الاسْتِعمَالُ الأخلاقيُّ للصُّوَرِ والرَّسَائِلِ

لا بدَّ للمنظمات غير الحكومية والمنظمات الدولية والمانحين على السَّواء من أن تنظر في وَقْعِ الصور والرسائل التي تستعملها في سعيها إلى جمع المال من أجل المساعدة الإنسانية.

إذا نكب قومٌ يوماً بنكبة، كان كرم أخلاق النَّاس ناجماً عن الاهتمام بحب الخير للإنسان. ولكنْ يغلب على بعض النكبات أنْ يرد إليها مال أكثر من الذي يرد إلى غيرها، ويمكن أن يكون للصور والرسائل المستعملة في تصوير الأحوال دور بالغ الأهميَّة. فمن البديهيات أنَّ الصور والرسائل التي توضح بلوى السكَّان المنكوبين بصورٍ تنطق بلسان الحال فتقول أقرب ما تكون الحال عليه في الواقع، هي التي ستُحدِثُ الأثر الأعمق وتُنشِئ مشاعر العطف والشفقة والذَّنب، وهذا يحمل على الهِبَة الخيريَّة. وفي غالب الأحوال أنَّه كلما كانت الصور أوضح تعبيراً وأكثر تفتيتاً للأكباد عَظُمَ الانفعال وَعظُمَت معه الرغبة في التبرُّع.

لكنْ متى يصير التصوير متجاوزاً حدَّه؟ هذا سؤال يُثِيرُه العاملون في ميداني التسويق وجمع المال في أنفسهم، ذلك أنَّهم لا يريدون أنْ ينفر عامَّة الناس من الأمر. ولكنْ أعِنْدَ هذا يوضع الحدُّ؟ تشير مبادئ الإنسانية، بما فيها من ذِكرٍ ليس فيه لَبْس ولا إبهام لاحترام الفرد المنكوب وصَوْنِ كرامته، إلى أنَّه ينبغي وضع الحدِّ بإحكام قبل مناقشة أمر ما ليس له داعٍ.

ثم إنَّ الفرد الذي خسر استقلاله بنفسه وأُسُسَ الحياة وشيئاً من الحدِّ الأدنى من الكرامة (أي أن يكون له مكان للاغتسال واللُّبس ومرحاض تُقضَى الحاجة فيه ويُقَامُ بشؤون الحَيْض) لن يُرِيدَ أنْ تُذاعَ أخبار حاله شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً.[1] فإن عجز المرء عن القيام بنفسه وبأسرته، وأُجبِرَ على الاعتماد على المساعدة الخيرية وإيثار غيره على نفسه، مهما يكن من سببٍ، يمكن أن يذهب ذلك شيئاً فشيئاً بكرامة الأفراد والأسر والمجتمعات المحلية وحتى الدول أحياناً ويذهب باستقلالهم بأنفسهم أيضاً. إذ الهبوط في الحياة إلى مستوىً منخفض تحدٍّ هو وحده صعب فكيف بإذاعة الحال هنا وهناك وإبلاغ صعوباتها كلها، التي تكثر المغالاة فيها، لا لشيءٍ إلا الحصول على بعض المال.

غير أنَّ المال مُحتَاجٌ إليه في إيصال المساعدة الإنسانية، ويأتي هذا المال أساساً في هيئة تبرعات خيرية يتبرُّع بها الأفراد المنفعلون بالصور والرسائل التي تصوِّر الحاجة الشديدة، أو الحكومات المانحة التي تأمل أنْ تجذب الدعم العام لتوفيرها المعونة الخارجية. وأمَّا المانحون، فجذبهم هذا الدعم العام في زمن النكبات الكبرى أسهل وأيسر من جذبهم إيَّاه من أجل المساعدة الإنمائية المُستَمر فيها. وأمَّا المنظمات الإنسانية فتحتاج إلى استلال استجابة انفعالية عاجلة من أجل زيادة التبرعات إلى أقصى حدٍّ، وذلك مع معرفة كون العطاء في أعظمه في الغالب بعد وقوع النكبة رأساً.

مُدوَّنة قواعدِ السُّلوك في الصُّور والرَّسائل لدوشاس في إيرلندا، كما هي الحال في غيرها، تدور المناقشات حول هذه الآراء المتعارضة منذ عقود. فلمَّا كانت سنة 2007، وافقت الشبكة الإيرلندية للتنمية والمنظمات الإنسانية، واسمها دوشاس (Dóchas)، على مُدوَّنة سُلوكٍ طوعيَّة في لاستعمال الصور والرسائل.[2] وتنصُّ مبادئه الأساسية على أنَّ اختيار الصور والرسائل ينبغي أنْ يُبنَى على احترام كرامة الأشخاص المعنيين، واعتقاد المساواة بين الناس أجمعين، وقبول الحاجة إلى تعزيز النزاهة والتضامن والعدل. ومن الوجهة العملية، يُحوَّل هذا إلى التزامٍ، فيه أنَّنا في جميع اتصالاتنا، متى كان ذلك معقولاً وقابلاً للتطبيق وفق الحاجة إلى بيان الواقع على ما هو عليه، نسعى مجاهدين إلى:

  • أنْ نختار الصور والرسائل التي لها صلة بها بناءً على قيم الاحترام والمساواة والتضامن والعدالة
  • أنْ نُمثِّل بصدقٍ أيَّ صورةٍ أو وضعٍ موصوفٍ من فور وقوع حدثها وبنطاق أوسع حتَّى نُحسِّن فهم الجمهور حقائق الحدث وتعقيداته
  • أنْ نتجنَّب الصور والرسائل التي يُحتمَل أن يكون فيها تنميطٌ أو تهويلٌ أو تمييزٌ للناس أو الأحول أو الأماكن
  • أنْ نستعمل الصور والرسائل ودراسات الحالة بإطلاع مَن فيها (أو أحد الأبوين أو الوصيَّين) إطلاعا تاماً ومشاركتهم واستئذانهم
  • أنْ نضمن للذين تُمثَّل أحوالهم إتاحة فرصة يُبْلِغُون فيها قصصهم بأنفسهم
  • أنْ نُحدِّد ونُسجِّل ما إذا كان مَن في الصور والرسائل يرغب في أن يكون اسمه مذكوراً فيها أو أن يكون مُعرَّفاً مَن هو ويُتصرَّف دوماً وِفْقَ ذلك
  • أنْ نمتثل أمر أعلى المعايير التي لها صلةٌ بحقوق الإنسان وحماية المستضعفين

وتحتوي هذه المبادئ التوجيهية واسعة النطاق على مسائل عملية يمكن العمل بموجبها وينبغي، وذلك بعمليات جيدة، مثل العمليات التي لها صلة بالأذون والمُعرِّفات. غير أنَّ في الاتفاق على ما يمكن تصنيفه تنميطاً أو تهويلاً تحدِّيات، وهناك تفسيرات مختلفة للواقع الذي من المفترض أن يُبيَّنَ. ففي النكبات الإنسانية، ولا سيَّما الكوارث الطبيعية السريعة الوقوع، يمكن أن يُمثِّل عَرْضُ الصورة التي هي أوسع تحدٍّ بسبب الحاجة إلى مراعاة مُدَدِ انتباه الجمهور والإعلام، فضلاً على أنَّه قد يتغيَّر الواقع تغيُّراً سريعاً جداً في مثل هذه الأحوال. وأمَّا الأزمات المعقدة، حيث تكون أسباب التَّهجير وآثاره مُبهمَة في الغالب (لأنَّها متأصِّلةٌ في الأحوال التاريخية، والاجتماعية السياسية، والقّبّلِيَّة، والاستعمارية، والجغرافية، والزراعية)، فيكاد يكون من المستحيل فيها عَرْضُ حال مُجرَّدةٍ مُوسَّعةٍ.

مُقَارَبةُ بلان إنترناشيونال الإيرلندية في منظَّمة بلان إنترناشيونال الإيرلندية، انضممنا إلى المُلتَزمِينَ بالمدوَّنة ونرفع كلَّ سنةٍ تقريراً نبيِّن به تقيُّدنا بقواعدها. ونُقرِّ بالتعقيد المُفصَّل الكلام فيه في مقدِّمة المدوَّنة فقد جاء فيه قوله:الواقع في عالمنا اليومَ أنَّ كثيراً من صُوَرِ الفقر المدقع والمِحَنَ الإنسانية فيها سوءٌ ولا يمكن تجاهلها. فتَجاهُلها يتعارض هو وروح هذه المدوَّنة التي أُحْدِثَت لتُصوِّر الواقع في حياة الناس بفهمِ مشاعرهم ومشكلاتهم واحترامِ كراماتهم.

فعندنا أنَّ دليل استعمال الصور والرسائل هذا موصولٌ من قُربٍ بسياساتنا في حماية الأطفال والشباب وطلب الإذن والقبول المكتوب منهم وصون كراماتهم وحقوقهم. وفي أحوال التَّهجير أو الطوارئ، حين بُفْصَل الأطفال عن أسرهم ولا يكون لهم وصيٌّ قانوني يقوم على شأنهم في القبول، ينبغي الاهتمام بهم اهتماماً خاصاً من أجل حمايتهم. فالأطفال غير المصحوبين بذويهم ولم يتجاوزا سنَّ الثالثة عشرة لا يستطيعون قانونياً أنْ يقبلوا من عند نفسهم، أي ليس استعمال قصصهم وصورهم أمراً ممكناً بحال من الأحوال، وهذا يتحدَّى منظمات حقوق الطفل، كمنظمة بلان، التي تعمل خصوصاً في مسائل التَّهجير والأطفال المنفصلين عن ذويهم. ثم ينبغي إخفاء هُويَّة مَن يقع سِنَّه بين 13 و17 من الأطفال، الذين من المعلوم أنَّه عموماً عندهم المقدرة العقلية على فبول أنْ تُستَعمل قصصهم، وينبغي في هؤلاء أيضاً ألَّا تُستعمَل صورهم وأسماؤهم الحقيقية في ظلِّ أيِّ ظرفٍ من الظروف.

وتُقُرِّ منظمة بلان أنَّه في حالات الطوارئ يكثر أنْ يصعب إيجاد صُوَرٍ تجمع بين شِدَّة التأثير واحترام مَن فيها وتمثيل الواقع المعقَّد في الطوارئ من غير أنْ تعزز الصور النمطية أو الافتراضات غير الصحيحة، ومع ذلك، تحلُّ ما يقتضيه الاحترام محلَّ ضرورات جمع المال. هذا خيارٌ تنظيميٌّ ربَّما لا يقبله الآخرون. فقد يُرَى أنَّه الخيارُ الصَّحيحُ من الوجهة السياسية، لا خياراً يعالج الواقع. ولقد يؤدي إلى جمع مالٍ أقل، فيُقْدَرُ على تنفيذ استجابة أضيق نطاقاً ومن ثم أقلُّ تأثيراً وفائدةً في المنكوبين.

ولا نستعمل صوراً تُظْهِرُ ألماً شديداً أو ناساً وهم يموتون أو ميِّتون. ولكنَّ هذه الأمور جزءٌ من النزاع والتَّهجير، ويمكن لإظهار الحقيقة بالصُّور أنْ يكون ذا شأنٍ في مساعدة الناس على معرفة خطورة الحال. إذ يمكن لذلك أنْ يشجِّع الضغط الشعبيَّ على الحكومات وأنْ يسرِّعَ من ورود التبرُّعات. وتحاول منظمة بلان أنْ تُصوِّر الطوارئ بصورةٍ مُجرَّدةٍ، بتسليط الضوء على ما يقدر المنكوبون عليه وما يطمحون إليه، لا أن يُكتفَى بإظهار ضعفهم وخوفهم، وبهذا تقصد المنظمة إلى إظهار نظرة إلى الواقع مُحسَّنةٍ مع التزام حقيقة الحال (كما نُدْرِكُها في الأقل). ونهدف إلى إيجاد صُوَرِ ناسٍ يساعدون مجتمعاتهم المحلية ويستجيبون للأزمة بأنفسهم، ونحاول جهدنا أنْ نتجنَّب الصور النمطية كصورة عامل إغاثةٍ غربيٍّ يرعى منكوباً لا حول له ولا قوَّة.

هذا، وما مقاربة منظمة بلان في التصوير والتراسل في الطوارئ إلا حلقةً في سلسلةٍ من السُبُل الممكنة، وما عنينا بهذا القولَ بصحَّتها. فإنَّ مقاربةَ منظمة بلان هي لمنظمة بلان، هي قرارٌ صادرٌ عن المنظمة ليس غير، مبنيٌّ على قِيَمٍ تنظيمية. وليست بمقام القاضي فتحكم على الآخرين أو تتهمهم بتهمة السلوك الجشع وغِلْظَةِ القلب. إذ نُدرِكُ أنَّ المال يُنجِّي الناس من الموت، وأنَّ المُقايسَة التي قد تخطر في الذهن بين النقيضين المتساويين في القيمة والمختلفين في الخصائص، أي بين صون الكرامة وإنقاذ الناس من الهلاك، مستحيلٌ فهما لا يقبلان المقايسة إذ هذا في واد وذلك في واد.

ولقائلٍ أنْ يقول جدلاً إنَّ مقاربة منظمة بلان هي المقاربة الأنيقة، أو المقاربة الصحيحة من الوجهة السياسية، أو لعلَّها المقاربة السهلة ولكنَّها غير ذات مفعول. ولقد يرى بعض الناس أنَّ الواقع أقسى ممَّا تصوِّره منظمة بلان، وبعضٌ آخرُ أنَّ واقعَ المُعطينَ صحيح كما هو واقع الذين ترد إليهم المساعدة، وأنَّه إن أردنا مال المانحين أريناهم ما يُثِيرُ انفعلاتهم. فهل يوجد احتمالُ خطرٍ من أنْ تُظْهِرَ الهيئات الصُّوَرَ بطريقةِ مُتولٍّ أبويٍّ يعامل الناجين من حالات الطوارئ معاملة الأطفال فتجعل من نفسها حاميةً كراماتهم، وهي تخفي واقع الأزمة والنزاع؟ نقول: عند منظومة المساعدات الإنسانية الدولية، يثير استعمال الصور والرسائل تحديات وفرصاً في الوقت نفسه، فيُنْشِئُ ذلك ضغطاً وشِدَّة لا تنفكُّ عن المنظمات غير الحكومية والمنظمات الدولية والمانحين على السواء يوماً بعد يومٍ.

دُوْلتا رُوكنِين Dualta.Roughneen@plan-international.org رئيسةُ برامجٍ في منظمة بلان إنترناشيونال الإيرلندية www.plan.ie

كتبت المؤلفة هذه المقالةَ من عند نفسها، وقد لا تستوي الآراء التي فيها وآراء منظمة بلان إنترناشيونال الإيرلندية.

 

[1] انظر سياسة نَشْرِ الصُّور في نشرة الهجرة القسرية www.fmreview.org/ar/photo-policy

[2] www.dochas.ie/images-and-messages

إخلاء مسؤولية

جميع الآراء الواردة في نشرة الهجرة القسرية لا تعكس بالضرورة آراء المحررين ولا آراء مركز دراسات اللاجئين أو جامعة أكسفورد.

 

facebook logo Twitter logo RSS logo

Forced Migration Review
Refugee Studies Centre
Oxford Department of International Development
University of Oxford
3 Mansfield Road, Oxford OX1 3TB, UK
fmr@qeh.ox.ac.uk  +44 (0)1865 281700
skype: fmreview