النّظام العامّ تشويشاً شديداً".[v]

وإعلان قرطاجنة صكٌّ إقليميّ غير ملزم، فلا يُلغِي تعريف صفة اللاجئ المُصْطلح عليه ولا يحلّ محلّه، إنما يُتمّمهُ فيُوسِّع حماية الأفراد مُضِيفاً إلى أُسُسِها أُسُساً مرتبطة ببلادهم أو بمناطقهم الأصليّة. فينطلق هذا التعريف المُوسّع من رؤيةٍ جمعيّة تُحلّلُ حال البلد الأصليّ، وأما التعريف المُصْطلح عليه فيركز همّه في تحليل كلِّ حالة من حالات الاضطهاد الفردي على حِدَتها.

وعلى الرغم من أنّ الإعلان غير ملزم، أدرجت أكثر بلاد أمريكا اللاتينية (ما عدا كوبا، وبَنَما، والجمهورية الدومينيكيّة، وجمهورية ترينيداد وتوباغو، وفنزويلا) كلاًّ من التعريف المصطلح عليه في اتفاقية عام 1951 والتعريف المُوسّع في إعلان قرطاجنة (إمّا تامّاً غير منقوص وإمّا مُعدّلاً بعض التعديل) أدرجتهما معاً في أُطُر اللجوء عندها. وهذا الإدراج دليلٌ ضمنيّ على أنّ الدول حوّلت هذا التعريفَ الداخِلَ تحت قانونٍ غير مُلزِمإلى مفهومٍ مُلزِم. فحدا ذلك المفوضيةَ السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين على وصف أمريكا اللاتينية بالمستقرّة الجديدة على عرش حماية اللاجئين في العالم، حتى إنها فاقت أوروبا في كونها نموذجاً لتشريع خاصّ باللاجئين، على حُقوقِ الإنسانِ قائمٌ (وإن كان ذلك قبل تفجُّر أزمة التَّهجير الفنزويليّة).[vi]

وقد أكّدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في مذكرة توجيهية أصدرتها في مايو/أيار 2019، أنّه ينبغي تطبيق التعريف المُوسّع على جُلِّ طالبي اللجوء الفنزويلّيين.[vii] وقد يُزعَمُ أن تفسير "العنف المعمّم"، "والانتهاك الجسيم لحقوق الإنسان"، "وتشويش النّظام العامّ" مختلفٌ، وهذا من ثمّ يعوّق الاعتراف بتطبيق التعريف المُنْطلق من قاعدة عمل قرطاجنة. على أنّ الأمم المتحدة وغيرها من المنظمّات ندّدت بحالاتٍ تقع في فنزويلا، من تهديد النّظام العامّ، والعنف العامّ، وانتهاك حقوق الإنسان. فعلى سبيل المثال، جاء في تقريرٍ صادر عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في يوليو/تموز 2018، أنّ في فنزويلا انتهاكات للحقّ في الرعاية الصحيّة، والاحتكام إلى القضاء، والحصول على الغذاء، وحريّة الرأي والتعبير، والاعتقال التعسُّفي، والتعذيب، والاختفاء القسري، وانتهاك حريّة التجمّع السلميّ أيضاً.[viii] وأصدرت منظمة الدول الأمريكية ولجنة الدول الأمريكية لحقوق الإنسان، بين عامَي 2013 و2019، أكثرَ من 60 بلاغاً في أوضاع فنزويلا السياسيّة والاجتماعيّة والإنسانيّة، وأشارتا في عدّةٍ من تلك البلاغات، إلى انتهاكات في حقوق الإنسان خطيرة. ومثلُ ذلك، أنّ دول المنطقة نفسها ندّدت بحالِ فنزويلا، من خلال إعلان فريق لِيما أو نَحْوِه. وعلى الرغم من التصريح السياسيّ، لم يَمْضِ بلدٌ في تطبيق التعريف المُوسّع على طالبي اللجوء الفنزويليّي الجنسيّة، إلاّ المكسيك والبرازيل. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2019، أعلنت كولومبيا أنَّها تنظر في تطبيق التعريف، غير أنها أنفذت بدلاً منه في يناير/كانون الثاني 2020 تدابير جديدة لتنظيم شؤون الهجرة.

العوامل المؤثّرة

نقترح هاهنا ثلاثة أسباب مؤثّرة في هذا التناقض الذي بين تنديدٍ بانتهاك حقوق الإنسان في فنزويلا وبين عدم اعترافٍ باللاجئين وَفْقَ إعلان قرطاجنة. الأول: أنّ في الخبرة والقدرة التقنيّة نقصاً عريضاً. فخبرة قبول المهاجرين واللاجئين في البلاد الرئيسة في تضييفها للمهاجرين الفنزويليّين، هي إمّا قليلة أو ليس منها في هذه البلاد شيء. ومع أنّ في قوانينها قوانينَ قُنّنَت إحساناً إلى طالبي اللجوء والمهاجرين، لم تُضطرّ قطّ إلى تطبيقها على عددٍ عظيم من الناس.

والثاني: أنّ تطبيق تعريف اللاجئين في إعلان قرطاجنة يعني الاعترافَ بعددٍ جمّ من الناس لاجئينَ، ولا سيّما في الحالة البيرُوِيّة، وفتْحَ باب الحماية الاجتماعية لهم على مصراعيه، ومن ذلك الرعاية الصحيّة. ومن المحتمَل أن تكون الكُلْفة الماليّة لتطبيقه في بلادٍ سوق العمل فيها غير رسميّة في الأكثر، ونظام الرعاية الاجتماعية فيها مُتَداعٍ، كُلْفةً غاليَة.

والثالث: مُرْتبطٌ بالسبب السابق، وهو الخشية من أن تكون عوامل الجذبمدعاةً لأكثر ما كان قطُّ من الفنزويليّين، فيزداد الثقل على الخدماتِ العامّة المُثقَلةُ أصلاً، وأيضاً يزدادُ رُهَابُ الأجانبِ[ix]، وربّما مُكّنَت القوى السياسيّة المتطرّفة ممّا تُريد.

فإذا نُظِرَ في هذه الهموم المحليّة، وُجِدَ أنّ اتّخاذَ دول أمريكا اللاتينية، قراراً مشتركاً في تطبيق تعريف قرطاجنة على الفنزويليّين، تطبيقاً ظاهراً، لَيُعزّزُ حماية اللاجئين في المنطقة كثيراً. وإذا لم تبرح البلاد تعترض على تطبيق التعريف، فهي لا تجازف بإيهان قانونها الداخليّ فقط،، بل وبانتزاع روح قرطاجنة، وبإذهاب عشرات السنين من التقدُّم في طريق الحماية هباءً.

سَسِيل بلون cblouin@pucp.edu.pe  

باحثةٌ، في معهد الدّيمقراطية وحقوق الإنسان، وبروفيسورةٌ في كليّة القانون، بالجامعة الباباويّة الكاثُوليكيّة في بيرو (Pontificia Universidad Católica del Perú)

http://idehpucp.pucp.edu.pe

إزابِل بِرْغانزا isabel.berganza@uarm.pe  

نائبَةُ رئيسِ جامعةٍ في الشؤون الأكاديميّة، بجامعة أنطونيو رويزدي مونتويا، في بيرو (Universidad Antonio Ruiz de Montoya)

www.uarm.edu.pe

لُويسا فِلِين فراير lf.freierd@up.edu.pe  

باحثةٌ وبروفيسورةٌ، في القسم الأكاديمي للعلوم الاجتماعيّة والسياسيّة، بجامعة دِل باسِفِكو، في مدينة ليما في بيرو (Universidad del Pacífico)

www.up.edu.pe

 

[i] بلاغٌ صحفيّ من منظمة الدول الأمريكية، في 28 يونيو/حزيران 2019.

www.oas.org/es/centro_noticias/comunicado_prensa.asp?sCodigo=C-048/19

[ii] Plataforma de Coordinación para Refugiados y Migrantes de Venezuela https://r4v.info/es/situations/platform

[iii] UNHCR Operational Portal Refugee Situations: Venezuela Situation

(بوابة البيانات التشغيلية وحالات اللاجئين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين: الحالة الفنزويليّة)

https://data2.unhcr.org/en/situations/vensit

[iv] http://popstats.unhcr.org/en/asylum_seekers

[v] bit.ly/Cartagena-Declaration

[vi] Freier L F (2015) ‘A liberal paradigm shift? A Critical Appraisal of Recent Trends in Latin American asylum legislation’ in Gauci J-P, Giuffré M and Tsourdi E (Eds) Exploring the Boundaries of Refugee Law: Current Protection Challenges. Brill–Nijhoff.

(أحقّاً هو تحوُّلٌ في طريقة التفكير أو العمل لِبراليٌّ؟ تقويمٌ نقديّ للاتّجاهات الحديثة في تشريع اللاجئين بأمريكا اللاتينية.)

[vii]  bit.ly/UNHCR-Guidance-Note-Venez

[viii] ACNUDH (2018) ‘Violaciones de los derechos humanos en la República Bolivariana de Venezuela: una espiral descendente que no parece tener fin’ https://goo.gl/JRgKZr

[ix] Freier L F and Parent N ‘A Turning Tide? Venezuelan Displacement and Migration Governance in Peru’, MPC Blog, 11 December 2019

(هل اعتدلت الحال؟ إدارة وضع التَّهجير والهجرة الفنزويليّ في بيرو)

https://blogs.eui.eu/migrationpolicycentre/turning-tide-venezuelan-displacement-migration-governance-peru/

إخلاء مسؤولية

جميع الآراء الواردة في نشرة الهجرة القسرية لا تعكس بالضرورة آراء المحررين ولا آراء مركز دراسات اللاجئين أو جامعة أكسفورد.

 

facebook logo Twitter logo RSS logo email.png

Forced Migration Review
Refugee Studies Centre
Oxford Department of International Development
University of Oxford
3 Mansfield Road, Oxford OX1 3TB, UK
fmr@qeh.ox.ac.uk  +44 (0)1865 281700