إقامة برامج سبل كسب الرزق وأثرها في الهجرة الثانوية

لا بُدَّ من تحسين فرص الوصول إلى العمل بالإضافة إلى وضع برامج سبل كسب الرزق ذاتها إذا ما أريد تحسين حياة اللاجئين الإريتريين في إثيوبيا، وتحسين سبل كسب أرزاقهم.

سعياً وراء الحصول على قدر أكبر من الحرية والفرص، فرَّ آلاف الإريتريين من بلادهم في السنوات الأخيرة الماضية وعبر كثير منهم الحدود نحو إثيوبيا. ووفقاً لإحدى تقييمات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في عام 2016 وصل عدد اللاجئين الإريتريين المسجلين المقيمين في إثيوبيا حوالي 800 ألف. لكن غيرهم لم تتوقف رحلتهم هناك بل كانت الهجرة الثانوية لكثير من الإريتريين من إثيوبيا من المسارات المدروسة إذ هناك من الأدلة ما يشير إلى أن ثلثي الإريتريين المقيمين في إثيوبيا استمروا في رحلتهم في الهجرة في عام 2015.[1]

وقد دأبت المنظمات الإنسانية منذ أمد بعيد على تقديم برامجها الخاصة بسبل كسب الرزق في مخيمات اللاجئين في إثيوبيا، إذ كانت تقدم رأس المال لمساعدة المشاركين في تأسيس مشروعاتهم الصغرى أو رفدهم بالمهارات المهنية في قطاع معين مثل الخياطة أو مهارات الحاسوب، أو المهارات التعليمية الأساسية مثل الحساب. ومع أنَّ مثل هذه التدخلات سعت إلى تحقيق النتائج الإنسانية والإنمائية (بتوليد التحسينات في رفاههم المشارك)، هناك مسوغات كبيرة تقدم باسم الرقابة على الهجرة، وعلى الأخص الرغبة في منع استمرار تنقل اللاجئين وهجرتهم الثانوية. ومن خلال المقابلات التي وصل عددها 63 مقابلة عقدناها مع الإريتريين عبر مختلف المواقع في إثيوبيا، نظرنا في الدرجة التي تؤثر بها مثل هذه التدابير على الطريقة التي يخطط الناس لمستقبلهم.[2]

الأسس المنطقية لبرامج سبل كسب الرزق وقيودها

تعد برامج سبل كسب الرزق مثالاً على إحدى تدابير السياسات المصممة من أجل توجيه اتخاذ القرار بالهجرة على المستوى الفردي. ومن أهم أهداف برامج سبل كسب الرزق منع الحركة من الحدود بناء على الافتراض بأن توفير مزيد من الفرص الاقتصادية والأمن للأشخاص الذين يعيشون في البلدان المرسلة للاجئين سوف يُمَكِّنُ من إيجاد بديل عن الهجرة (التي إن حدثت غالباً ما تكون غير نظامية) على أمل أن تصبح الهجرة أقل جاذبية نسبياً.

ولا بد من الإشارة أولاً إلى أن بحثنا اقتصر في دراسته على عينة واحدة من أنواع محددة من البرامج (تركزت أساساً على مبادرات الإقراض والتدريب المهني) وعلى ضوء ذلك تشير الأدلة التي جمعناها بالدراسة إلى أن هذه التدخلات وإن كانت قادرة على مساعدة الناس في تلبية حاجاتهم يبدو أنها أقل أثراً في التغيير التحويلي في سبل كسب أرزاق الناس أو خطط هجرتهم.

وقد تحدث بعض المستجيبين في هذه الدراسة في مخيم عدي هروش الواقع شمال البلاد عن الدعم المالي الذي تسلموه من المنظمات غير الحكومية، وقد استخدموا ذلك الدعم لإنشاء مشروعاتهم الصغرى مثل المتاجر الصغيرة ضمن المخيم، أو شراء الماشية ورعيها. وأبدى كثير منهم ترحيباً لهذا الدعم، إذ قال أحد الرجال على سبيل المثال إنه أصبح الآن لديه عربة يقودها حصان ويقدم من خلالها خدمة التنقل بعد أن حصل على قرض أولي لتمويلها، فيما قالت أمٌّ عزباء إنها تمكنت من خلال الدعم المقدم من المنظمة غير الحكومية تمويل مزرعة للدجاج وأن أمورها على ما يرام فيها.

لكنَّ غيرهم من الذين خضعوا للمقابلة ذكروا أيضاً أنَّ هذه البرامج لا تخلوا من قيود. ومثال ذلك إحدى النساء التي استخدمت القرض الذي حصلت عليه لتأسيس متجرها الصغير ضمن المخيم فكانت مشكلتها الرئيسية الإشباع في السوق الذي جعل من الصعب تحقيق الأرباح أو التوسع في المتجر. والفكرة هنا أن المخيمات وإن كانت قادرة على إنشاء اقتصاداتها الخاصة، فمن الواضح تماماً أن الأسواق ضمنها غالباً ما كانت محدودة النطاق، وأن الفرص التي تقدمها ضئيلة جداً في تجميع المنافع المعقولة.

ولاحظنا نمطاً مشابهاً للتدريب المهارات والأعمال المهنية، فغالباً ما عبر المستجيبون عن امتنانهم ورضاهم بالخبرة التي حصلوا عليها، لكنهم في الوقت نفسه قالوا إن ذلك لم يكن له أثر قوي على المدى البعيد. ويشير بحثنا إلى عدم قدرة اللاجئين على ترجمة المهارات المكتسبة إلى واقع عملي بحيث يستخدمونها في البيئة الأوسع، وتُعزَى هذه العوائق أساساً إلى التشريعات القائمة. فقد وصف لنا أحد الرجال أنه قد خطط للحصول على رخصة للقيادة والبدء بالعمل كسائق لسيارة الأجرة قبل أن يسمع من إدارة شؤون اللاجئين والعاملين ورفاقه الإريتريين أنه كلاجئ لا يحق له المشاركة في الاقتصاد الرسمي، وأنه لا يسمح له قيادة سيارات الأجرة. أما غيره، فيقولون إن نطاق برامج التدريب المتاحة حالياً لا يفي باهتماماتهم وتطلعاتهم، وذلك ما يعيق الإقبال عليها.

وفي نهاية المطاف، نلاحظ أن هذه الأشكال من دعم سبل كسب الرزق لا تعالج إلا الأعراض بدلاً من أن تعالج المشكلات الهيكلية الضمنية للفقر والتهميش الاقتصادي اللذين يواجهان اللاجئين الإريتريين، وهناك احتمالية بأن يدفع ذلك كثيراً منهم للرغبة في المضي قدماً نحو هجرة ثانوية. وتتضمن هذه العوامل الضمنية على وجه الخصوص فقدان اللاجئين لحقهم في الحصول على وظيفة رسمية تمنح أجوراً أفضل وتطلب مهارات أكبر. فقد أخبرتنا إحدى النساء قائلة: "في هولندا تستطيع أن تحصل على الوظيفة بأجور أفضل فيخبرني زوجي إنَّ هناك فرصة أفضل للوصول إلى خدمات البنية التحتية الأساسية في هولندا أكثر مما عليه الحال في إثيوبيا [....] أنا أعرف أنه من الصعب أن أسافر إلى هولندا." وأوضح رجل آخر الأمور التي تمنعه من الاستمرار قدماً قائلاً: "عندما لا أعمل يستنفد ذلك صبري، وقد أسعى إلى المضي قدماً في تحركات خطرة نحو أوروبا لكنني آمل أن أحصل على وظيفة وألا أحتاج إلى المخاطرة تلك" فما لم تستحدث تحسينات ملموسة في وصول اللاجئين إلى العمل الكريم ذلك العمل الذي يمكن الاعتماد عليه، والذي يتحصلون منه على أجر كاف، ويستخدمون فيه مهاراتهم، لن يتمكن الدعم الذي تقدمه برامج سبل كسب الرزق من تخفيض الهجرة الثانوية بأي شكل من الأشكال.

تحسين برامج سبل كسب الرزق

لكي تصبح تدخلات سبل كسب الرزق أكثر مواءمة لحاجات المستفيدين المقصودين ولعوامل التغيير في البيئة المحلية، لا بد من بذل الجهود لتقييم (أو إعادة تقييم) ما إذا كان التدريب المقدم له صلة بالحاجات، وما إذا كان بالإمكان توسيع نطاق الأعمال التي يسمح للاجئين بالمشاركة فيها. إضافة إلى ذلك، لا بد من بذل مزيد من الجهود لتوفير التوجيه والإشراف للاجئين الذين تلقوا القروض والتدريب لمساعدتهم في تعظيم مكاسبهم المحتملة. لكننا في الوقت نفسه علمنا من أحد موظفي برامج المنظمات غير الحكومية أن إدارة وضع البرامج الفعالة على المدى البعيد من الأمور الصعبة وذلك تحديداً نتيجة طبيعة بيئة التنفيذ. ففي سياق الهجرة الثانوية المرتفعة، تصمم تدخلات عن قصد بحيث تكون سريعة وبسيطة، وتهدف إلى تشجيع الالتحاق بهذه البرامج، وذلك ما يحد من مجال الإبداع ويشجع عدم المرونة، وذلك بدوره يفرض عوائق واضحة على المسؤولين عن التصميم والتنفيذ.

وإذا وضعنا مسائل هذه البرامج جانباً بقي أن نركز على أن قدرة اللاجئين على بناء حياة ناجحة وكريمة ما زالت تعتمد على قدرتهم على الوصول إلى العمل الكريم. وتلك مسألة مهمة لأنَّها تؤكد على التحدي الذي يواجهه الناس من أجل البقاء في إثيوبيا بالإضافة إلى وجود عزم في التحرك في هجرة ثانوية لدى كثير من اللاجئين. ومع أنه ما من ضمانة بأنَّ أمن سبل كسب الرزق سيتبعه مباشرة الانتقال إلى سوق العمالة الرسمية خاصة في البيئات الحضرية التي تعاني من ارتفاع في معدلات البطالة، تشير النتائج التي توصلنا إليها أن الناس قد يصبحون أكثر رغبة في البقاء في بلد اللجوء نتيجة تحسن وصولهم إلى أنماط أفضل من العمل.

الخطوات التي اتخذتها الحكومة

تشير المستجدات الحديثة على السياسات إلى أنَّ أثيوبيا بدأت تغير اتجاهها وأصبحت أكثر ميلاً لمنح اللاجئين حق العمل. ففي سبتمبر/أيلول 2016 أعلنت الحكومة عن تسع تعهدات بتحسين حقوق اللاجئين في البلاد وتحسين الخدمات المتاحة إليهم. ثم تطورت هذه التعهدات لتأخذ شكل خارطة ‘طريق وطنية’ تضم ستة موضوعات ذات أولوية، أحدها يركز على العمل وسبل كسب الرزق، وسيتضمن منح تصاريح العمل للاجئين، وزيادة في برامج سبل كسب الرزق، وإنشاء الحدائق الصناعية. وتعد هذه الحدائق عنصراً أساسياً في عقد الوظائف الأثيوبي الذي أُطلِقَ رسمياً في ديسمبر/كانون الأول 2017 بقيمة خمسمائة مليون دولار أمريكي، وفقاً لاتفاقية وقعتها الحكومة الإثيوبية مع المانحين الخارجيين بهدف إيجاد مئة ألف وظيفة جديدة (ثلثها تقريباً سيخصص للاجئين).[3] وفي الواقع، نفذت مثل هذه المبادرات في دول أخرى من أكبر الدول المضيفة للاجئين مثل الأردن حيث صممت المبادرات لتحسين الوصول إلى العمل لكل من اللاجئين وأفراد المجتمع المضيف.

وبناءً على بحثنا، يبدو أنَّ تلك خطوة إيجابية نحو الاتجاه الصحيح، لكنَّ قدراً كبيراً من نجاح خارطة الطريق والعقد سوف يعتمدان في نهاية الأمر على تفاصيل تصميمهم وتنفيذهم. ولهذه الغاية نقدم خمسة مقترحات لصانعي السياسات:

أولاً، يجب أن تكون المعلومات المقدمة عن أي مبادرة شفافة وواضحة ومتاحة الوصول للجميع لتمكين اللاجئين من اتخاذ قراراتهم المستنيرة حول خياراتهم. ولا ينبغي توعية المشاركين المحتملين وعياً كاملاً بمعايير الأهلية فحسب، بل ينبغي أيضاً تزويدهم بالمعلومات المتعلقة بما يمكن توقعه إزاء شروط العمل المعروض، وطبيعته وعوائده المتوقعة.

وثانياً، قد يرفض بعض اللاجئين الوظائف في الحدائق الصناعية، إما لأن هذه الوظائف لا تتلاءم مع خلفياتهم واهتماماتهم، أو لأسباب تتعلق بالموقع، فالتحليلات الأخيرة حول العمل المقدم في بعض المناطق الاقتصادية الخاصة في الأردن على سبيل المثال تشير إلى أنَّ انخفاض قبول اللاجئين السوريين للوظائف غالباً ما تعلق بموقع المعمل والمصنع إذ أبدى الناس عدم رغبتهم في الالتحاق بعمل بعيد الموقع يتطلب منهم السفر في رحلات طويلة، أو الانفصال عن أسرهم لهذه الغاية.[4]وسيتأثر قرار قبول الوظائف بالطريقة التي يتصور فيها المستهدفون طبيعة الوظائف، فهل ينظرون إليها على أنها تقدم لهم العمل الكريم، أم أنهم يرونها مُحِطَّةٌ بالكرامة الإنسانية ولا تخلو من الاستغلال؟

وثالثاً، ينبغي توقع سياسات تخصيص الوظائف ووضعها في الحسبان، فالبطالة في المناطق الحضرية في أثيوبيا تبقى مرتفعة معدلاتها عبر كل شرائح المجتمع، وكذلك الاقتصاد فيعاني من تباطؤ في النمو منذ عدة سنوات. وفي سياق تتأثر به أعداد لا يستهان بها من الأثيوبيين بالفقر والاستضعاف، من الأرجح أن تؤثر طريقة تأطير إجراءات تخصيص الوظائف وتنفيذها في طبيعة العلاقات الاجتماعية القائمة بين مجتمع ’اللاجئين‘ والمجتمع ’المضيف‘.

ورابعاً، ينبغي أن يكون هناك تناسق وتناغم بين سياسات اللاجئين والحقائق المعاشة في أسواق العمل المحلية، فمع انتشار التوظيف في القطاع غير الرسمي في أثيوبيا، قد تظهر التحديات أمام أي محاولة من أجل تنظيم الوظائف للاجئين. وبذلك ينبغي الانتباه والحرص لجدوى الحدائق الصناعية واستدامتها المستقبلية وذلك على ضوء البيئات الاقتصادية الأوسع في البلاد.

وأخيراً، بدلاً من التركيز حصراً على الكوتا والحصص وعدد تصريحات العمل الصادرة لا بد للتعهدات وآليات الرصد المرتبطة بها من أن تنظر في الدرجة التي تعمل فيها السياسات وتدخلات مثل عقد الوظائف على تحسين حياة اللاجئين والمضيفين وسبل كسب أرزاقهم.

ريتشارد ماليت r.mallett@odi.org
باحث مشارك

جيسيكا هاغن-زانكر j.hagen-zanker@odi.org
زميلة باحثة رئيسية

كلير كمنغز c.cummings@odi.org
زميلة باحثة

معهد الإنماء وراء البحار www.odi.org 

نسيم مجيدي nassim.majidi@samuelhall.org
مدير مشارك

صمويل هول www.samuelhall.org

 

[1] منظمة العمل الدولية (2016) التصدي للأزمة العالمية للاجئين: من التملص عن المسؤولية إلى تقاسمه

اhttps://www.amnesty.org/download/Documents/POL4049052016ARABIC.PDF

[2] Mallett R, Hagen-Zanker J, Majidi N, Cummings C with Sturge G, Schaefer K and Vidal P (2017) Journeys on hold: How policy influences the migration decisions of Eritreans in Ethiopia ODI Working Paper 506

(رحلات مُعلَّقَة: كيف تؤثر السياسة في نقاشات هجرة الإريتيريين في أثيوبيا)

www.odi.org/sites/odi.org.uk/files/resource-documents/11336.pdf

[3] World Bank (2017) Program-for-results information document (PID) concept stage

(مرحلة المفهومات لوثيقة معلومات البرنامج مقابل النتائج)

http://documents.worldbank.org/curated/en/580241499855149882/pdf/PID.pdf

[4] Barbelet V, Hagen-Zanker J and Mansour-Ille D (2018) The Jordan Compact: lessons learnt and implications for future refugee compacts

https://www.odi.org/publications/11045-jordan-compact-lessons-learnt-and-implications-future-refugee-compacts

(العقد مع الأردن: دروس مستفادة ومضمونات لعقود اللاجئين المستقبلية)

إخلاء مسؤولية

جميع الآراء الواردة في نشرة الهجرة القسرية لا تعكس بالضرورة آراء المحررين ولا آراء مركز دراسات اللاجئين أو جامعة أكسفورد.

 

facebook logo Twitter logo RSS logo email.png

Forced Migration Review
Refugee Studies Centre
Oxford Department of International Development
University of Oxford
3 Mansfield Road, Oxford OX1 3TB, UK
fmr@qeh.ox.ac.uk  +44 (0)1865 281700
skype: fmreview