الحوكمة العالمية لهجرة الأزمات

لا يوجد أي إطار عام عالمي متماسك أو موحد للتعامل مع مختلف النواحي المندرجة تحت مسمى "هجرة الأزمات". ولا يعني ذلك القول بضرورة توفير البناء المؤسسي الجديد فور ظهور التحديات أو المسميات الجديدة. فالتعامل مع ثغرات الحماية الناشئة مثل تلك المتعلقة بهجرة الأزمات تتطلب إبداعاً في تحسين عمل المؤسسات القائمة على صعيد التنفيذ والمأسسة والاتفاقيات الدولية.

هناك ثغرات لا يمكن تجاهلها في الحماية تعاني منها مختلف مجموعات المهاجرين المستضعفين المتأثرين بالأزمات، وعليه يكون السؤال: إلى أي درجة يُطلب من المؤسسات الدولية الجديدة التعامل مع هذه الثغرات؟ أو كبديل عن ذلك، هل من الواقعي أن نؤمن بقدرة المعايير والمنظمات الدولية الحالية على التكيف أو التوسّع لسد تلك الثغرات والتعامل مع التحديات الناشئة دون الحاجة إلى إجراء إصلاح جذري كامل لها؟ ومن هنا، نطرح مفهومين بسيطين لنتمكن من النظر في كيفية تكيف المؤسسات القائمة مع التحديات الجديدة. وهذان المفهومان هما: "التركيبة المعقدة للمنظومات" و"امتداد المنظومات".

التركيبة المعقدة للمنظومات[i]

يشير تعبير "التركيبة المعقدة للمنظومات" إلى الطريقة التي يمكن للمؤسسات فيها أن تُقحم (بوصفها جزءاً من إطار عام أكبر حجماً) أو أن تكون موازية لغيرها (أن يُعهد إليها التزامات في مجالات مشابهة) أو أن تتداخل مع غيرها (بوجود عدة مؤسسات ذات سلطة واحدة على المسألة ذاتها).[ii] ويُقصَد من هذا المفهوم فهم الطريقة التي انتشرت فيها المؤسسات الدولية والتركيز على الطريقة التي يمكن من خلالها إخضاع مسألة ما إلى حوكمة عدد متفاوت من المؤسسات. ويفيد هذا المفهوم، على وجه الخصوص، في جعلنا نفهم كيف تخضع المجالات "الجديدة" والناشئة ضمنياً لحكم عدد متنوع ومتداخل من المؤسسات. وبالفعل، تَعبُر التركيبة المعقدة للمنظومات من ناحية هجرة الأزمات المؤسسات من خلال عدد من ميادين السياسات كالهجرة وحقوق الإنسان والإنماء وحوكمة الأمن والاستجابة الإنسانية.[iii]

ولتحديد التركيبة المعقدة للمنظومات مضموناتٌ على السياسة الدولية العامة. فهو أولاً يقود إلى الاعتراف بالأشكال الضمنية للحوكمة. وثانياً، يركز على كيفية خضوع بعض مجالات السياسات إلى حكم منظومات متعددة في آن واحد بطرق قد تقود إما إلى ظهور التداخلات أو الثغرات. وثالثا، قد ينشأ عن تلك التداخلات أو الثغرات حاجة لتحسين آليات التنسيق. فهذه التحديات وغيرها من الأرجح أن تكون السمة الأساسية لحوكمة هجرة الأزمات التي –باستثناء مجال اللاجئين- لا تتمتع فيه أي منظمة أو أي منظومة بصفة القيادة الفعلية على أرض الواقع. بل تتسم كثير من المجالات التأسيسية لهجرة الأزمات تنظيمياً بالاستجابات المخصصة غير المنتظمة. ومفاد ذلك وجود تضارب كبير في الاستجابات لهجرة الأزمات ما وراء الحماية التي تقدم للاجئين الفارين من الدول التي تضطهدهم.

وتختلف بنى الحوكمة الضمنية التي تخضع إليها كل واحدة من المجالات المندرجة تحت مظلة هجرة الأزمات التي تضم التهجير العابر للحدود المدفوع بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي تقع خارج نطاق التفسير السائد للاضطهاد (التي أدعوها في مقالة أخرى "هجرة البحث عن البقاء"[iv]) والسكان "العالقون" أو غير القادرين على الحركة لظروف مانعة أو التحركات المتوقعة و"الهجرة المختلطة". وفي بعض الحالات، سوف تتكيف تلك البنى (أو قد يكون لها القدرة على التكيف) لمعالجة "الثغرات" الرسمية". فالهجرة سعياً للبقاء مثلاً تخضع لحوكمة لمنظومة الهجرة وإطار حقوق الإنسان والاستجابة الإنسانية بالإضافة غلى الشبكات الناشئة، مثل: مبادرة نانسن. وإقراراً بالتعقيدات الضمنية للمنظومة، علينا أن ننظر إلى أي مدى يمكن للحوكمة أن تسد فيها الثغرات.

امتداد المنظومات

يساعد مفهوم "امتداد المنظومات" في الإجابة على ذلك السؤال، فهو يركز على الطريقة التي يمكن للمنظومة فيها أن تتكيف على المستوى الوطني للتنفيذ حتى في غياب التكيف على مستويات التفاوض الدولي أو على مستوى المأسسة. ويتسم هذا المفهوم بأهمية خاصة في عالم تنشأ فيه المشكلات والتحديات بسرعة لا يواكبها إنشاء مؤسسات رسمية جديدة. ومع نشوء المشكلات التي لم تكن ضمن نطاق منظومة ما عند إنشائها، قد لا تتكيف المعايير والمنظمات (حتى في غياب إعادة التفاوض الرسمي) من خلال التفاوض الدولي أو المأسسة فحسب بل أيضاً على مستوى التنفيذ من خلال "امتداد المنظومات". ومثل هذا التغيير المؤسسي لا يحدث مع مرور الوقت فحسب، بل يمكن أن يكون له عدة تجليات وطنية مختلفة في الوقت نفسه.

وهناك ثلاث حالات وقعت حديثاً لاستجابة الحوكمة يمكن الاستشهاد بها كأمثلة على قدرة التركيبة المعقدة للمنظومات على الاستجابة لمختلف العناصر الفرعية لهجرة الأزمات كما أنها تبين الدرجة التي امتد إليها النظام في مختلف المجالات، وهي: الهجرة من أجل البقاء في القرن الإفريقي عام 2011، والمهاجرون الذين تقطعت بهم السبل في ليبيا عام 2011 ومزيج من الهجرة المختلطة والحركة المتوقعة والهجرة من أجل البقاء في زمبابوي بين عامي 2006 و2001. وتُظهِر كل واحدة من تلك الحالات أنَّ المؤسسات القائمة تعمل بفعالية في بعض النواحي لمعالجة جوانب هجرة الأزمات لكنها تُظهر أيضاً أنَّه ما زال هناك حاجة لمزيد من العمل لتحسين أداء المؤسسات القائمة.

ففي حالة التهجير الناتج عن القحط والمجاعة في القرن الأفريقي عام 2011، أفضت القدرة على ربط هجرة الأزمات بنظام اللاجئين (نظراً لطبيعة تشريعات اللاجئين والسياسية المتبعة في كل من كينيا وإثيبوبيا) إلى جعل مهاجري الأزمات خاضعين لولاية مفوضية الأمم المتحدة السامية للاجئين، وهكذا تمكن الصوماليون الهاربون من تلقي الحماية كما لو كانوا لاجئين. وفي حين مكَّن ذلك نظام اللاجئين من الامتداد لمعالجة مسألة الفارين من القحط والمجاعة، فقد تسبب في الوقت نفسه بإجهاد نظام اللاجئين إلى درجة تقترب من الانفجار بل أدى إلى ظهور مقترحات لإنشاء "ملاذات آمنة" ضمن الصومال ذاتها كبديل داخلي للفرار.

وفي ليبيا في عام 2011، مثّل وضع العمال المهاجرين الذين تقطعت بهم السبل تحدياً أمام الحوكمة التي كان جلها يقع خارج الاستجابة المؤسسية القائمة. ومع ذلك، يُعد التعاون بين مفوضية الأمم المتحدة السامية للاجئين والمنظمة الدولية للهجرة، وإن كان ذلك التعاون مبنياً على استجابة مخصصة، بشأن خلية التقييم الإنساني المشتركة في جنيف، مصدراً مهماً للممارسات المثلى المستقبلية في التعامل مع الحاجات الإنسانية للعمال المهاجرين الذين تقطعت بهم السبل. فقد أصبح الغموض يكتنف وضع العمال الليبيين والأجانب على حد سواء من حالة انعدام الاستقرار السياسي في ليبيا، في ظل غياب تحديد صفة اللاجئين لهم. ومع ذلك، فقد سُجلوا ومُنحوا نوعاً من الحماية المؤقتة بحكم الأمر الواقع على الحدود المصرية والتونسية.

لقد أدى العدد المحدود نسبياً من الأشخاص الذين سعوا إلى عبور البحر المتوسط إلى أوروبا نتيجة النزاع، إلى توليد توتر فيما بين دول الاتحاد الأوروبي حيال تشارك الأعباء وظهرت تحديات لاتفاقية شنغن المتعلقة بحرية الحركة ضمن الاتحاد الأوروبي. ومن الناحية النظرية، كان من المفروض أن تمنح الحوكمة الإقليمية في أوروبا الحماية المؤقتة وتشارك الأعباء المتعلقة بها لحماية الأشخاص الفارين من ليبيا. أما على ارض الواقع، فقد جعلت الخلافات السياسية تنفيذ تلك الحماية أمراً مستحيلاً.

ومن جهة أخرى، اتسمت زيمبابوي في الفترة ما بين 2006 إلى 2011 بنوع من "الهجرة المختلطة" ذلك أنَّ تحركات الأشخاص انطوت على نطاق معقد من الدوافع وعدد لا يستهان به من التحركات المتوقعة، ومثال ذلك تحركات الأشخاص بأعداد كبيرة قبل انتخابات عام 2008 ترقباً لاندلاع موجة كبيرة من العنف. ويمكن أيضاً تصنيف كثير من الفارين على أنهم "مهاجرون يبحثون عن البقاء" أي إنهم خارج الإطار العام لاتفاقية عام 1951 ومع ذلك فهم يفرون من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وهم بحاجة بذلك إلى الحماية الدولية.

أما دولة جنوب أفريقيا المجاورة فقد سمحت لجميع الزيمبابويين بالعبور إليها بموجب "أذونات طالبي اللجوء" ما أتاح لهم الاستيطان ذاتياً في البلاد مع التمتع بحق العمل بانتظار تقييم طلبات لجوئهم. ومع ذلك، لغاية عام 2009، كانت معدلات الاعتراف باللاجئين الزمبابويين ضعيفة جداً وما إن اكتملت عملية تحديد صفة اللاجئ حتى أصبح الزمبابويين عرضة للاحتجاز والترحيل. وبعد أبريل/نيسان 2009، كان هناك بعض المحاولات لتكييف السياسة وتطبيق التشريعات القائمة، وطُرحت للبحث، على سبيل المثال، احتمالية تطبيق التعريف الأوسع لمصطلح اللاجئ المنصوص عليه في اتفاقية اللاجئين الصادرة عن منظمة الوحدة الأفريقية، ويغطي ذلك التعريف الأحداث التي "تكدِّر لدرجة جسيمة أو تعطِّل النظام العام" في البلد الأصلي.

وهكذا، عَلِقَت مسألة حماية الزيمبابويين في جنوب أفريقيا بين شروخ الولايات المختلفة للمنظمات الدولية. فمفوضية الأمم المتحدة السامية للاجئين اعتبرت وما زالت تعتبر معظم الزيمبابويين على أنهم ليسوا لاجئين لكنها بمجرد منحها الأذون الخاصة بطالبي اللجوء لكل من يطلبها فقد وضع ذلك الزيمبابويين ضمن ولايتها واختصاصها. أما في الواقع، فقد تمثلت معظم مصادر الحماية لكثير من الزيمبابويين في المنظمات المحلية غير الحكومية والمنظمات الكنسية ومنظمات الشتات. وغطت بعض استراتيجيات الحماية الذاتية القائمة على المجتمعات المحلية بعض الثغرات التي نشأت إثر غياب الاستجابات الدولية أو الوطنية الكافية.

والخلاصة أنَّ قضية القرن الأفريقي تُبيّن لنا أنه عندما توجد صلة بين منظومة اللجوء وتشريعات اللاجئين الوطنية، يمكن مد تلك المنظومة لتغطية الثغرات. وبالمقابل، تُبيّن الحالة الليبية أنَّ التحديات التي يواجهها العمال المهاجرون العالقون الذين تقطعت بهم الأسباب تطلبت استجابات جديدة أكثر إبداعاً. وفي غضون ذلك، تبين القضية الزيمبابوية أنه عندما أخفقت المؤسسات القائمة في التكيف مع حركات الهجرة المختلطة المعقدة، ظهر عدد متنوع من البنى غير الرسمية وآليات الحماية القائمة على المجتمعات المحلية لسد بعض تلك الثغرات.

السياسة

تسلط هذه القضايا الضوء على التنوع القائم في درجة ملاءمة أو عدم ملاءمة المؤسسات الحالية إزاء مواجهة التحديات التي تفرضها مختلف جوانب هجرة الأزمات. وفي بعض النواحي، تعالج بنى الحوكمة القائمة التحدي الإنساني معالجة كافية. لكنها في نواح أخرى تبقى موجودة نظرياً لكنها تواجه مشكلات في التنفيذ على أرض الواقع. وفي حالات أخرى، يتبين وجود ثغرات لا بد من ردمها.

من أهم الخصائص التحليلية لكثير من المشكلات "الجديدة" العابرة للحدود التي تظهر وتتطلب تعاوناً دولياً أنها تتعلق باختصاص جملة من المعايير والمنظمات القائمة حتى لو لم تكن العلاقة بينها صريحة. وهجرة الأزمات واحدة من مثل تلك المجالات المُدرجة ضمنياً في مجموعة قائمة مسبَّقاً من المؤسسات، فمن باب أولى إذن الشروع بمبدأ تحسين أداء تلك المؤسسات القائمة. وعلى مستوى التنفيذ، هناك عدد من المعايير والبنى القائمة التي وقعت وصادقت عليها الدول حتى لو لم تكن منفذة بالكامل على الدوام. وبالإضافة إلى ذلك، وقعت الدول على معايير لحقوق الإنسان وصادقت عليها مما له مضمونات مهمة على الكيفية التي يجب أن تستجيب فيها لهجرة الأزمات.

أما على مستوى المأسسة، فهناك طرق يمكن فيها تحسين المعايير أو الممارسات القائمة ضمن الأطر القانونية والسياساتية. فعلى سبيل المثال، تحمل اتفاقية الأمم المتحدة حول حقوق جميع العمال المهاجرين وعائلاتهم مضمونات محتملة تشير إلى حقوق العمال المهاجرين الذين تقطعت بهم السبل في سياق الأزمة.

وعلى صعيد الاتفاقيات الدولية، ما إن تُستنزف احتمالية تحسين المؤسسات القائمة، لا ينبغي عندها لعملية إصلاح الاتفاقيات الدولية أن تنطوي على إنشاء معاهدات أو منظمات جديدة. بل يجب بدلاً من ذلك أن تتضمن عمليات توحيد المعايير الحالية وعمليات التنسيق بما يخص المؤسسات القائمة وتعزيز تماسكها. وقد تقدم أطر القوانين الناعمة وسيلة لتوفير التوحيد السلطوي والتطبيقي للمعايير القانونية والمعيارية. وبالمثل، عندما تُدرج نواحي الموضوع ضمن الأطر التنظيمية، عندها قد يساعد إنشاء بنى التنسيق المحسنة في سد الثغرات.

يمكن فهم إطار الحوكمة القائمة لهجرة الأزمات على أنه يمثل مجموعة واحدة معقدة من المنظومات موجود على المستوى العالمي من ناحية نطاق المعايير والمنظمات الدولية ذات الصلة الفعلية والمحتملة للتعامل مع هجرة الأزمات. ومع ذلك، فهي موجودة أيضاً على مستوى الممارسة العملية حيث يمكن أن يظهر تنفيذ المجمع بتجليات مختلفة بما يتعلق بمختلف الأزمات في مختلف الأماكن.

 

أليكساندر بيتس alexander.betts@qeh.ox.ac.uk أستاذ مشارك في دراسات اللاجئين والهجرة القسرية ويعمل لدى مركز دراسات اللاجئين، جامعة أكسفورد www.rsc.ox.ac.uk



[i] يُقصد بالمنظومات مجموعة الصكوك الدولية التي تُعنى باللاجئين والهجرة القسرية وغيرها.

[ii] آلتر، ك. ج. و ميونير، س (2009) "سياسات البنية المعقدة للمنظومات الدولية"، مجلة: Perspectives on Politics

العدد 7(1):13-24

Alter, K.J. and Meunier, S. (2009) ‘The Politics of International Regime Complexity’, Perspectives on Politics 7(1): 13–24

 

[iii] انظر مقالة جاين مكأدم صفحة ......

[iv] بيتس، أ، (2013) الهجرة من أجل البقاء: الحوكمة المخفقة وأزمة التهجير. مطبعة جامعة كورنيل.

Betts, A. (2013) Survival Migration: Failed Governance and the Crisis of Displacement. Cornell University Press.

 

إخلاء مسؤولية

جميع الآراء الواردة في نشرة الهجرة القسرية لا تعكس بالضرورة آراء المحررين ولا آراء مركز دراسات اللاجئين أو جامعة أكسفورد.

 

facebook logo Twitter logo RSS logo

Forced Migration Review
Refugee Studies Centre
Oxford Department of International Development
University of Oxford
3 Mansfield Road, Oxford OX1 3TB, UK
fmr@qeh.ox.ac.uk  +44 (0)1865 281700
skype: fmreview