حلول الطاقة توفر مكاسب إنسانية وتنموية في آن معاً

يميل الأسلوب الاعتيادي لتأمين الطاقة في أثناء أزمات اللجوء للارتكاز إلى الوقود الخطر والمكلف والمسبب للتلوث، وتتطلب حلول الطاقة المستدامة وضع إطار تخطيط  على المدى البعيد، وهناك فرص للتنظيم بين لدونة الطاقة والوصول إلى أهداف الدول المضيفة وبين جعل العمليات الإنسانية صديقة للبيئة وتمكين  اللاجئين من الاعتماد على أنفسهم.

خدمات الطاقة ضرورية لأهم الحاجات اليومية الأساسية للمهجَّرين إذ تدعم الطاقة تقريباً جميع الأنشطة اليومية سواء للطعام (وقود الطهي) أم للنقل (الوقود لنقل الناس والبضائع) أو للحفاظ على درجة حرارة مناسبة للعيش (التدفئة أو التبريد) أو للتعليم (الضوء للقراءة) أو كسب المعيشة (الكهرباء لتشغيل المنازل والمشاريع التجارية).

لكنَّ الناس الذين فرّوا من ديارهم بسبب النِّزاع لديهم حاجاتهم الخاصة ويواجهون صعوبات جمَّة في سبيل الحصول على خدمات الطاقة. وتتضمن هذه التحديات بُعدَ المسافات (عن المراكز الحضرية  والخدمات العامة والمرافق) و أنواع الملاجئ المؤقتة والمشاكل الصحية وانعدام الأمن في المستوطنات وانعدام القانون وانخفاض مصادر الدخل وعدم استقرارها والحاجة إلى التواصل مع الأقارب.

وتشير البحوث الأخيرة التي أجراها  معهد "تشاتام هاوس" إلى أن حوالي 90% من المُهجَّرين في المخيمات يحظون بوصول محدود للإضاءة وقرابة 80% منهم فقط يتمتعون بالحد الأدنى المطلق من الطاقة اللازمة للطهي.[i] واستراتيجيات التأقلم السلبية مثل عدم طبخ الطعام لفترة كافية أو تخفيض عدد الوجبات هي أمرٌ مألوف لدى جميع المهجَّرين تقريباً سواء أكانوا يعيشون في المناطق الريفية أم في المناطق الحضرية بالإضافة إلى الموجودين في المخيمات.

وعلى الصعيد العالمي، يعتمد السكان المهجَّرون قسرياً غالباً على مصادر الوقود المسببة للتلوث وغير الناجعة إذ إنَّ أغلبهم يستخدمون الحطب أو الفحم النباتي بشكل أساسي. وعلى الرغم من أن نسبة استخدام الوقود للفرد الواحد بين السكان المهجَّرين قسراً منخفضة فعدم الكفاءة النسبية للوقود الذي يستخدمونه يعني أن كمية أكبر منه ستحترق مطلقةً مزيداً من الانبعاثات الغازية بغية توليد الكمية ذاتها من الطاقة. ويمثِّل التصحر أيضاً مشكلة كبيرة لكثيرٍ المناطق التي تستضيف اللاجئين.

ولهذه الظروف آثارٌ ضخمةٌ على الصحة والحماية ولا سيما للنساء والفتيات اللائي كثيراً ما يتحملن العبء الأكبر فيما يتعلق بالطبخ المنزلي (تلوث الهواء في الأماكن المغلقة) وفي الخروج لجمع الحطب ( ارتفاع مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي). ويشير تطبيق التقديرات العالمية لمنظمة الصحة العالمية إلى أن حوالي 20 ألف شخص مهجَّر يموتون قبل أوانهم سنوياً بسبب تلوث الهواء في الأماكن المغلقة. وأعلنت منظمة أطباء بلا حدود إفادة 82% من 500 امرأة وفتاة ممن يتلقين العلاج بعد تعرضهن لعنف جنسي خلال فترة أربعة أشهر ونصف في جنوب وغرب دارفور بأن أعمال العنف وقعت لهن لدى مغادرة المخيمات بحثاً عن الحطب أو الماء أو العلف الحيواني.[ii]

ويعني تحسين طريقة تلبية احتياجات الطاقة إذاً فوائد كبيرة للصحة والحماية وسبل كسب الرزق. لماذا لم يقع التركيز على الطاقة قبل الآن؟

ما مشكلة الطاقة؟

ساهمت مجموعة من العوامل بالتسبب بالأولوية المنخفضة نسبياً للطاقة في الاستجابات الإنسانية، السبب الأول هو ضعف تمويل الأزمات الإنسانية بصفة عامة. وبالإضافة إلى نقص التمويل لم تُعدُّ الطاقة على أنها من الأولويات أسوة بأمور أخرى مثل الغذاء والمأوى والحماية، وهذا أدى إلى ضعف في أعداد الكوادر المؤهلة بالمهارات التقنية اللازمة، ونتيجة لذلك هناك فشل على نطاق واسع في نظام جمع هذا النوع من البيانات التي قد تكون ضرورية لتنفيذ خطط طاقة ممنهجة  للأزمات الإنسانية وما يتعلق بها.

ويضاف إلى ذلك أنَّ الهيئات الإنسانية سيئة التجهيز فهي ليست مجهزة للاستجابة للأزمات المطوَّلة بينما من المرجح أن تتطلب البنى التحتية للطاقة وخطط التمويل المستدامة إطاراً زمنياً أطول، وفي أغلب الأحيان تتوجه المنظمات الإنسانية لإدارة الطاقة لاتباع نهج طوارئ قصير الأجل. وتوزَّع منتجات مثل المواقد أو الفوانيس الشمسية (معظمها مجاناً) دون إيلاء كثير من الاهتمام لترتيبات الصيانة أو الملاءمة الثقافية أو آليات التوزيع أو الآثار على الأسواق المحلية.

وبينما قد تكون استراتيجية التوزيع بهذه الطبيعة أنسب رد عقب الأزمة مباشرة إلا أن أزمات اللاجئين تميل إلى أن تكون طويلة الأمد فقد نمت الكثير من مستوطنات اللاجئين لتصبح مدناً صغيرة. وإذا لم تؤخذ خطط الطاقة في اعتبار الاستجابات الإنسانية الأولية، فيمكن أن ينتهي المطاف بالمُهجَّرين والهيئات التي تقدم الخدمات لهم بأن يكونوا رهيني إجراءات توليد طاقة غير كافية وذات تكلفة باهظة.

ومخيم الزعتري في الأردن مثال حي على ذلك. فعندما بني المخيم في البداية كانت عمليات الإغاثة متصلة بشبكة الكهرباء الوطنية، لكنّ شبكة الكهرباء لم توصل مع مساكن الأسر المهجَّرة نفسها لتلبية حاجاتها من الطاقة. ومن أجل تزويد المنازل والمشروعات التجارية بالطاقة، اعتمد اللاجئون على تمديد غير رسمي من الشبكة من خلال أضواء الشوارع وهكذا زاد الاستهلاك لدرجة أن المفوضية العليا لشؤون اللاجئين دفعت فاتورة كهرباء وصل مبلغها إلى 8.7 مليون دولار  خلال عامي 2014-2015. وبعدها، قطعت المفوضية التوصيلات غير الرسمية، ورداً على ذلك اشترى أصحاب المشروعات التجارية مولدات الديزل مما زاد الاعتماد على إمدادات الوقود ومصادر التلوث المحلية. وبينما يجري حالياً تنفيذ نظام جديد لضمان الحصول على الطاقة الكافية للأسر والمشروعات التجارية بتكلفة معقولة أكثر للمفوضية كان من الممكن أن يخفف التخطيط المسبق في بداية الأزمة التكاليف المالية والبشرية.

فليست طبيعة الاستجابات الإنسانية  قصيرة الأجل مجرد نتاج للنظام ولكنها انعكاس لحقيقة أن الحكومات والجهات المانحة غالباً ما تظل غير راغبة بالاعتراف بأن أزمات اللاجئين ليست حالات طوارئ قصيرة الأمد  إذ لا تسمح معظم الحكومات بالاستثمارات طويلة الأجل في البنى الأساسية في المستوطنات. وبالإضافة إلى ذلك لا تكون المجتمعات التي تعيش جنباً إلى جنب مع أعداد كبيرة من اللاجئين غالباً أفضل حالاً بكثير ولذلك فمن المرجح بأن توفير مرافق ذات تقنيات عالية حصراً للاجئين سيولد الاستياء.

أمَّا رصد الموازنات للقطاع الإنساني فيميل إلى التركيز على الأطر الزمانية لتمويل المانحين التي تصل إلى عام أو أقل. وهذا يعني بأن الهيئات لا تستطيع تسويغ الاستثمارات الرأسمالية التي تهدف إلى رفع مستوى الكفاءة أو معدات الطاقة المتجددة التي لن يمكن استرداد قيمتها قبل عدة سنوات. وبما أنَّ تمويل هذه الاستثمارات يتم من تبرعات محددة فإنها تميل إلى أن تبقى مشاريع ريادية محدودة لا تحقق موارد مستدامة.

تجسير الهوَّة بين النمطين الإنمائي والإنساني

هناك أسئلة أساسية تتعلق بتوفير الطاقة وهي محورية إذا ما أريد تسهيل الانتقال من الاستجابات الإنسانية قصيرة الأجل إلى اللدونة الوطنية وضمان أنَّ الاستجابات للأزمات لن تعيق التنمية طويلة الأجل. وتميل الحلول الإنمائية الرامية إلى تحسين توفر الطاقة إلى التركيز على الوصول إلى الطاقة الوطنية، مهملة بذلك الأشخاص الذين يقعون خارج نطاق الاستراتيجيات الوطنية مثل الأشخاص المهجَّرين. و يميل توفير الطاقة في مجال الاستجابة الإنسانية للمهجَّرين إلى التمحور حول التوزيع المخصص للمنتجات دون توفير تنمية للسوق المحلية أو تحسين نوعية الخدمات. ولدى الجهات الفاعلة في التنمية وشركات القطاع الخاص التي تعمل على الوصول إلى الطاقة والتي تكون خبرتها حاسمة عندما يتعلق الأمر بتصميم نظم الطاقة السليمة خبرة كبيرة للمساهمة في مواجهة التحديات الإنسانية.

تشير النمذجة التي نفذتها تشاتام هاوس ضمن مبادرة نقل الطاقة [iii] إلى أنَّ  إدخال الحلول التكنولوجية البسيطة قد يوفِّر المال ويحمي الأرواح. فعلى سبيل المثال، حتى التغيرات البسيطة مثل إدخال مواقد طهي أكثر كفاءة وفوانيس شمسية يمكن أن يوفر على المُهجَّرين قسراً مبلغ 323 مليون دولار سنوياً تقريباً بعد استثمار مسبق تقوم به الهيئات الإنسانية برأس مال قدره 335 مليون دولار. ويمكن أن يحد مثل هذا التدخل من تلوث الهواء في الأماكن المغلقة ويقلًص الفترة الزمنية التي تقضيها النساء والفتيات في جمع حطب الوقود.

وتبين الدراسات المسحية الميدانية في داداب (كينيا)و جودوبو (بوركينا فاسو) و دولو أدود (إثيوبيا) أن معظم الأسر اللاجئة تدفع المال للحصول على الطاقة فعلاً، وفي الواقع، يدفع المُهجَّرين قسراً مبالغ طائلة لقاء الكميات الضئيلة من الطاقة التي يستهلكونها. ففي مخيمات داداب في كينيا، تنفق الأسر ما يقرب 24% من دخلها على الطاقة (الحطب وبطاريات المصابيح في الغالب) مقابل 4 % فقط في المملكة المتحدة.[iv]

وطورت شركات الطاقة في القطاع الخاص تكنولوجيات وخدمات موجهة نحو ذوي الدخل المحدود والمواقع الجغرافية المختلفة التي تحوي مستهلكين ذوي دخل محدود في المناطق الريفية. وتتزايد الخبرات في مجال الوصول إلى الطاقة بسرعة بسبب التوسع السريع في قيام الشركات الصغيرة أو المتوسطة بالمخاطرة واستغلال خدمات الأموال المتنقلة وأنظمة الدفع حسب استخدام الطاقة وتقنيات الشبكات الذكية والاستشعار عن بعد (السماح للشركات لرصد أداء تقنياتهم من المقر الرئيسي). ووجدت دراسة لمفوضية الأمم المتحدة السامية للاجئين في جنوب شرق نيبال أجريت في عام 2015 أنه على سبيل المثال حوالي 80% من الأسر في مستوطنتين من اللاجئين كان لديهم ألواح شمسية كهرضوئية وقد اشتروا معظمها بأنفسهم.[v] وتمنح حقيقة أن اللاجئين غالباً يتركزون في موقع جغرافي ما  وتدعمهم الهيئات المانحة الدولية أيضاً شركات القطاع الخاص فرصة للتغلب على الحواجز التي ترتبط عادة بأسواق الطاقة المنفصلة عن الشبكات. وإيجاد نموذج التمويل المناسب والتوزيع الصحيح للمسؤولية هو المفتاح في هذه الحالة. ومن المرجح أن يدعم هذا الزخم الاستخدام المتزايد للمنح النقدية وبطاقات السحب المعبئة مسبقاً من قبل الهيئات الإنسانية.

ومع ذلك يجب فهم أنظمة الطاقة فهماً كلياً بغية إجراء تغييرات هيكلية حقيقية للطريقة التي تقدم فيها الطاقة وتستخدم.  وليس إجراء تغييرات هيكلية حقيقية مثل الأخذ بالحلول القائمة على السوق وحلول الطبخ النظيف ونظم الطاقة المتجددة أمراً رخيصاً، بل سوف تشتمل على زيادة في التكاليف الرأسمالية للهيئات الإنسانية وربما أيضاً زيادة في تكاليف الطاقة السنوية للمهجَّرين. ولكنها إذا نُفِّذت جيداً يمكن لها أن تسفر عن فوائد صحية وسبل كسب رزق و تماسك اجتماعي كبير للمهجَّرين قسراً وسكان البلد المضيف الذين يعيشون جنباً إلى جنب معهم فضلاً عن حماية البيئات المحلية التي غالباً ما تكون هشة ومتنافس عليها في آن واحد. الحالة الاقتصادية موجودة بالفعل وسيكون تقييم هذه النتائج حاسماً بالنسبة لتمويل التحول في مجال التكنولوجيا والممارسات.

 

أوين غرافام OGrafham@chathamhouse.org

منسق برنامج الطاقة والبيئة والموارد

 

غلادا لان GLahn@chathamhouse.org

كبيرة الباحثين في برنامج الطاقة والبيئة والموارد

 

جوانا لينه JLehne@chathamhouse.org

باحثة مساعدة في برنامج الطاقة والبيئة والموارد

 

 

إدارة المعهد الملكي للشؤون الدولية في تشاتام هاوس www.chathamhouse.org/about/structure/eer-department



[i]يبسِّط نموذج تقييم الوصول إلى الطاقة بين المُهجَّرين عالمياً من المنظومة عالية التعقيد وينبغي النظر إليه على أنَّه نقطة انطلاقة متحفظة لفهم ظروف الطاقة التي تواجهها هذه المجموعة المتنوعة. للاطلاع على المنهجية الكاملة والنتائج، انظر لان غ، وغرافام أ (2015) "التدفئة والإنارة والطاقة للاجئين: المحافظة على حياة الناس، وتقليص التكاليف"، تاشتام هاوس

Light and Power for Refugees:Saving Lives, Reducing Costs

www.chathamhouse.org/sites/files/chathamhouse/publications/research/20151117HeatLightPowerRefugeesMEILahnGrafham.pdf

) ‘Households, livelihoods and mining-induced displacement and resettlement’, The Extractive Industries and Society; “Mining-induced displacement and resettlement: a critical appraisal”)

[ii]إينيرجيا/ الهيئة البريطانية للتنمية الدولية (2006)، من الأهداف الإنمائية للألفية إلى بحث سياسات الطاقة المراعية للجندر وممارستها:  دليل تجريبي ودراسات للحالات، ص39، http://tinyurl.com/Energia-DFID-GenderEnergy-2006

From the Millennium Development Goals towards a Gender-Sensitive Energy Policy Research and Practice: Empirical Evidence and Case Studies

[iii] جهد تعاوني بين مفوضية الأمم المتحدة السامية للاجئين والمجلس النرويجي للاجئين ومنظمة العمل العملي، وتشاتام هاوس ومنظمة شراكة طاقة القرى العالمية (جيفيب) الدولية

  www.chathamhouse.org/about/structure/eer-department/moving-energy-initiative-project

[iv] الرقم الخاص بإنفاق المملكة المتحدة مبني على بيانات عام 2011.

[v] مفوضية الأمم المتحدة السامية للاجئين (2015) "من إنارة الشوارع إلى الشبكة المصغرة"، تقرير البعثة، قسم الإبداع في مفوضية الأمم المتحدة السامية للاجئين/ مهندسون بل حدود، تقرير لم يُنشَر بعد.

(From Street Lights to Micro-Grid)

 

إخلاء مسؤولية

جميع الآراء الواردة في نشرة الهجرة القسرية لا تعكس بالضرورة آراء المحررين ولا آراء مركز دراسات اللاجئين أو جامعة أكسفورد.

 

facebook logo Twitter logo RSS logo

Forced Migration Review
Refugee Studies Centre
Oxford Department of International Development
University of Oxford
3 Mansfield Road, Oxford OX1 3TB, UK
fmr@qeh.ox.ac.uk  +44 (0)1865 281700
skype: fmreview