لا ينبغي أن تسير الأمور على هذا النحو

إعطاء المهربين مساحة والإخفاق في تقديم المساعدة الإنسانية أمثلة على الإخفاقات الأوروبية. وقد يكون فتح الطرق القانونية إلى أوروبا حلاً لهاتين المسألتين.

ليس جديداً أن تفرز الحرب لاجئين. فقد أجبرت حرب البوسنة في الفترة ما بين عامي( 1992-)1995 2.2 مليون شخص على الفرار من أوطانهم. ولكنَّ الجديد منذ ذلك الحين هو توسيع الاتحاد الأوربي وتأسيس منظومة اللجوء الأوروبية المشتركة. فهذا الأمر من شأنه فرض معايير ملزمة قانونياً بشأن الإجراءات ووضع الفرد والظروف المعيشية عند تحديد وضع اللاجئين. وتشترط منظومة اللجوء الأوروبية المشتركة أن يكون الأفراد على أراضٍ لا تتبع الاتحاد الأوروبي بل على أراضٍ تتبع الدولة المعنية ليتمكنوا من تقديم طلب اللجوء. لكنَّ قانون الاتحاد الأوربي جعل الوصول للبلد المقدم إليها طلب اللجوء بأمان وقانونياً أمراً شبه مستحيل.

ولعقود، ظل هذا التناقض واضحاً في جوهر قوانين حماية اللاجئين الأوروبية . وبدون امتلاك تأشيرات الدخول، يُحظَر السفر عبر رحلات الطيران المنتظمة والعبَّارات. ويمكن عبور بعض الحدود البرية بطرق غير نظامية بأمان ولكنَّ الطرق الأخرى محصنة وتمثل أهدافاً لنيران حرس الحدود الأوروبية. وبالرغم من هذه العوائق، شهد عام 2015 أكثر من 900 ألف وافد غير نظامي عن طريق القوارب وحدها. وليست إجراءات صد اللاجئين فعالة ومع ذلك فتكاليفها المالية والبشرية والسياسية باهظة.

الرحلات غير النظامية

ليس غريباً أن يظهر الراغبون في تيسير الرحلات غير النظامية لتلبية الطلبات المتزايدة على الهجرة. وليست الرحلات غير النظامية مميتة بالضرورة ولكنها سوق غير مشروع لرحلة في اتجاه واحد بضمانات قليلة ضد الاستغلال بلا هوادة والانتهازيين. وبدلاً من أن تكون بطبيعة الحال رحلة قصيرة ورخيصة بحراً أو جواً لنقل اللاجئين إلى الاتحاد الأوربي، هي رحلة محفوفة بالمعاناة والاختباء يتبعها انتظار قبول اللجوء في أوروبا الغربية. وتمثل الإجراءات القانونية لوقف أعمال التهريب جزءاً من المشكلة إذ قد تكبح هذه الإجراءات في حالات كثيرة الراغبين لأسباب وجيهة في توفير رحلات آمنة.

وبتسليم مفاتيح الهجرة إلى الاتحاد الأوربي إلى المهربين، يفقد الاتحاد الأوربي ودوله الأعضاء السيطرة على الوافدين. ويعد البديل المتمثل في إصدار تأشيرات دخول إنسانية أو غيرها من تأشيرات الدخول قصيرة الأمد للسماح للاجئين بالسفر بشكل طبيعي الطريق الأوضح لعرقلة أعمال المهربين بسحب جزء من الطلب على الهجرة. وبديهياً، السفر بتأشيرة عبر المطار أكثر أمناً وسلاماً. ومن الصادم عدم اتخاذ أي خطوات لفتح بعض طرق السفر النظامية ليس للرحلة من تركيا إلى اليونان فحسب بل من اليونان وعبر البلقان أيضاً. وبدلاً من ذلك، أصدر مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين مراراً دعوات تحذيرية بشأن المخاطر المحفوفة في هذا الطريق بما في ذلك خطر التعرض للاستغلال الشديد. وعندما تنفد الأموال، لا يملك المسافرون بمن فيهم كثير من الأطفال غير المصحوبين ببالغين والشباب اليافعين ما يمكن بيعه سوى أنفسهم.

وتشير التقديرات الأولية إلى وصول عائدات المهربين في تركيا لما يُناهز 800 مليون يورو هذا العام. ولوضع هذا الرقم في السياق المناسب، غطى اتفاق بين الاتحاد الأوروبي وتركيا في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2015 موازنة مساعدات من الاتحاد الأوربي بمقدار 3 مليار يورو، مع ملاحظة أن تركيا قد أنفقت بالفعل ثمانية مليارات دولار أمريكي لاستضافة 2.2 مليون سوري بموجب نظامها للحماية المؤقتة وبهذا تبلغ موازنة صندوق الاتحاد الأوروبي للجوء والهجرة والاندماج الكاملة 3137 مليار يورو لمدة سبع سنوات. وبالنسبة للاجئين الذين سينتهي الحال بمعظمهم بالبقاء في أوروبا، فغالباً ما يستنزفون جميع مدخراتهم أو يبيعون جميع ممتلكاتهم أو يتركون وراءهم أفراد أسرهم غارقين في ديون كثيرة معرضين نفسهم لخطر المهربين فضلاً عن تعرضهم لإصابات لا تعد ولا تحصى وصدمات نفسية طوال الطريق.

وركَّزت استجابة الاتحاد الأوربي على طريق ليبيا-إيطاليا حيث تسببت عوامل مختلفة في تكوين ثروات المهربين. أما الاضطرابات في ليبيا فتسبب في ظهور مهربين وحشيين يعرضون رحلاتهم على قوارب غير صالحة للإبحار. ويبدو أن تلك الرحلات لا تُكلَّل بالنجاح دون عمليات البحث والإنقاذ المكثفة التي أصبحت الآن  من العمليات العسكرية بموجب  قرار مجلس الأمن.[1]

وبمجرد الوصول لإيطاليا واليونان، تتضاءل آفاق الحصول على اللجوء في ظروف معيشية كريمة. ولذلك يُسافِر اللاجئون بطرق غير نظامية. ويتولى الناس رحلاتهم بأنفسهم وتقع انتهاكات حقوق الإنسان وغيرها من الأهوال على طول الطريق.

ويبدو حتى الآن أن اتفاقية الاتحاد الأوروبي وتركيا معنية باحتواء الأزمة فقط وليس حلها. وحتى التشارك في المسؤولية بتوفير خيار إعادة التوطين يُشارُ إليه على استحياء دون تجديد الالتزامات بذلك الشأن. وإذا كان الاتحاد الأوروبي ينتظر أي مكافأة فلن تقتصر على إيقاف اللاجئين ومنعهم من مغادرة تركيا نحو أراضيه فحسب بل سيتعدى ذلك بإعادة اللاجئين غير المرغوب بهم إلى هناك أيضاً. وتقدم اتفاقية إعادة إدخال اللاجئين المتفاوض عليها بين الاتحاد الأوربي وتركيا (لم تدخل حيز التنفيذ بعد) وعوداً بتسهيل العودة إلى تركيا إذا كانت الظروف ملائمة. وبالطبع ستظهر عقبات قانونية لا يستهان بها أمام أي إعادة للاجئين ولكن الإشارات واضحة.

رحلة آمنة

يكمن جزء من الاستجابة الملائمة للأزمة في عدم سؤال اللاجئين أن ينتظروا بصبر في المخيمات للحصول على فرصة نادرة في إعادة التوطين (منهج المملكة المتحدة) بل في فتح قنوات الحصول على تأشيرات الدخول والتعهد بالتزامات قوية لتخصيص أعداد كبيرة من التأشيرات الإنسانية للسماح لمن هم في حاجة ماسة للسفر بطرق شرعية. وتعني الرحلة الآمنة إصدار التأشيرات الإنسانية ليتمكن طالبو اللجوء من السفر إلى أي دولة لطلب اللجوء هناك. وهناك تأشيرات مماثلة تُمنَح بموجب اتفاقية منطقة شنغن كما أصدرت دول أخرى كالبرازيل هذه التأشيرات الإنسانية.

ويعتمد إعادة التوطين عامة على استعداد اللاجئين للانتظار لسنوات في البلد المجاورة حتى يُحدَّد وضعهم. ويكفل ذلك حياة جديدة لكنّ ذلك الحل لا يستفيد منه سوى أقلية صغرى من الأشخاص المنظور إليهم على أنهم الأكثر استحقاقاً أو استضعافاً. ومع ذلك، قد يصبح إعادة التوطين أداة لتوفير الحماية بسرعة لأعداد كبيرة. وقد شهدنا رئيس الوزراء الكندي المنتخب مؤخراً ترودو يستخدم إعادة التوطين لتوفير رحلات آمنة سريعة لآلاف اللاجئين السوريين. (كان استعادة الأعراف الكندية الخاصة بحماية اللاجئين والتي تستحق أن يفخر بها الكنديون من محاور حملته الانتخابية). لكنَّ الاكتفاء بإعادة التوطين وحده لن يكون إلا استراتيجية احتواء لا أكثر ولا أقل بل قد يتسبب في أسوء الحالات في تقديم الآمال الكاذبة للاجئين وحثهم على البقاء في المخيمات. وقد شهدنا بالفعل عدم قدرة اللاجئين السوريين الجدد على إيجاد الحماية في لبنان والأردن ومصيرهم في تركيا ليس مؤكداً مقارنة بالفارين في بداية الحرب. وبالنسبة لهم، خيار "الانتظار بصبر لإعادة التوطين" ضرب من الخيال.

ويتطلب إخفاق شبكة الأمان الإنسانية الدولية أيضاً دراسة متأنية. وحتى في دولة تكافح للبقاء مثل اليونان، تقع على الحكومة مسؤولية أساسية تجاه الموجودين على أراضيها. ولدعمها، لم تُثَر آليات دفاع الاتحاد الأوربي الإنسانية والمدنية وكان حضور المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين محدوداً. وعندما فتح الاتحاد الأوربي إجراءات الاستقبال  في "بقعة ساخنة" لتعزيز عمليات التَّسجيل في جزيرة ليسبوس اليونانية صوَّر الاتحاد الأوربي هذا الإجراء على أنه من الإجراءات الناجحة. لكنّ الذي حدث أن بات آلاف الأشخاص في العراء تحت المطر في غضون بضعة أيام. ألم يسأل أي منهم "أين سينام الناس؟" عند اتخاذ القرار حول موقع منظومة التسجيل الجديدة؟ في النظام المعقَّد متعدد المستويات الذي وضعه الاتحاد الأوربي، يُسمَح للحيوانات بالمرور ويُترك اللاجئون في المعاناة. وما زال التجاهل المطلق للاحتياجات الإنسانية الأساسية أمراً صادماً. فالاستغاثات اليومية لتوفير المأوى الأساسي والرعاية الطبية والإمدادات الغذائية من خلال شبكات المتطوعين دليل على الإخفاقات المؤسسية والسياسية لكنَّها في الوقت نفسه تبرهن على كثافة الجهود المحلية وقوة التفاعل المجتمعي

وسترتفع مستويات كراهية الأجانب والإسلاموفوبيا ما لم تبذل جهود دولية أكبر لربط الدعم المقدم لحماية اللاجئين بالقيادة والجهود المؤسسية. ومن يدري إلى ماذا ستؤول الأمور إذا سارت رحلات سفر اللاجئين بالطرق النظامية والاستفادة من دعم السكان المحليين الذي يمثل من الواضح جزءاً من الأزمة؟ فالجهود التطوعية الرائعة التي تمثل الجزء الأكبر من المساعدة الإنسانية في جميع أنحاء أوروبا تشير لظهور مجتمع مدني أوروبي جديد يلوح في الأفق.

فتنشئة مجتمع مدني جديد متعدد الجنسيات قد تتضمن دور الرعاية الخاصة لقبول اللاجئين ومواءمة الوافدين الجدد مع السكان المحليين لدعم الاندماج في المجتمع. وقد يشتمل ذلك أيضاً على إصدار أعداد كبيرة من التأشيرات الإنسانية للاجئين الذين لا يمكن تلبية احتياجاتهم الحمائية في أوطانهم الأصلية. وكلا  الإجراءين مربح لكل من اللاجئين والمجتمعات المضيفة على حد سواء. وثالثاً، يستلزم إعادة التوطين بالقدر المناسب بذل جهوداً دولية. وقد طال انتظار عقد مؤتمر دولي بشأن لاجئي سورية والبلدان الأخرى العالقين في منطقة النزاع. ويقوِّض القصور الحالي في القيادة والتعاون الخطوات الثلاثة.

 

كاثرين كوستيلو cathryn.costello@qeh.ox.ac.uk

بروفيسورة مشاركة في مركز دراسات اللاجئين، جامعة أكسفورد www.rsc.ox.ac.uk  ومؤلفة كتاب

The  Human Rights of Migrants and Refugees in European Law, OUP, Dec 2015

 (الحقوق الإنسانية للمهاجرين واللاجئين في القانون الأوروبي)

 



[1]  قرار مجلس الأمن رقم 2240 بتاريخ 9 أكتوبر/تشرين الأول 2015  http://unscr.com/en/resolutions/doc/2240

 

إخلاء مسؤولية

جميع الآراء الواردة في نشرة الهجرة القسرية لا تعكس بالضرورة آراء المحررين ولا آراء مركز دراسات اللاجئين أو جامعة أكسفورد.

 

facebook logo Twitter logo RSS logo

Forced Migration Review
Refugee Studies Centre
Oxford Department of International Development
University of Oxford
3 Mansfield Road, Oxford OX1 3TB, UK
fmr@qeh.ox.ac.uk  +44 (0)1865 281700
skype: fmreview