تَمْثِيلُ اللاجئِينَ في حَمْلات المُناصَرة

لا بدَّ من أنْ يُستنبَط تمثيل اللاجئين الذي تأتي به مجموعات المناصرة والتضامن بمشاركة الذين تُرْوَى قِصَصُهم.

لمَّا كان شهر سبتمبر/أيلول سنة 2015، حدث شيءٌ في غاية الغرابةِ بدَّل الاستجابةَ العامَّة العالمية لأزمة اللاجئينفي أوروبا. ألا وهو نَشْرُ صورة طفلٍ صغيرٍ اسمه آلان كردي مات غرقاً ثم ألقى به البحر إلى ساحلٍ في تركيا، فكان أثر تلك الصورة واسعٌ، حشد من أجله المواطنون العاديون ليحتجُّوا تضامناً مع اللاجئين تحت راية مرحباً باللاجئين. وفي نيوزيلندا، دعا مناصرو اللاجئين (أي الذين ليس لهم خبرة سابقة بشؤون اللاجئين ويناصرون اللاجئين) والمعلِّقون في وسائل الإعلام الحُكومةَ إلى زيادة حصة اللاجئين السنوية في البلاد وإظهار استجابة أكثر عطفاً وترحيباً.

ويمكن لتمثيل اللاجئين الإنساني من حيث هم مضرورون ويحتاجون إلى الإعانة، كما هي الحال في وسائل الإعلام وحملات المناصرة، أنْ تكون مُجدِيةً في جمع الدعم للاجئين، ولكن يوجد عدد من الهموم الأخلاقية تدور حول هذا التمثيل والقول بالتضامن. أولاً: أنَّه كثيراً ما يُصوِّر النَّقلُ الإعلاميٌّ لأخبار الأزمات الإنسانية الناسَ من بلاد جنوبيِّ الكرة الأرضية معتمدين على استجابة بلدان الشمال العالمي، وهو يتجاهل ما في الأمر من فوارقَ بنيوية وظُلْمٍ. ثانياً: أنَّه في كلٍّ من وسائل الإعلام والتمثيل المناصر ميلٌ إلى تصوير الناس مضرورين مستكينين لا أفراداً فاعلين، وهذا يثير أسئلة: فمن الذي يُمثِّلهم؟ ومن الذي يتكلم بلسان حالهم؟[i] فصحيح أنَّ في النية روحَ إيثار، ولكنْ يمكن أن يكون التمثيل الإنساني أنْ يُخضِع المُمثَّلين، ويمكن يكون لذلك عواقب سيئة على نتائج إنجاح إعادة التوطين.

مَفَاهِيمُ التَّمْثِيلِ الضِّمنيَّةُ

كثيرٌ من اللاجئين المعاد توطينهم الذين استطلعتهم في بحثٍ لي يدور حول العلاقة بين تمثيل اللاجئين الإنساني والأعمال التضامنيَّة شعروا بأنَّ وسائل الإعلام الرئيسية وكثير من المنظمات الإنسانية عزَّزت وجهة نظر معيَّنة إلى اللاجئين وهي أنَّهم قوم لا حول لهم ولا قوة جاؤوا من بلاد ممزَّقةٌ بالحربأو أنَّ اللاجئَ إنسان فقيرٌ مُعدِمٌ. وخَطَرُ هذه الصور النمطية، كما ذكر أحد المشاركين، أنَّ اللاجئين يُعرَّفُون "بظروفهم لا بصفاتهم الإنسانية. ويمكن لتصوير اللاجئين مضرورين أن يقود إلى فكرة في غاية ضِيْقِ الأفُقِ في هويَّة اللاجئ وما يستطيع فعله، ويمكن لها أنْ تترك أثراً سيئاً في رأي عموم الناس باللاجئين. وقد سرد المشاركون ما نُسِجَ حولهم من افتراضات، ومثال ذلك أنَّهم لم يكونوا قادرين على شراء حاسوبٍ محمولٍ أو على إرسال المال إلى خارج البلاد حيث تعيش أسرهم، لا لشيءٍ إلا لأنهم كانوا يوماً لاجئين. وما تفتقده هذه الصور النمطية هو قصص الأفراد وأصواتهم. وبيَّن أحد المشاركين قال نعم قد يتشابه المهجَّرون بعض التشابه ولكنْ ألا يُصوَّب الانتباه إلا إلى وجهةٍ (مثل الضرر النفساني أو كون المرء مضروراً) فأمرٌ يعني أن تُفتقَد مغازي القصص.

ولطبيعة الوصم في صور اللاجئين النمطية أيضاً أنْ تُعَرْقِلَ قدرة اللاجئين السابقين على يُنَمُّو في أنفسهم الشُّعورَ بالانتماء والقبول في بلد إعادة التوطين. ورأى كثير من الناس الذي استطلعتهم أنَّ الصور النمطية ساهمت في تكوين فهمٍ هو أنَّ اللاجئين شيءٌ والنيوزيلنديين شيءٌ آخرُ، وأنْ ربما اللاجئون أقل قدرةً على القيام بشؤونهم. أضف إلى ذلك، أنَّ الاستمرار في تصنيفهم لاجئينَ في وسائل الإعلام والهيئات الحكومية ومناصري اللاجئين وغيرهم من والنيوزيلنديين، حتَّى بعد زمن طويل من إعادة توطينهم وحصولهم على الجنسية يعني أنَّ الناس الذين لهم خبرة سابقة باللجوء لا يُقبَل أن يُقَال فيهم إنَّهم نيوزيلنديٌّون حقيقيُّون‘.

ثم إنَّه رأى عدد من المشاركين أنَّ أعلى الأصوات بين مناصري اللاجئين في الغرب هي أصوات مَن ليس لهم خبرة سابقة باللجوء، وشكُّوا في شرعية وصحة أنْ يتكلم غير اللاجئين بمعاناة لا يعلمون منها شيئاً. ورأوا أنَّه ينبغي لمناصرة اللاجئين أن تتضمَّن أصوات اللاجئين واللاجئين السابقين الذين خبروا معاناة اللجوء وإعادة التوطين حقاً. وقد بيَّن مشاركٌ من المشاركين اسمه أبان (وهو المدير العام في منظمة غير حكومية يقودها اللاجئون وقاعدتها شعبيةٌ في أوكلاند) أنَّ نيَّة مناصري اللاجئين كانت حسنةً ولكنْ غلب عليهم السيطرة على المناقشة والتحدُّث بلسان حال اللاجئين، وهو أمرٌ يُعجِّزُ اللاجئين والجماعات التي أُعِيدَ توطينها ويُخيِّبُ آمالهم. ويتابع فيقول إنَّه لا يريد بكلامه نَقْدَ أحدٍ ولكنَّه قال حاثّاً افعلوا ما تفعلونه معنا لا علينا.

التوصيات

لمَّا لم يكن التحكم بتمثيل اللاجئين في وسائل الإعلام ممكناً، أمكن للمناصرين اتِّخاذ إجراءات لتجنُّب الأقوال المُستَسهِلة بإفراطٍ والصور النمطية، وأنْ يُدرِجُوا فيها وجهات نظر الذين يسعون إلى إعانتهم و إدراج أصواتهم. ولقد عبَّر مناصرو اللاجئين والمختصون في التواصل الذين استطلعتهم عن رغبة حقيقية في تجنُّب الصور النمطية وفي تمثيل اللاجئين تمثيلَ الناس العاديين، أي مثلنا‘. وفي الوقت نفسه، أرادوا أيضاً تجنُّب التقليل من خطورة الهجرة القسرية ومن أنَّ بعض اللاجئين سيكونون مستضعفين ومضرورين نفسانياً. ونشأ فيهم إجهاد فكريُّ حقيقيٌّ فمن جهةٍ تجنُّب الصور النمطية للمضرورين ومن جهة أخرى نشر الرسالة في مسائل الإعلام الرئيسية بأكثر الطرق نجوعاً، وفي هذه الرسالة الأسباب التي ينبغي لعموم الناس في نيوزيلندا من أجلها أنْ يهتموا باللاجئين. وليس هذا الإجهاد الفكريُّ بنادرٍ في الحَمْلات الإنسانية، فطالما خبرت المنظمات غير الحكومية ومناصرو اللاجئين تحدِّيات إيجاد فضلى السُبُل لإيصال رسالتهم من غير النزول في حفرة الصور النمطية المُعجِّزَة.

هذا، ويوصي بحثٌ حديث أنْ يتدرَّب المناصرون الراغبون في العمل في شؤون اللاجئين على عِرفان النَّفس (أي أنْ يستعرفوا امتيازاتهم الخاصة)، وأنْ يُمنَح اللاجئون الفرصة للمشاركة في حَمْلات المناصرة.[ii] ومن المهم أن يفكِّر المزاولون الإنسانيون والمناصرون وغيرهم من الجهات الفاعلة في ميدان العمل الإنساني، ومن ذلك الباحثون والأكاديميُّون تفكيراً نقدياً في وظائفهم وامتيازاتهم في ما له صلة بعملهم في شؤون اللاجئين واللاجئين السابقين، وعليهم أيضاً أنْ يظلُّوا محاسبين نفوسهم، وأنْ يعملوا بالتعاون مع اللاجئين واللاجئين السابقين، وأنْ يُقِرُّوا بتأثير اللاجئين وقدراتهم وآرائهم. لأنَّه، على الرغم من حُسْنِ النيَّة، يمكن أن ينتهي أمر العاملين في دعم حقوق اللاجئين إلى النظر إلى اللاجئين على أنَّهم غرباءأي على أنَّهم مُساعَدون مجهولون مستضعفون، فيُهمِّشُ هؤلاء العاملون مَن يسعون إلى إعانتهم. ولقد يعرَّف اللاجئون أنَّهم من بني الإنسان في رايات الاحتجاج، ولكنَّ صفاتهم الإنسانية وفعلهم وتأثيرهم تهوي من جرَّاء حديث غيرهم بلسان حالهم.

إنَّ المناصرة الأمينة تطلب تمكين المُناصَرين فيقرِّرُ المُناصِرون وجهتهم على حسب مَن يرغبون في دعمهم. فلحركات المناصرة والتضامن، بالتشارك في العمل وبالاستماع إلى الناس المراد مساعدتهم وبتجنُّب الصور النمطية، القدرة على معالجة بعضٍ من التباين البنيوي والظلم الذي يقع على المهجَّرين، والقدرة أيضاً على تبديل كل ذلك.

نتالي سَلَئِيد slade.natalie1@gmail.com

مرشحةٌ لنيل درجة الدكتوراه في معهد الدراسات الإنمائية بجامعة ماسي www.massey.ac.nz

 

[i] Silk J (2000) ‘Caring at a Distance: (Im)partiality, Moral Motivation and the Ethics of Representation – Introduction’, Ethics, Place & Environment 3:3, 303-309

 (الاهتمام من بُعدٍ: المُحابَاةُ وعدمها والباعث على التمييز بين الحقِّ والباطل وأخلاقيَّات التمثيل - مقدِّمة) www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/713665900

[ii] Brecht L, Boucsein L and Mayr K (2018) ‘The Dynamics of Othering in Activism as Part of Germany’s Post-2015 “Wilkommenskultur”’, Dve domavini – Two Homelands, Vol 47

 (ديناميَّات النظر إلى الآخرين نظرةَ الغرباء في مذهب الفعاليَّة من حيث هو جزء من ألمانيا بعدَ سنة 2015)

http://twohomelands.zrc-sazu.si/en/articles/show/528/the-dynamics-of-othering-in-activism-as-part-of-germanys-post-2015--willkommenskultur

 

إخلاء مسؤولية

جميع الآراء الواردة في نشرة الهجرة القسرية لا تعكس بالضرورة آراء المحررين ولا آراء مركز دراسات اللاجئين أو جامعة أكسفورد.

 

facebook logo Twitter logo RSS logo

Forced Migration Review
Refugee Studies Centre
Oxford Department of International Development
University of Oxford
3 Mansfield Road, Oxford OX1 3TB, UK
fmr@qeh.ox.ac.uk  +44 (0)1865 281700
skype: fmreview