غرب أفريقيا: قاعدة اختبار للحلول الإقليمية

ليس في غرب أفريقيا كثير من السكان الرحالين لكنها شديدة التعرض للمخاطر الطبيعية. ومع ذلك تحظى بعدد من اتفاقات التعاون الإقليمية وهذا ما قد يمكنها من أن تكون قاعدة مفيدة للاختبار للتصدي للتَّهجير العابر للحدود الناتج عن الكوارث الطبيعية.

دخلت معظم دول غرب أفريقيا الفضاء السياسي الموحد نسبياً ضمن المجتمع الاقتصادي لدول غرب أفريقيا،[i] ما يجعل الإقليم من الناحية السياسية أقل تجزئة مما تعيشه مناطق أخرى في العالم. ونتيجة لذلك، تصبح الحدود مسامية، وبذلك يصبح مفهوم الحركة "العابرة للحدود" في هذا السياق فضفاضاً نسبياً ما يعني أنَ المنطقة تتمتع بمعدل عال غير اعتيادي للهجرة البينية إذ تزيد نسبة الهجرة ضمن غرب أفريقيا على 58% ضمن المنطقة.

لا تقتصر مسببات الهجرات على انعدام العدالة الاقتصادية أو الاضطرابات السياسية أو تدهور الظروف البيئية بل تتعلق أيضاً بسبل العيش التقليدية القائمة على الترحال والتنقل التي لم توقفها الحدود الوطنية التي رُسمت في مرحلة ما بعد الاستعمار. وبالإضافة إلى ذلك، يُعد التَّهجير الناتج عن الكوارث المستحثة مناخياً ظاهرة متكررة علماً أنَّ عدد المهجَّرين بالكوارث في المنطقة وصل إلى قرابة 9.3 مليون شخص ما بين عامي 2008 و2013.[ii]

آليات الحماية الحالية

 لا يوجد حالياً  إجماع دولي أو في منطقة غرب أفريقيا حول إجراءات قبول العابرين للحدود وحمايتهم في سياقات الكوارث. ويبقى هناك تساؤلان مهمان حول ما إذا كان المهاجرون سيسمح لهم بدخول دولة أخرى وطلب المساعدة منها وحول المدة التي سيُسمح لهم المكوث فيها في حالة قبولهم.

وتوسّع الاتفاقية الناظمة للجوانب الخاصة لمشكلات اللاجئين في أفريقيا لعام 1969 (اتفاقية عام 1969) الالتزامات المنصوص عليها في اتفاقية اللاجئين لعام 1951 وكذلك توسع تعريف مصطلح عدم الإعادة القسرية بحيث يتضمن "الأحداث التي تعطل النظام العام تعطيلاً جسيماً".[iii] ومن غير الواضح ما إذا كانت الكوارث المستحثة مناخياً مشتمل عليها في هذه الصياغة أم لا. وهكذا، اختلفت تفسيرات الصيغة لعدة أسباب منها غياب الإجماع الخاص بعتبة تطبيق التعريف الموسَّع. وتشير الأدلة القليلة المتاحة هناك إلى أنَّ الدول الأفريقية انتهجت مقاربة مقيدة نسبياً لهذا التعريف. وبالإضافة إلى ذلك، لا يوجد أي معاهدة تغطي الأشخاص الذين يتركون ديارهم بسبب الأزمات بطيئة الحدوث أو ترقباً لوقوع تلك الأزمات.

وبغياب أي نص في القانون الدولي يمسح الحق لدخول دولة أجنبية في حالة التَّهجير الناتج عن الكوارث المستحثة بالمخاطر، لا بد لأي نقاش يدور حول طرق معالجة هذا النوع من التحرك في المنطقة أن يضع في الحسبان سياسات الهجرة واللجوء لدى المجتمع الاقتصادي لدول غرب أفريقيا والدول الأعضاء فيه. وقد وسَّع المجتمع الاقتصادي لدول غرب أفريقيا تفويضه المبدئي لإدخال التنقل ضمن مشروعه السياسي. فيتيح بروتوكوله الخاص بحرية حركة الأشخاص وحق الإقامة والترسيخ (تاريخ التوقيع 1975، منقح في 1986) لمواطن الدولة العضو في البروتوكول الخاص بحرية حركة الأشخاص وحق الإقامة والترسيخ بأن يعيش ويعمل في دولة عضو أخرى مدة تسعين يوماً.

ويُستثنى من قاعدة الإقامة تلك وفقاً للبروتوكول في برنامج المجتمع الاقتصادي لدول غرب أفريقيا الخاص بالإدارة المستدامة للموارد الرعوية ومراقبة أوضاع شبه الاستقرار (الانتجاع)[iv] وهي أكثر مجالات السياسات تطوراً من ناحية العناية بالتنقل البشري الموسمي والمرتبط بالبيئة. وخلال العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، صُممَت وثيقة خاصة للرعاة البدو وهي شهادة الانتجاع الدولية التي يمكن مقارنتها بجواز سفر يسهِّل عملية الترحال البشري العابر للحدود للرعاة وقطعانهم.

المساعدات والممارسات المثلى ومواطن الضعف

تسعى السياسة الإنسانية المشتركة للمجتمع الاقتصادي لدول غرب أفريقيا إلى رفد القدرات الوطنية والإقليمية في توفير الاستجابات المحددة بالسياق والمرتكزة إلى الناس للتعامل مع الشواغل الإنسانية. ومن الأمور المهمة أنَّ التزامات مساعدة المهاجرين يبدو أنها أُهمِلت عن قصد. فبالنسبة للمهجَّرين الين يقطعون الحدود بسبب الكوارث، لا بد إذن من تحديد أحكام مخصصة ضمن البروتوكول لتمكينهم من الحصول على المساعدات الإنسانية بالإضافة إلى تأسيس شروط الإقامة ومدتها.

وفي الممارسة، يخفق بروتوكول المجتمع الاقتصادي لدول غرب أفريقيا في تذليل أهم العوائق التي قد تمنع المهجَّرين من التمتع بحقوقهم كاملة وممارستها. فعلى سبيل المثال، قد تكون الخطوات الضرورية للحصول على الوثائق القانونية لدخول سوق العمل ومنظومة الرعاية الصحية طويلة ومعقدة للغاية. لكنَّ دول غرب أفريقيا تعمل على زيادة تنقل الحقوق الاجتماعية ضمن المنطقة. وتمثل الاتفاقية العامة للمجتمع الاقتصادي لدول غرب أفريقيا حول الأمن الاجتماعي تقدماً مهماً في تأمين حماية قوية للحقوق في تنفيذ بروتوكولات حرية الحركة الإقليمية. وأبدت دول المجتمع الاقتصادي لدول غرب أفريقيا وكذلك المنظمة الدولية للهجرة في الاستراتيجية الإقليمية 2014-2016 التزاماً بالعمل نحو تحقيق مزيد من الحماية للمهاجرين "المواجهين للمحنة" أو المهاجرين العاديين، خاصة بما يرتبط بوضع الإتجار بالبشر. فبرفع مستوى الحماية الممنوحة للناس في مثل هذه الظروف، قد يصبح من الممكن تحسين الوضع العام للحماية للفئات الثانية من الأشخاص المتنقلين.

وعلى الجانب الإيجابي، قلَّصت اتفاقيات التنقل الحر من التهديدات الواقعة على المهاجرين في المنطقة ممن كانوا لولا تلك الاتفاقيات سوف يُجبَرون على الاعتماد على المهربين والطرق الخطرة (مقارنة بوضع القرن الأفريقي على سبيل المثال).

وضمن هيكليات المجتمع الاقتصادي لدول غرب أفريقيا، هناك خلط بين خفض مخاطر الكوارث وإدارة الكوارث ويكون التعامل معها ضمن مديرية الشؤون الإنسانية والاجتماعية. وتأسست اللجنة الفنية لإدارة الكوارث لتفعيل خطة العمل الإقليمية الأحدث (2010-2015) ومن بين المنظمات الإقليمية التي لديها أطر عامة لخفض مخاطر الكوارث وإدارتها، يُعدُّ المجتمع الاقتصادي لدول غرب أفريقيا واحداً من المنظمات القليلة على المستوى العالمي التي تنظم رسمياً تمارين تشبيهية مشتركة للترويج للتعاون الفني وتحسين التدريب للاستجابة للكوارث.  وبالإضافة إلى ذلك، ما زال الصندوق الإقليمي للإغاثة في حالات الكوارث قيد التطوير، وهناك أيضاً فريق الاستجابة لحالات الطوارئ الذي سوف يكون أداة إقليمية للاستجابة لأوضاع الكوارث والنزاعات.

ورغم وجود كثير من الأحكام لاستجابة دول غرب أفريقيا للكوارث وتوفير الحماية والمساعدات للمهجَّرين، ما زالت الاستجابات حتى هذه اللحظة مؤقتة في معظمها. لكنَّ عدم القدرة على حشد الجهود لبناء الصناديق وغياب الاستجابة المنسقة الكافية لتلبية الحاجات الإنسانية غالباً ما تُذكَر على أنها أسباب مؤدية للضعف.

وليس هناك حتى الآن أي حالات دُعِيت لها البلدان الأصلية وبلدان المقصد للتنسيق فيما بينها في سياق التَّهجير الناتج عن الكوارث. وبالنسبة لتنقلات اللاجئين، تأسست هيئات ثلاثية الأطراف ضمن البلد الأصلي وبلد اللجوء ومفوض الأمم المتحدة السامي للاجئين وتمثل هذه الهيئات دوراً مهماً في ترسيخ الممارسات المثالية بل يمكن أن تكون نقطة انطلاق جيدة للنُّزوح العابر للحدود بعد وقوع الكوارث. ولا يقل أهمية عن ذلك أيضاً تدابير بناء الثقة بين بلدان اللجوء والبلدان الأصلية عقب التنقلات السكانية المرتبطة بالنزاع المسلح.

آفاق مستقبلية

لمنطقة غرب أفريقيا موقع مناسب لتكوّن نموذجاً عالمياً يحتذى به في التعاون والتآزر في ريادة الحلول. ويحدد برنامج رؤية المجتمع الاقتصادي لدول غرب أفريقيا لعام 2020 هدفاً طموحاً لمنطقة متماسكة "لا تحدها الحدود" مرتكزة إلى "الناس"[v] كما أنَّ تشاطر الأعباء والتعاون لمساعدة المهجَّرين من أهم ما يجب فعله لتحقيق تلك الرؤية ومع ذلك، ما زالت هناك عدة مخاوف تتعلق بالتنقلات السكانية في المنطقة. ويتيح بروتوكول المجتمع الاقتصادي لدول غرب أفريقيا حول حرية الحركة من حيث المبدأ لجميع مواطني الدول الأعضاء فيه حق دخول دولة عضو أخرى ومع ذلك يعتمد ذلك على التعاون السياسي وحسن النوايا.

ومن أكثر الأمور أهمية رسم السياسات الوطنية وتأسيس خطط الحماية المؤقتة ضمن غرب أفريقيا نظراً لضرورة تفعيل الاتفاقيات فوق الوطنية محلياً في الدول الأعضاء. وينبغي إرشاد صنع السياسات المحلية وتفعيلها بالاتفاقيات فوق الوطنية بما في ذلك تمديد الإقامة المؤقتة والأحكام الخاصة بالأشخاص الذين هجَّرتهم الكوارث والأحكام الخاصة بالمهاجرين المتأثرين بالكوارث ممن قد يحق لهم إلى درجة معقولة الحصول على "جواز سفر" شهادة الانتجاع الدولية كنموذج، ورفع مستوى النظر في الحاجات الخاصة للمهجَّرين في تنفيذ الأطر العامة الدولية القائمة، ورفع مستوى اعتبار التَّهجير العابر للحدود المحتمل ضمن الأطر العامة للحماية وتوفير المساعدات الإنسانية. ومع أنَّ السياسات موجودة ومع أنها تمثل نقطة انطلاق جيدة، فسيبقى من المهم توضيح الحقوق والمسؤوليات الخاصة بالأشخاص المهجرين بالكوارث خلال مدة مكوثهم سواء أكان ذلك مؤقتاً أم مستمراً لحين تأسيس حلول بعيدة الأمد.

 

جوليا بلوتشرJulia.blocher@ulg.ac.be مرشحة لنيل درجة الدكتوراه في مركز الدراسات العرقية ودراسات الهجرة، جامعة لييجwww.cedem.ulg.ac.be ومساعدة بحث في مركز علوم بو باريسwww.sciences-po.fr ودليلة غرباويDgharbaoui@doct.ulg.ac.be مرشحة لنيل درجة الدكتوراه في مركز الدراسات العرقية ودراسات الهجرة ومساعدة بحث ومرشحة لنيل درجة الدكتوراه في مركز ماكميلان براون لدراسات منطقة المحيط الهادئ، جامعة كانتيربريwww.pacs.canterbury.ac.nz/ وسارة فيجيلSara.Vigil@ulg.ac.be زميلة بحث في صندوق البحث العلمي ومرشحة لنيل درجة الدكتوراه في مركز الدراسات العرقية ودراسات الهجرة

تشكر الباحثات المساهمات التي قدمها الزملاء التالية أسماؤهم في إثراء هذه المقالة: فرانسوا جيميني وفلورنس دي لونغفيل وناثالي بيرين وكارولاين زيكغراف وبيير أوتسير.



[i] باستثناء كل من موريتانيا وسانت هيلانة و ساو تومي وبرينسيبي

[ii] مركز رصد النُّزوح الداخلي: التقديرات العالمية 2014: المهجَّرون بالكوارث  http://tinyurl.com/IDMC-2014-GlobalEstimates

(Global Estimates 2014:People displaced by Disasters)

[iii] المادة 1(2) والمادة 2(3).

4 قرار المجتمع الاقتصادي لدول غرب أفريقيا A/Dec5/10/98

[v] مفوضية المجتمع الاقتصادي لدول غرب أفريقيا (٢٠١١) "رؤية المجتمع الاقتصادي لدول غرب أفريقيا لعام 2020" نحو مجتمع ديموقراطي ومزدهر http://tinyurl.com/ECOWASVision2020

(ECOWAS vision 2020. Towards a Democratic and Prosperous Community)

 

إخلاء مسؤولية

جميع الآراء الواردة في نشرة الهجرة القسرية لا تعكس بالضرورة آراء المحررين ولا آراء مركز دراسات اللاجئين أو جامعة أكسفورد.

 

facebook logo Twitter logo RSS logo email.png

Forced Migration Review
Refugee Studies Centre
Oxford Department of International Development
University of Oxford
3 Mansfield Road, Oxford OX1 3TB, UK
fmr@qeh.ox.ac.uk  +44 (0)1865 281700
skype: fmreview