اسْتِنباءُ وسائط التواصل الاجتماعي: نظام اللجوء في النرويج

يثير التزايد في استعمال البيانات المجموعة من وسائط التواصل الاجتماعي عند النظر في طلبات اللجوء أسئلةً أخلاقيَّة لها أهمية كبرى وما أخذت حقَّها من الاستطلاع.

يزيد، شيئاً فشيئاً، عدُّ سلطات الهجرة في أوروبا من شرقها إلى غربها مَلامِحَ طالبي اللجوء في وسائط التواصل الاجتماعي مصدرَ معلومات غزيرَ الفائدة عند النظر في القضايا، مُتمِّماً مقابلة اللجوء. إذ إنَّ الحصول على ما لرافعي الطلبات من طُرُق السفر والصور وشبكة الأصدقاء وسجل الأنشطة الأخرى بالإنترنت لهو إمكانٌ تِقْنيٌّ إعلاميٌّ جِدُّ عظيم، لكنَّ هذه الممارسات الجديدة تثير عدداً من الأسئلة الأخلاقيَّة المعياريَّة التي ما أخذت حقَّها من الاستطلاع وأقل ما يقال في ذلك إنَّه يُؤْسَفُ له أشدَّ الأسف.[1]

أسئلةٌ للتفكُّر والتدبُّر
الوصول: الاستنباء التدقيقي والتمحيصي لوسائط التواصل الاجتماعي هو من أبرز ما في المعالجة الأوليَّة لطلبات اللجوء في النرويج. إذ تطلب الشرطة إلى كلِّ طالبي اللجوء في النرويج أرقام هواتفهم وبيانات تسجيل دخولهم إلى فيسبوك عند رفعهم الطلبات (أي عند أول اتصالهم بالسلطات). فيمكِّن الدخول مباشرةً في حساب المرء بفيسبوك موظفي إنفاذ القانون من الحصول على تاريخه الفيسبوكيِّ كلِّه، ومن ذلك الصور والأصدقاء والإعجابات والاهتمامات والنشاطات والأسفار وغيرها. ويُظهِرُ تحليل ملفات قضايا لجوء أُجْرِيَ في عام 2018 أنَّه يمكن للصور ومعلومات الشبكات والبيانات الجغرافية التي تؤخذ من حسابات فيسبوك أنْ تحسم الأمر في بتِّ القضايا. ويحصل موظَّفو الحكومة على بيانات وسائط التواصل الاجتماعي (أي بيانات طالب اللجوء ومَن له صله به) ليس من البيانات التي تظهر للعامَّة بالإنترنت فحسب، بل من طريق تسجيل الدخول في مِنصَّات وسائط التواصل الاجتماعي باستعمال أشخاص مركَّبين لا يمكن إسنادهم إلى موظفي الحكومة ولا إلى المؤسسات، وذلك وفق المبادئ التوجيهية الداخلية. ويُقصَد بهذا إلى حماية موظفي الحكومة وأصحاب طلبات اللجوء.

الموافقة: يجب أن يصدر قبول طالبي اللجوء تسليم ما لهم من معلومات إثبات الهوية لتسجيل الدخول وهواتفهم، وفق قانون الهجرة النرويجي ولوائحه، عن علمٍ واطِّلاعٍ‘ ’ومن غير حرج‘. ولكنْ قد يخطر في ذهن سائلٍ أن يسأل: أفي إمكان طالب اللجوء في مرحلة النظر في طلبه هذه أنْ يرى سلفاً عواقب تسليمه مفاتيح هذه المعلومات أو أنْ يدرك تلك العواقب؟ هذا، فضلاً على أنَّ هذه المعلومات لها صلة في الغالب بالأصدقاء وأفراد الأسرة الذين ما قبلوا أن يُشرِكوا في معلوماتهم أحداً. وإذ قد كان القبول يُطلَب في أول اتصال بين الشرطة ورافع الطلب، فالتباين في القوة واضح وعواقب رفض تسليم المعلومات يومئذٍ مبهمة على رافع الطلب. وفي مؤتمرٍ دوليٍّ عام 2017 دار حول التِّقانة في معالجة قضايا اللجوء، لم يُثِرْ موظفو الحكومة أمر القبول من حيث هو تحدٍّ معياريٌ عند استعمال فيسبوك في جمع البيانات؛[2] فعُدَّت المعلومات التي كانت في الحسابات المُعلَّم لها بعلامة عامعموميَّةً ليس إلا. ولكنْ حتَّى في هذه الحالات، يثور سؤالٌ فيه نظر: أيَحسُن عدُّ بيانات كهذه لها صلة بالموضوع أم لا مع أنَّه من الواضح أنها لم توضع ليتفحَّصها موظفو الحكومة كالموظفين المعنيين ببتِّ طلبات اللجوء؟

السريَّة: درج في إجراءات منح اللجوء على أنْ تحكمها قواعد صارمة تحافظ على سريَّتها، ولا سيَّما في ما له صلة بعدم إفشاء حال إنسان رافعٍ طلبَ لجوء للبلد الذي يزعم أَّنه اضطُّهدَ فيه.[3] وحين يبحث الموظفون في فيسبوك أو في ما يشابهه من مِنصَّات عمَّن طلبوا اللجوء، يتركون خلفهم آثاراً ويفصحون (للمِنصَّة في الأقل) عن اهتمامهم بالفرد الذي يبحثون عنه. وهم بذلك يُدخِلُون طرفاً ثالثاً في الإجراءات وهو غير ملزمٍ مباشرةً بقواعد السريَّة نفسها. والمخاطر التي قد يجلبها ذلك غير معلومة، ولكنْ في أسوأ الأحوال، قد تصل هذه المعلومات إلى مَن لا ينبغي أن تصل إليه. فلبعضٍ من البلاد الأصلية قدرةٌ مُحذَّقةٌ في المراقبة السِّبرانية، وقد تراقب نشاط المنشقين عنها في وسائط التواصل الاجتماعي. ولقد يظل يُقفَى أثر سلطات اللجوء وموظَّفيها على ما يتَّخذونه ليخفوا آثار نشاطهم، وقد يصيرون عن غير قصد مصدر خطرٍ على طالبي اللجوء المحاولين الهرب من الاضطهاد.

القيمة الإثباتية: كثيراً ما تُستعمَل المعلومات المستخرجة من فيسبوك أدلَّةً في قضايا الهجرة في النرويج، ولا سيَّما في التحقُّق من صحَّة الهوية والشبكات والأصل الجغرافي. وتكون هذه المعلومات في كثير من الحالات مُتمَّمةً بغيرها من الأدلة، غير أنَّه في بعض الحالات قامت بيانات وسائط التواصل الاجتماعي مقام المصدر الوحيد للمعلومات الجديدة التي تقود إلى إبطال اللجوء. ثم إنَّ تكرار استعمال الأسماء المستعارة والانتماء المُدلَّس في منصات وسائط التواصل الاجتماعي لهي أمثلة على ظاهرة تتحدَّى قيمة المعلومات المُستخرَجة من وسائط التواصل الاجتماعي لاستعمالها في بتِّ القضايا. ولذلك يُوعَزُ إلى الموظفين المعنيين بقضية ما أنْ يُفسِّروا المعلومات على هَدْيِ أدلةٍ أخرى في القضية، ومثال ذلك اختبارات اللغة والصِّدقُ المُدرَك من صاحب الطلب.

الاستنباء المُستمرُّ فيه: زادت الحكومة في النرويج من حدَّة تصويب انتباهها في السنوات القليلة الماضية إلى إبطال رُخَصِ الإقامة التي في أسباب مَنحِها عِلَّة، وإلى إيقاف صفة اللاجئ عمَّن ما عاد في حاجة إلى الحماية. وفي مثل هذه الحالات، كثيراً ما تكون الأدلة التي جيء بها من النشاط في وسائط التواصل الاجتماعي بعد أنْ مُنِحَت صفة اللاجئ أداةً لسحب الأذونات من بعد. وتثير هذه الممارسة، أي إعادة تنشيط استنباء وسائط التواصل الاجتماعي، أسئلة معيارية جديدة. إذ في الممارسة الحالية يقوم موظَّفو الهجرة باستنباءٍ أوَّليٍّ، ومن ذلك بحثٌ منهجيٌّ في فيسبوك، في مجموعة متنوعة من الأحوال التي تضمُّ الطلبات التي رفعها أفراد بأنفسهم طالبين الحصول على إقامة دائمة أو جنسية. ويعتمد هذا الاستنباء في الغالب على نصائح من مهاجرين آخرين وعلى معلومات تنشأ من قضايا أخرى. أضف إلى ذلك أيضاً استنباءً كُلياً قائماً على احتمال الخطر يجري على أفرادٍ من جنسياتٍ معيَّنة. ويكثر في حالات الإلغاء استئناف المقابلات مع المهاجرين، وفيها تُستعمَل غالباً من فيسبوك لَقْطات شاشةٍ ومنشورات وصور من الأصدقاء ليُواجَه الأفراد بمعلومات لها صلة بقضاياهم. ولا يُعلَمُ المهاجرون في الغالب قبل المقابلات أنَّ معلوماتٍ من وسائط التواصل الاجتماعي ستُستعمَل في المقابلات.

ماذا بَعْدُ؟
ممَّا يُحتَاج إليه هو إجْراءُ مناقشات جوهريَّة تدور حول هذه الأحداث التِّقانيَّة وما تتركه من أثرٍ في أحوال اللجوء والهجرة. ويشير المستجيبون في سلطات الهجرة النرويجية إلى الخبرة في الخوض في ما هو غير مألوف وليس فيه معالم يُهتدَى بهاحين يبحثون عن معلوماتٍ في وسائط التواصل الاجتماعي. ولا بدَّ من مبادئ توجيهية وطنية واضحة لحِفْظِ المعاملة العادلة في القضايا ولكي يَنْشَأ عند المهاجرين أنفسهم إمكان التنبُّؤ عمَّا سيجري عليهم من إجراءات. وينبغي أنْ يجمع ذلك بين الشواغل العمليَّة في إدارة الهجرة العاملة، ومنها حدود استعمال الأشخاص الزَّائفين وما يترتَّب على الحصول على بيانات تسجيل الدخول من مسؤوليات، وبين الشواغل الأخلاقيَّة التي لها صلة بحقوق المهاجرين والمواطنين التي منها حرية التعبير. ويُحتَاج إيضاً إلى مزيد إيضاحٍ في ما له صلة بما للمعلومات المُستخرجَة من وسائط التواصل الاجتماعي من قيمة إثباتية.

وينبغي لهذه المناقشات أيضاً أنْ تتضمَّن الحديث عن العواقب المحتملة على المهاجرين أنفسهم، ومن ذلك أسئلةٌ منها: هل يُعوِّق الانفصال من منصات وسائط التواصل الاجتماعي الاندماجَ الاجتماعي في المجتمعات المضيفة؟ وهل تُعزِّز مراقبة بعض المهاجرين في أوقات محددة من الزمن عند مجتمعات المهاجرين في نطاقٍ أوسع الشعورَ بأنَّهم مراقبون مراقبة شبه دائمة؟ وتُثَار أسئلة أخرى منها: أينبغي أنْ يُقيَّد الميقات والمدة التي فيهما ترصد سلطات البلد المضيف نشاط المهاجرين في وسائط التواصل الاجتماعي؟ وهل ينبغي تنبيه مَن هم تحت الفحص الدقيق على ما هم فيه، واضعين نصب أعيننا ما لإبطال صفة اللاجئ وغير ذلك من رُخَصِ المهاجرين من أثرٍ شديدٍ يُتْرَك في حياة المهاجرين وأسرهم؟ لا بدَّ للبلاد المُضيفَة من أنْ تُعادِلَ بين استعمال بيانات وسائط التواصل الاجتماعي في تحسين الجودة في معالجة القضايا وبين حِفْظِ حقوق المهاجرين.

يان-بول برِكِّ j.p.brekke@samfunnsforskning.no
باحثٌ رئيسٌ في معهد البحوث الاجتماعية http://www.socialresearch.no

آنْ بالِكِّ ستافِر annebal@oslomet.no
باحثة رئيسة في جامعة أوسلو متروبوليتان www.oslomet.no

 

[1]الأمثلة مستخلصة من:

 Brekke J-P, Groenningsaeter A G and Larsen K M (2018) ‘Revocation of residence permits – Due process and judicial oversight in processing of revocation cases in Norway’, Institute for Social Research report No. 6 http://hdl.handle.net/11250/2500937

(إبطال رُخَصِ الإقامة - الإجراءات القانونية والإشراف القضائيُّ في معالجة قضايا الإبطال في النرويج) http://hdl.handle.net/11250/2500937 and Brekke J-P, Birkvad S R and Erdal M B (2019, forthcoming) ‘Losing the Right to Stay: Revocation of immigrant residence permits and citizenship in Norway – Experiences and effects’, Institute for Social Research report

 (فقدان الحقِّ في الإقامة: إبطال رُخَص إقامة المهاجرين والمواطنة في النرويج - تجاربٌ وآثار) http://hdl.handle.net/11250/2599967

[3] انظر مثلاً الأمر التوجيهي (2013/32/EU) الذي أصدره البرلمان الأوروبي والمجلس في 26 يونيو/حزيران سنة 2013 في الإجراءات المشتركة لمنح الحماية الدولية وسحبها.

https://eur-lex.europa.eu/legal-content/EN/TXT/HTML/?uri=CELEX:32013L0032&from=en

إخلاء مسؤولية

جميع الآراء الواردة في نشرة الهجرة القسرية لا تعكس بالضرورة آراء المحررين ولا آراء مركز دراسات اللاجئين أو جامعة أكسفورد.

 

facebook logo Twitter logo RSS logo

Forced Migration Review
Refugee Studies Centre
Oxford Department of International Development
University of Oxford
3 Mansfield Road, Oxford OX1 3TB, UK
fmr@qeh.ox.ac.uk  +44 (0)1865 281700
skype: fmreview