مَلْجأٌ من الخَطَرِ مُخْطِرٌ: دروسٌ من سان بيدرو سولا

تُقدِّمُ التدخُّلات بين يدي نتيجتها في سان بيدرو سولا بِهندوراس دروساً في العمل في الأحياء الحضريّة ومجتمعاتها المحليّة التي فيها خطرٌ شديد.

أفضَتْ أفعَالُ العصابات والإجرام المنظَّم الموصُولِ بالاتّجار الدوليّ في المُخدّرات، مع قَسْوةِ استجابة قوات أمن الدولة، أفضَتْ بالعُنْفِ إلى الثّوَرَان في هندوراس وإلى تعيين سان بيدرو سولا منْذُ بِضْعِ سنين خلت أعنفَ مدينةٍ في العالم (بسبب معدّل القتل العمد المرتفع فيها). ويَتجمَّعُ نصف أهل هندوراس، أو يزيدون قليلاً، في المناطق الحضريّة، ومنها سان بيدرو سولا التي يبلغ عدد سكّان منطقتها الحاضريّة نحواً من مليونَين ونصف المليون إنسان. وقُدِّرَ في سنة 2015، أنّ أعضاءَ العصابات كانوا حاضرينَ في أكثر من 50 حيّاً من أحياء سان بيدرو سولا، وخاصةً أفقر الأحياء وأكثرها تهميشاً.[1] ويُضَافُ اليومَ إلى أثر العصابتَين الرئيستَين (وهما مارا سَلفَترُتشَا، وباريو 18) أثَرٌ واضحٌ تتركه غيرهما من العصابات المحليّة وجماعات الإجرام المُنظّم. مثال ذلك، أنّ في ريفيرا هِرنَنْدِس، وهو حيٌّ في المدينة مُهمَّشٌ، يبلُغُ عدَدُ ساكنيهِ 120 ألفاً، حواجزَ معنويّة، تَقْسِمُ أَرضَهُ إلى حاراتٍ وشوارع، تسيطر عليها أكثر من ستّة جماعات.

وبين سنة 2004 وسنة 2014، أضافَتْ مدينة سان بيدرو سولا والمنطقة الحاضريّة التي هي فيها، أكثرَ من 40% من النَّازحين داخلياً في البلد، وكان نصيبُ المدينة وحدها منهم 21.5%.[2] وتُبيِّنُ المعطيَاتُ طبيعة النُّزوح القسريّ داخلَ المناطق الحضريّة، إذ أظهرت أنّ 81% من النَّازحين داخلياً في سان بيدرو سولا قد نزحوا من مواضع أخرى في المدينة. ومع أنّ النُّزوحَ واقعٌ على كثير من المجتمعات المحليّة والأحياء، ترى أنّ مُعْظمَ الأماكنِ التي يُنْزَحُ إليها، هي التي تُعمِلُ فيها العصابات سيطرتها على الأرض والمجتمع، أو التي فيها لها شيءٌ من النفوذ. وصحيحٌ أنّ النُّزوحَ في هذه الحال غيرُ بادٍ للعِيان تمامَ البُدُوِّ؛ إذ يُقْسَرُ الأفراد أو الأهالي حيناً على اتّخاذِ تدابير واقية وتَرْكِ بيوتهم، كاتمينَ ذلك عن أعين الناس، وتلجأ قِلّةٌ إلى السلطات طالبين الحماية حيناً أخرى، كلُّ ذلك صحيح، ولكنْ تُشِيرُ الأدلّة إلى أنّ هذه الحارات من المدينة، يغلب عليها أن تكون من أكثر المناطق تهميشاً أو من المناطق التي يقع ساكنوها بين الطبقة السفلى والوسطى، وتتميَّزُ بأنّها ضيِّقةُ السبيل إلى الحقوق الأساسيّة والمرافق العامّة، وبأنّ العنف فيها كثير، ومن ذلك القتل العمد.[3]

وفي المدينة بَعْضُ فسحةٍ ليُخْفِيَ المرء هويّته، ولِيَسْتطيعَ المحافظة على الأحبال بينه وبين أسرته، وعلى شِبَاكِ علاقاته الشخصيّة، وحصوله على الخدمات وتَيَسُّر التوظيف له. ولقد يظهر أنّ طلب الحماية في أحياءَ مُصَابةٍ بضروبٍ من العُنْفِ كثيرة (ومنها تقييد التنقُّل، وابتزَازُ الأموالِ، وإشرَاكُ الأطفَالِ والشبَابِ قسراً في المنظّماتِ الإجراميّة والقتلِ العَمْدِ والاعتدَاءِ الجنسيّ) أمرٌ فيه تناقضٌ، ولكنْ هذه هي حقيقة ما يقع على الأسر والأفراد في هذه المدينة، وغيرها من المدن. فهذه الأحيَاءُ مُلجِئةٌ من الخطَرِ ومُخطِرَةٌ في آنٍ معاً. وما فيها من عملٍ جماعيّ، وتماسُكٍ اجتماعيّ، وتنظيمٍ مُجْتمعيّ، كَسَرَهُ عُنفٌ وريبٌ وخوفٌ مُسْتطير. وعلى أنّ بعض الجماعات (كأرباب العمل، وعُمّالِ النّقل، والمعلّمينَ، والنساءِ، والأطفالِ، والشّبابِ، وجماعةِ المثليّات والمثليّين ومزدوجي الميل الجنسيّ ومُغيّري الهوية الجنسانيّة وحاملي صفات الجنسَين) أشدُّ تعرُّضاً للخطر من غيرها[4]، فأكثر ساكني هذه الأحياءِ هم في خطر التعرُّض لشيءٍ من العُنْفِ والتَّهجير.

عَمَلُ المفوضيّة السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في سان بيدرو سولا

افتتحت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مكتباً لها في هذه المدينة في آخر سنة 2016. ولم تزلْ منذ افتتاحها المكتبَ تُعِينُ السلطات البلديّة تِقنيّاً والمجتمعات المحليّة أيضاً على إنشاءِ آليّاتٍ لوَقْفِ التَّهجير والنُّزوح وللحماية، وذلك جانبٌ من عمَل المفوضية على دّعْمِ هندوراس في ما التزمت بهِ في الإطار الإقليمي الشامل للحماية والحلول (وهو التطبيق الإقليميّ للاتفاق العالمي بشأن اللاجئين).  ومن هذه الإعانة العمَلُ مع السلطات البلديّة على وَضْعِ مناهج بحثٍ وإستراتيجيّاتٍ، تُرْسِي التقارب والتحاور مع المجتمعات المحليّة والأحياء التي فيها خطرٌ شديد. وقد اشتمل هذا العمل على التشارك في وَضْعِ بُرُوتوكولاتٍ وآلياتٍ لتحليل الخطر وضمانِ الدخول في الأحياء بسلام، ووَضْعِ المناهج البحثيّة التشاركيّة واستعمالها في التشاور، وتَنْفيذِ البرامج والمبادرات المُجتمعيّة المُرتكِزَةِ على مبادئِ الحماية. وقد دَعَمَ المكتَبُ الميدانيّ أيضاً السلطات البلديّة في وَضْعِ آليّاتٍ، تُعَيِّنُ النَّازحين داخلياً أو المعرَّضينَ لخطر النُّزوح أو كليهما، وتُعِينُهُم وتُوجِّهُهُم، من خلال ما هو قائمٌ من برامجَ بلديّة وخِدْمَات. ويُقتَبَسُ مما تقدّم من أعمالٍ عددٌ من الدروس، فإلَيْكَها:

إيجاد الوقت لإنجاح العمل ضرورة: يُحتَاجُ إلى زمنٍ ليس بالقليل لدراسة أحوال مجتمعٍ من المجتمعات المحليّة، ومدِّ أحبال الثقة والتفاهم فيه، وتعيين الخطر، ووَضْعِ الخطط الحمائيّة. ويمكن في حالة العنف الحضريّ أن يكون الزمن الذي يُحْتَاجُ إليه ضعفاً، أو حتّى ضعفين، بسبب الأخطار الأمنيّة التي تُصاحِبُ حضورَ جماعات الإجرام المنظّم، وطبيعةَ النُّزوح غير البادية، وجَعْلَ العُنْفِ أمراً طبيعياً. وتُيسِّرُ معرفَةُ سياق الأحوال فَهْمَ الكيفيّةِ التي عليها تقَاطُعُ ضروب العنف المُفْضِي إلى النُّزوح، والآثارِ المرئيّة وغير المرئيّة التي تتركها هذه الضروب في الحيّ وعيشَةِ أهلهِ.

أفضل وسيلةٍ لفَتْحِ السبيل إلى الخدمات هي الاستثمار الذي يَنْفَعُ المُجتمعَ المَحليَّ كلَّهُ: إستراتيجيّات إيصَالِ الخِدْماتِ والحِفاظِ على حيِّز العمل الإنسانيّ في هذه الأحياء متوقِّفٌ إعدادها على حسب سياق الأحوال. غيرَ أنّ الأعمالَ التي تَقْصِدُ إلى أنْ تُعزِّزَ توفيرَ الخدمات الأساسيّة لكل الناس في حيٍّ أو منطقة ما، وتُحسِنُ إلى المجتمع المحليّ بالتنمية، تُيسِّرُ الوصول إلى هذه الأحياز، لأنّها تُرَى غالباً تدخُّلاتٍ لا تتحدّى سيطرة العصابات. ومن هذه الأعمال، تَوسِيعُ السّبيلِ أو فَتحُهُ إلى: الرعاية الصحيّة، والتعليم، والبنية التحتيّة المجتمعيّة، والتسلية والرياضة، والتدريب المهنيّ والتقنيّ. مثال ذلك: أنْ نفَّذت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والسلطات البلديّة تدخُّلاً مشتركا بينهما للعمل على إرساءِ اندماج الشباب وحمايتهم في منطقةٍ شديدة الخطر، من خلال وُرَشٍ ثقافية وفنيّة، فقَوَّى ذلك وصولَ الخِدْمات إلى تلك المنطقَةِ ووسَّعَ فَهْمَ السلطات للتحدّيَاتِ والأخطارِ الواقعة على الشباب.

مُحالفَةُ الجهات الفاعلة المُحايِدة محتاجةٌ إلى تعزيز: من الأهميّة بمكانٍ أن تُحدَّدَ الجهات الفاعلة المجتمعيّة، بحيث يُتعَاوَنُ مع التي لا تتنافس هي والجماعات الإجراميّة والعصابات -ومن هذه الجهات المُنافِسَة القادة الدينيُّون، وقادة تنمية البنى المجتمعيّة، والمتطوّعون في البرامج الاجتماعيّة- وذلك للتأسيس لإيصالا الخدمات والحفاظ على إيصالها. إذ تُقِيمُ الجهات الفاعلة المفضّلة على غيرها في بعض المجتمعات المحليّة تحاوراً بينها وبين أعضاء العصابات ليُرسُوا الاتفاق على تيسير إيصال الخدمات، وعلى تنفيذ البرامج التي تَنْفَعُ المُجتمعَ المحليّ كلَّه. (ومع ذلك، فتحليلُ الخطر بانتظامٍ أمر لا بدّ منهُ ليُتعرَّفَ سريعاً كلُّ تغيُّرٍ في ديناميّات العنف وفي حدود السيطرة على الأرض والمجتمع في هذه المناطق).

ينبغي دّعْمُ الشّباكِ المحليّة وما في المجتمع المحليّ من قدرات: فبسبب قِلّةِ تأثير المؤسّسات في هذه الأحياء، وعدم كفاية المعدّات والخدمات (بسبب النموّ السكانيّ السريع وانعدام التخطيط)، والرّيبِ، والمصاعب التي تكتنف إيصال الفائدة إيصالاً آمناً، بسبب كلِّ ذلك، يَكثُرُ أن تُوصَلَ بعض الخدمات في هذه الأحياء من خلال بُنَى المجتمع المحليّ ومنظّمات المجتمع المدنيّ. ومن المهم دَعْمُ هذه الخدمات -التي تشمل المستوصفات الكنسيّة، وبرامج دعم المراكز المجتمعيّة المعنيّة بالتعليم والشباب، ودور الحضانة، وشِبَاك التواصل النسائيّة- وتَدْرِيبُ مَن يقوم بها لكي يصل إليها مَن يحتاج إليها مِن النَّازحين أو المعرّضين لخطر النُّزوح. ويمكن لهذا الدّعم أن يعزِّز أيضاً إيصال الخدمات الأساسيّة، وأن يُسْهِمَ على التدريج في إنشاء بيئةٍ محيطةٍ حِمائيّة، بتَمْتينِ الشِّبَاكِ المجتمعيّة التي من خلالها يُعيَّنُ ويُحمَى مَن هو في خطرٍ شديدٍ أو مَن فيه من الضَّعْفِ مواطِنُ.

ينبغي تَمْتِينُ الأحبال الممدودَةِ إلى السلطات البلديّة من أجل التنمية الاجتماعيّة: يمكن أن يُساعِدَ ضَمانُ إدماجِ التدخُّلات في بُنَى المؤسّسات المحليّة وأعمالها على إطالة عمر الاستدامة. فقد بدأت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وشريكُهَا في التنفيذِ، العملَ مع المجتمعات المحليّة على التخطيط للحماية المجتمعيّة. ومع تقدُّم هذا العمل في طريقهِ، أصبحت فوائِدُ وَصْلِ بعض الإجراءات والإستراتيجيّات الخاصّة (كتمهيد سبل المعاش، وتدريب الشباب، وتهيئة دور رعاية الأطفال، وتوسيع المدارك المجتمعيّة، وقيادة المجتمع المحليّ، وتمكين المرأة) بالعمل الذي تقوم بهِ السلطات البلديّة واضحةً جليّةً. وكان من رَصْفِ الأعمال أنْ عزّزت شأنَ المؤسّسات في المجتمع المحليّ والتعاونَ المجتمعيّ في هذه الأحياء الشديدة الخطر، وأنْ أبرزت مسؤوليّةَ السلطات البلديّة عن معالجَةِ المُشكلاتِ الرّئيسَة. وفي آخر المطاف، أُدمِجَتْ بعض هذه المبادرات رسمياً في الخطة التنفيذيّة السنويّة التي تتّخذها السلطات البلديّة.

لا غنى عن التحاور بين ميدان العمل الإنساني وميدان العمل الإنمائي: حين يشترك النَّازحون وأهل المجتمعات المحليّة في وُقُوعِ الأخطار التي تهدّد حياتهم عليهم وضِيْقِ سبيلهم إلى الخدمات، فمن الضروريّ اتّخاذ مقاربةٍ مُخصّصةٍ لكلِّ منطقةٍ على حِدَتِها، تفسح الطريق لإنشاءِ استجاباتٍ تراعي السياق المكانيّ المحدّد، وحاجات السكّان، والتنسيق مع الجهات الفاعلة المحليّة الأخرى، ومنها الجهات الفاعلة في القطاع الخاص. فلا بدّ من إقامة التوازن بين: أ) دَعْمِ الجهات الفاعلة المحليّة المشاركة في إيصال الخدمات، ب) وتَنْفيذِ الاستجابات المركوزة في حماية أكثر الناس مواطنَ ضعفٍ، جـ) ومُعالجَةِ المشكلات البِنْيويّة المصاحبَةِ لتحدّيات التوسُّع الحضريّ، ومنها عدم المساواة، والاندماج الاجتماعيّ الاقتصاديّ، والوَصْم والتمييز القائمان على المكان الأصليّ أو السنِّ أو الجنس.

وفي سنة 2018، أطلقت سان بيدرو سولا خطةً بلديّةً عامّة للإنماء مدتها 25 سنةً، فعبّرت بإطلاقها عن طموحها. وفحوى الخطة تحسين التخطيط الحضريّ، والبنية التحتيّة، وأنظمة وسائل النقل العام والتنقُّل، واستعمال التِّقانة، وغير ذلك، حتّى تبلغ سان بيدرو سولا غايتها القصوى، وهي أن تصبحَ مدينةً ذكيّة‘. وفي هذا التخطيط الإنمائيّ فرصة للجهات الفاعلة في ميدان العمل الإنسانيّ كي تعملَ في زيادة الإندماج وتَنْصُرَه، وذلك في ما اعتيدَ إهماله من مناطقَ جغرافية وجماعاتٍ سكّانيّة. إذن فالاستثمار في الاندماج الاجتماعيّ، المكانيّ، الاقتصادي، يساعد على إنماءِ المدينة، ويقوّي بيئة الحماية المجتمعيّة في المناطق المتقدّمة الذّكر، ولعلّهُ يساعد أيضاً على وَقْفِ النُّزوح.

 

يولَنْدَا سَباتَا ZAPATAHE@unhcr.org

رئيسَةُ مكتبٍ ميدانيّ، يَتْبعُ المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في سان بيدرو سولا، بهندوراس www.acnur.org/honduras

 

[1] InSight Crime (2015) ‘Maras y pandillas en Honduras’

www.insightcrime.org/images/PDFs/2015/MarasHonduras.pdf

[2] Comisión Interinstitucional para la Protección de las Personas Desplazadas por la Violencia (2015) ‘Caracterización del desplazamiento interno en Honduras

 www.cippd.gob.hn/caracterizacion-del-desplazamiento-interno-en-honduras

[3] Comisionado Nacional de los Derechos Humanos Honduras (2018) Informe Annual 2018 http://app.conadeh.hn/descargas/Informe%20Anual%20CONADEH%202018.pdf

[4] UNHCR (2016) Eligibility Guidelines for Assessing the International Protection Needs of Asylum-Seekers from Honduras

(إرشادَاتُ الأهليّة لتقويمِ ما يحتاج إليهِ طالبو اللجوء الهندوراسيُّون من حاجَاتِ الحمايَةِ الدوليّة)

www.refworld.org/pdfid/579767434.pdf

إخلاء مسؤولية

جميع الآراء الواردة في نشرة الهجرة القسرية لا تعكس بالضرورة آراء المحررين ولا آراء مركز دراسات اللاجئين أو جامعة أكسفورد.

 

facebook logo Twitter logo RSS logo email.png

Forced Migration Review
Refugee Studies Centre
Oxford Department of International Development
University of Oxford
3 Mansfield Road, Oxford OX1 3TB, UK
fmr@qeh.ox.ac.uk  +44 (0)1865 281700
skype: fmreview