اعتراضٌ على ما يُدْعَى الرابطة بين الاتّجار بالبشر وتمويل الإرهاب

التشدُّد في القول بوجود علاقةٍ سببيّة بين الاتّجار بالبشر وتمويل الإرهاب، أمرٌ مفتوحٌ السبيل إلى الشكّ فيه، بسبب ضَعْف أدلّته ووَهن معطياته وما لسياساته المُقلِقَة من وَقْع.

تُطلَقُ مزاعمٌ مُصَرٌّ على صحّتها منذ سنة ٢٠١٥، زادت جرأتها على التدريج، وقُدِّمَت بين يدي سلسلةٍ من صكوك مجلس الأمن في الأمم المتّحدة، تقول: إنّ بين الاتّجار بالبشر وبين الإرهاب روابط. وأهمّ هذه الصكوك، ما جاء في القرار الذي رقمه ٢٣٨٨ لعام ٢٠١٧، وأكّد أنّ الاتّجار مُسهِمٌ رئيسٌ في تمويل الإرهاب.[i] وفي سنة ٢٠١٩، نشرت المديرية التنفيذية لمكافحة الإرهاب التي تَتْبَعُ مجلسَ الأمن تقريراً زُعِمَ فيه حَمْلُهُ أدلّةً على وجود رابطة حقيقية بين "الاتّجار بالبشر، والإرهاب، وتمويل الإرهاب."[ii]

وقد نشأت المزاعم حول الرابطة في سياق قِيَامِ تنظيم داعش في سورية والعراق، وتجديدِ الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه بَذْلَ الجهد في ضَبْطِ الهجرة غير النظامية بعد أزْمَةاللاجئين سنةَ ٢٠١٥. وقد شرعت فرنسا في مناقشات حول القرار ٢٣٨٨ استجابةً لتقارير إعلاميّة في بَيْع المهاجرين من جنوب الصحراء الكبرى الإفريقية بمَزَاد العبيد في ليبيا، ولتقاريرَ في أنّ المنتسبين إلى تنظيم داعش يستفيدون من أعمال الاتّجار بالبشر هناك. والظاهر أنّ هذه القصص الإخباريّة كانت دليلاً استُعمِلَ لإثبات المزاعم الأوروبيّة التي تقول إنّ الهجرة غير النظامية كانت تُسيِّرُها شبكات الاتّجار العابرة للأوطان، لا عواملُ الحركيّةِ (الديناميّات) المُعَقّدةُ في الهجرة.

ويستشهد مجلس الأمن في الأمم المتّحدة بليبيا، قائلاً إنها شيءٌ من اتّجاهٍ عالميّ تَتَّجِهُهُ الجماعات الإرهابية التي تجني الرّبح من الاتّجار بالبشر، هذا مع الذي يرتكبه تنظيم داعش من الاستعباد والاتّجار في العراق وسورية وتركيا، وما يرتكبه المنتسبون إلى تنظيم القاعدة من تهريب الناس في منطقة الساحل، وما ترتكبه جماعة بوكو حرام من الخطف والزواج القسريّ والتجنيد القسريّ في نيجيريا، وما ترتكبه جماعة الشباب المُسلّحة من أَسْرٍ طلباً للفدية في القرن الإفريقيّ، وما يرتكبه جيش الرب للمقاومة من تجنيد الأطفال القسريّ في وسط إفريقيا. نعم، هذه الحالات مثيرةٌ للقلق بلا شكّ، ولكنّ منهجيّة البحث الأساس في العلوم الاجتماعية تلقي بظلالٍ من الشكّ على قابليّة هذه الحالات للمقارنة وعلى العلاقات السببيةّ التي في ضمن مصطلح الرابطة‘. ثم إنّ مصطلح الرابطةكثيراً ما يُسْتعمَل في الخطابات للإلحاح على تحقيق مُزاوَجةٍ مثمرة بين مجالَين سياسيَّين متباينَين على ما يظهر.[iii] وفي جدول أعمال السياسات في مجلس الأمن ما يُثِيرُ القلق؛ ذلك أنّه ثبّتَ أنّ بين الاتّجار وتمويل الإرهاب رابطة، ثم كَلّفَ بعد القول بوجودها إجراءَ بَحْثٍ يأتي بالأدلّة على ذلك.

وإنّي أزعم هذا الزّعْمَ بناءً على تسلسل القرارات، وعلى أنّي كنت مستشاراً في الإعداد لتقرير المديرية التنفيذية لمكافحة الإرهاب التي تَتْبَعُ مجلسَ الأمن. وقد قدّمت بين يدي التقرير أربع نتائج. أولها: أنّ الحالات كانت منوطةً بمزاج الشخص وطباعه، وليس فيها دليلٍ على الرابطة. وثانيها: أن ضَعْفَ المعطيات في الاتّجار وتمويل الإرهاب عموماً، يَحُولُ دون تقدير نسبة الأموال التي تجتنيها الجماعات الإرهابية من الاتّجار، ومع ذلك فيحتمل أمر النسبة أن تكون جدّ قليلةٍ بالقياس إلى سُبُل التموُّلِ الأخرى.[iv] وثالثها: أنّ الجماعات الإرهابية تستغلُّ من طُرُق الهجرة غير النظامية ما يقطع الأراضي التي تسيطر عليها، ويندر أن تُعْنَى بتنظيم الاتّجار الدوليّ. ورابعها: أنّ معالجة الاتّجار بوسائلِ تصرُّفٍ يُتوسّلُ بها في مكافحة الإرهاب، يحتمل أن يؤدّي إلى اشتداد التشرُّب بالروح العسكريّة في جداول أعمال السياسات، وإلى إهمال سُنَن العمل الحسنة المتعلقة بالمقاربات التي محورها الضحايا، وإلى الاستخفاف بالأسباب الأصليّة، وإلى فَتْح قنوات للهجرة الآمنة والقانونية. وصحيح أنّ شيئاً من هذه التنبيهات جاء في تقرير المديرية التنفيذية لمكافحة الإرهاب التي تَتْبَعُ مجلسَ الأمن، ولكنّ ما قُدّمَ بين يدي التقرير من أدلّة، لا تَدْعَمُ زَعْمَهُ أنّ بين الاتّجار وتمويل الإرهاب رابطة واضحة.

والغرض من هذه المقالة هو أن أُقْنِعَ بالحُجّة راسمي السياسات والباحثين أن يقاربوا ما زُعِمَ أنّه رابطة الاتّجار وتمويل الإرهابوهم متشكِّكون فيها، وأن يتجنّبوا بثَّ مثل هذه المزاعم، من غير أن يكون لها بحوث أكثر تفصيلاً ومعطيات يُعتدُّ بها. ثم إنّ ما بين يدي من النتائج مبنيٌّ على بحث مكتبيّ ومقابلات قابلت فيها مُستَطْلَعين خبراء من منظمات دوليّة، وجرت في مراكز إدارةٍ، ومكاتبٍ إقليميّة، ومجامع فكريّة، وقابلت فيها أيضاً مُنفِذِي القانون الدولي في الولايات المتحدة، وتركيا، ومصر، ونيجيريا، وأوربا.[v]

معطياتٌ ضعيفةٌ غير قابلةٍ المقارنة

وأما المُعوِّقُ الأكبر أمام الزّعْمِ بوجود رابطة بين الاتّجار وتمويل الإرهاب، فهو عُدْمُ المعطيات القوية القابلة للمقارنة، التي تؤخذ منها الملاحظات حول العلاقات السببيّة بين المُتغيّرَين. فأوّلُ شيءٍ يُذْكَرُ في هذا المقام، هو أنّ نُدرَة المعطيات حول الاتّجار واضحةٌ بالدليل حين يُنظَرُ في الدراسات السنوية التي لها صلة بالأمر. مثال ذلك: أنّ التقرير العالميّ في الاتّجار بالبشر، الذي يخرجه مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، يقتصر على إحصاءات متابعة الدعاوى القضائية على صعيد الدولة. وتختلف طبيعة هذه الإحصاءات ودرجة صدقها اختلافاً شديداً، وهي لا تُرِينَا إلا القليل من جميع معدّلات الاتّجار، ولا يمكن أن تُستكمَلَ بالاستقراء حتّى تصير إحصاءاتٍ عالميّة في الاتّجار. وأمّا تقارير التقديرات العالميّة في العبوديّة الحديثة، التي تصدرها منظمة العمل الدولية، فتَرْكُزُ همّها في العمل القسريّ، وتَجْهَدُ لإلقاء الضوء على ما يُقيِّدُ المعطيات، وتُحذّرُ من استكمال المعطيات بالاستقراء لإخراج الإحصاءات العالميّة. ولعل تقارير وزارة الخارجية الأمريكية في الاتّجار بالبشر هي أكثر التقارير تأثيراً، إذ تجعل الدول على مراتب من حيث امتثال القانون الدولي وبذل الجهد في مكافحة الإرهاب. ومع أنّ تقارير وزارة الخارجية الأمريكية في الاتّجار بالبشر كانت تشمل معدلات الاتّجار، فقد تُخُلِّيَ عنها بعَقِبِ نَقْدٍ أتى من مكتب محاسبة الحكومة الأمريكية في أنّ المعطيات غير قابلةٍ للإثْبات.[vi]

وقد ركّزت، من جديد، المناقشات التي أُدِيرَت حول الاتّفاق العالميّ من أجل الهجرة الآمنة والمنظّمة والنظاميّة، على ما دُعِيَ إليه في هدف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة ذي الرقم (16.2) من أن يُتوصَّلَ إلى تقوية أدوات الرصد من خلال مُشِيراتٍ مشتركة، وأيضاً فقد أُقِرّ بالمعوّقات الأساس أمام البحوث المقارنة الدائرة حول الاتّجار، ولا سيّما التفاوت في الأنظمة القانونية، والمصطلحات، وأساليب تحديد الحالات. هذا، وللمُتّجرينَ (ولكثيرٌ من الناجين من الاتّجار) من الحوافز القويّة من يحفزهم إلى سُلُوكٍ يُحبِطُ جَمْع المعطيات.

ثمّ هناك دليل العبوديّة العالميّ، الذي تصدره مؤسسة وُوك إفري (Walk Free Foundation)، كَسَبَ التأثير من عرض الاتّجار بهيئة العبودية الحديثة‘ (وهو دليلٌ يكثر أن تستشهد به المنظمات، ومنها المديرية التنفيذية لمكافحة الإرهاب التي تَتْبَعُ مجلسَ الأمن)، ويزعم أنّ بين يديه قياسات عالمية على المستوى القطري، إلا أنّه يعتمد على خططِ تقديرٍ هشّة، مستمدّة من مجموعة من الأنشطة ليس فيها من العنصر العابر للحدود شيء؛ أي العامل الذي يكثر أن يستعمله مُنفِذي القانون والمنظمات الدولية لكَشْف الحالات وتقدير المعطيات وجَمْعها. ولقد نَقَدَ الخبراء، الذين قابلتهم في أثناء جريان بحثي، درجة صدق هذا الدليل.[vii] وقالوا وبين يديهم حجّتهم، إنّه على الرغم من شكّ العلماء المتوقّع في صرامة الإحصاءات، ففي صعيد الأمم المتحدة قبول للتقديرات عريض، وبعضٌ من السبب في ذلك ما تفعله مؤسسة وُوك إفري من المراوضة في أروقة الأمم المتحدة، وبعضٌ آخر من السبب هو أنّ دليلَ العبوديّة العالميّ ظاهرٌ على أنّ بين يديه حلاً لمشكلات التقدير المعقّدة.

وأما الخطة التالية في تحديد رابطةٍ سببيّة فهي تقدير مقدار أرباح الجماعات الإرهابية التي يَجْتَنُونَها من الاتّجار وما له صلة به. وهاهنا يعترضنا مشكلة كبرى أيضاً. نعم، ما من شكٍّ في وجود دليلٍ قويّ على أن الجماعات الإرهابيةّ تعتمد على الأعمال الإجرامية في جمع المال. ومع ذلك، نَقَلَ موظفون من مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة ومن منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، كيف أنّ أرقام تمويل الإرهاب كثيراً ما تُبنَى على معلومات استخباراتيّة سريّة، من هيئات لها مصلحة قويّة في فرط رَكْزِ الهمّ في المسألة. وسبيل الحصول على التقويمات لإجراء المراجعة المستقلة غير مفتوح، فيكثر أن تَجِدَ الباحثين يستشهدون بالإحصاءات الرسميّة فقط. ومثل ذلك، أنّ المُسْتَطْلَعِينَ قالوا إنّ سوءَ الفهم كثيرٌ عند راسمي السياسات في العلاقات بين الجريمة العابرة للأوطان والإرهاب، وذكروا وجود اتّجاه إلى تخليط التداخل الجغرافيّ بالتلاقي العمليّ.

وقد شدّدت فرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية وهي منظمة رقابة حكوميّة دوليّةذِكْرَ المصاعب في تتبُّع الإيرادات من الهجرة غير النظامية عموماً.[viii] صحيح أنّ المُسْتَطْلَعِينَ الذين قابلتهم في مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة كانوا يدرون الحالات المذكور في صكوك مجلس الأمن، ولكنّهم عبّروا عن رأي صَلْبٍ، وهو أنّه لا إحصاءات (سريّة أو غير سريّة) تدعم زَعْمَ أنّ جماعاتٍ كالقاعدة، وبوكو حرام، وداعش، قد اجتنت من الاتّجار أرباحاً عظيمة المقدار. فلمّا كان التهريب والاتّجار مُوطّنان في الأكثر، كان لهما من الأعمال العابرة للأوطان شيء قليل أصلاً.

الانتهازية والقَمْع والتجنيد

أوضح حالة لإرهابيّين يتّجرون بالبشر ابتغاءَ الرّبح هي الاتّجار الذي يقوم به تنظيم داعش. وأبرز ما كان من ذلك، أنّ تنظيم داعش استرقّ آلافاً من اليزيديّات، نساءً وبناتاً، في العراق إذ كنّ له غنائمَ حَرْب، فتعرّضْنَ للاغتصاب المنهجي، وبِعْنَ في المناطق المحليّة، أو اتُّجِرَ بهنّ إلى سورية وتركيا. ولمّا كان التنظيم في أَوْجِ قُوّته، اشتمل هذا الاتّجار على إمداديّات (لوجستيّات) معقّدة، نظّمها لجنة من التنظيم مخصوصة، ولكنْ بقطع النظر عن الحنكة التنظيميّةأقرّت فرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية بأنّه "من الصعب تصوُّر الاتّجار بالبشر سبيلاً من سُبُل الرّبح" عند التنظيم، إن قيسَ إلى سُبُل أخرى مثل النفط، والعاديَّات (الآثار القديمة)، وضَرْبُ الفدية وفرض الضريبة على السكان.[ix]

ذلك، وتشير الأدلّة لإلى أنّ الجماعات الإرهابيّة كثيراً ما تستعمل الاتّجار والجرائم التي لها صلة به في أغراض عمليّة أو مذهبيّة (إيديولوجيّة)، لا في التموُّل. إذ تستعمل الجماعات الإرهابيّة العبوديّةَ والزواج القسريّ لتجنيد الأفراد ومكافأتهم، أو لإرهاب السكان المحليّين، وتأخُذُ على عادتها في التجنيد القسريّ للمقاتلين وللجُّنْد من الأطفال. ومهما يكن من أمر التنظيم، فأكثر هذه الأعمال والأفعال التي يتّبعها لا تصل إلى حدّ الاتّجار الدولي. ولذا تَحْزِمُ قَرَارَاتُ مجلس الأمن ما مضى عليه زمن طويل من الجرائم وانتهاك حقوق الإنسان، مع رَكْزِ همّها في مركز جديد، وهو سورية والعراق وليبيا. وقد قال مُسْتَطْلَعٌ يعمل في إدارة الرئيس أوباما: "الظاهر أنّ مجلس الأمن يخلّط الاتّجار بضروب الاستغلال التي نكافحها منذ عقدين من الزمان." وبالجملة، فإنّ المُتّجرين يسعون إلى بقاء أعمالهم في السرّ، وأما الإرهابيين، فيجذبون الانتباه السياسيّ، وهذا لا يُعينُ على الرشوة والتواطؤ والفساد، التي هي أمور لا بدّ منها لنقل الناس عبر الحدود. مثال ذلك: أنّ في بلدة صبراتة الساحلية بليبيا، موّلَ المهرّبون الحرب على داعش، لأنّ كَوْنَ الجماعة الإرهابية في المنطقة يعرّض أرباحهم للزوال

وقد عملت الجماعات المسلّحة طويلاً في طُرُق الهجرة غير النظامية. فقبل الإطاحة بالعقيد معمر القذّافي سنةَ ٢٠١١، كان النظام وما يحالفه من قوّات هو المُتحّكمُ بالتهريب والإتّجار في ليبيا. وأما اليومَ فالمهاجرون معرّضون لخطر الاتّجار بهم في المناطق التي تسيطر عليها حكومة الوفاق الوطني كما هم معرّضون لخطر الاتّجار بهم في المناطق التي تسيطر عليها الميلشيات، ولكنّ المعوّقات أمام المهاجرين التي تحول دون خروجهم من ليبيا اليومَ أكبر، بسبب اتفاقيات الهجرة بين ليبيا والدول الأعضاء في الاتّحاد الأوربي. بل إنّ الكيانات التي يموّلها المجتمع الدوليّ (وخاصّةً قوات الردع الخاصّة الليبيّة، وخفر سواحلها، ومديرية مكافحة الهجرة غير النظاميّة) قد سيطرت أساساً على الطرق التي تستعمل في الاتّجار، وأصبح من عادة هذه الكيانات اليومَ أن تتّجر بالبشر، حتى إنّها بلغت من الاتّجار مبلغاً أبعد كثيراً من الذي بلغته الميلشيات بعد سقوط معمّر القذافي.

تجنُّب مزاوجة السياسات الماحِلة

وهاهنا سؤال أخير: هل للإشارة إلى رابطة الاتّجاروتمويل الإرهاب، مُزَاوجَةُ سياساتٍ مُنتِجة، كما كان حال رابطة الهجرةوالتنمية؟ وكلّ من أجاب عن سؤالي هذا من المُستَطْلَعين، ما عدا موظف أمني من نيجيريا، حذّر من استعمال وسائل التصرُّف هذه، المرتبطة بسياسات مكافحة الإرهاب. عبّر عدّة منهم عن قلقهم من أنّ معاملةَ الاتّجار معاملة قضيّةٍ أمنية صعبة يهدد بإنتاج نتائج سيئة غير مقصودة، تقع على الأمن الدولي وضحايا الاتّجار بالسَّوَاء.

وكثيراً ما تؤدّي الأعمال العسكرية إلى زعزعة استقرار الدول والأقاليم، وتنمّي الاستياء والتطرُّف، وتتنزّل منزلة عامل حَفْزٍ إلى التَّهجير. وأيضاً فهي تنشئ للاتّجار سوقاً. مثال ذلك: أنّ جيش تحرير كوسوفو وغيره من الجماعات المسلّحة في يوغوسلافيا سابقاًاتّجرَ بالنساء والبنات ليُجِيبَ بهنّ حاجات الجُّند في حِلف شمال الأطلسيّ وقوات الأمم المتحدة. وعوامل الحركيّة (الديناميّات) نفسها حاصلة في الدوليّ من أعمال حِفْظ النظام والعمل الإنساني في نطاق أوسع، وهي في الغالب موجّهةٌ إلى قَمْع التطرُّف.

كثيرةٌ هي الأدلّة على أن السياسات التي تُؤَمْنِنُ الهجرة، تضرُ بمعايير الحماية الدوليّة، وبحقوق المهاجرين، وبأمن الدولة. إذ تفسح مزاوجة الاتّجار بالإرهاب للأنظمة الاستبدادية والسلطوية السبيل إلى الاستفادة من انشغال الغرب بالنزعة الإسلامية والهجرة غير النظامية، فتحصل منه على عون عسكري وتعزِّزُ سيطرتها السياسية على بلادها. وسألَ أحد كبار المتخصّصين في مرحلة ما بعد النّزاع: "ما الذي ترى من المعنى حين تقول حكومة استبداديّة لمجلس الأمن مؤكّدةً: نعم، إنّ التهديد الحاضرَ مشكلة عويصة في أرضي؟ [هذا يعني] أنها تريد مزيداً من المال لاستيعاب الخدمات الأمنيّة ... وفي أحسن الأحوال تريد أن يُسقَط عنها دَيْنُها."

وأخيراً، فإنّ حَشْدَ سياسات مكافحة الإرهاب لاستعمالها في مكافحة الاتّجار، سيُهمِلُ ما يَنْتَصِرُ له العلماء والمزاولون ومنظمات صَوْن الحقوق، من سُنَن العمل الحسنة، ولا سيّما التي تُتّبَعُ في فَتْحِ سُبُل المعاش، والتعليم، والتنمية، وفي الأنظمة القانونية التي تدور حول الضحايا. وأيضاً فقد يقلل الوصول إلى قنوات الهجرة الآمنة والقانونية من مواطن الضّعف والتعرُّض للاتّجار في طُرُق الهجرة غير النظامية. هذا، ويشتدّ يا للأسفاعتمَادُ واضعي القرار (٢٣٨٨) من أعضاء مجلس الأمن في الأمم المتّحدة، على إقامة التعاون بينهم وبين الدول الاستبداديّة والسلطويّة، ويعدُّون ذلك في جداول الأعمال الخاصّة بضبط الهجرة، فيُنمِّي ذلك سُبُل التعرُّض للاتّجار في الأصل.

 

كرِغ داميان سمِث Craigdamian.smith@ryerson.ca  

باحثٌ مشاركٌ رئيس في حوكمة الهجرة، في برنامج التميُّز الكندي في بحوث الهجرة الاندماج، بجامعة ريرسُن، في تورُنتُو www.ryerson.ca/cerc-migration/about/

 

[i] إن شئت قائمةً فيها كلُّ القرارات وما له صلة بها ممّا صُرِّحَ بهِ، انظر: http://unscr.com/en/resolutions/2388. 

[ii] CTED (2019) Identifying and Exploring the Nexus Between Human Trafficking, Terrorism, and Terror Financing

 (تعيين واستكشاف الرابطة بين الاتّجار بالبشر والإرهاب وتمويل الإرهاب)

https://www.un.org/sc/ctc/wp-content/uploads/2019/02/HT-terrorism-nexus-CTED-report.pdf

[iii] مصطلح الرابطةمصطلحٌ يُعرِبُ عن مجموعةٍ من العلاقات السببية اللازمة بعضها بعضاً، بين ظاهرتَن أو أكثر. ونضرب عليه مثلاً مشهوراً، هو رابطة الهجرة والتنمية، وهي رابطةٌ تَصِفُ سلسلةً من علاقاتٍ سببيّة معقّدة يُعزِّزُ بعضها بعضاً، بين مختلف ضروب التنمية والسُّكون.

[iv] وفي الرابطة المزعومة مشكلة أخرى، هي الاختلاف الواسع في تحديد الجماعات الإرهابيّة. ففي قائمة الاتحاد الأوروبي ٢١ كياناً تقول إنّه منظمة إرهابية، وتعيُّن وزارة الخارجية الأمريكية ٦٧ منظمة إرهابية، وتحدد الأمم المتحدة ٨٢ كياناً هي أهداف للعقوبات على الإرهاب أعمال تمويله. وهذا الاختلاف نتيجةٌ لاختلاف أوسع منه في معايير التعيين، والجماعات التي لها مصلحة، وجداول الأعمال السياسيّة.

[v] اختير المستطلعون من منظمات دوليةّ، مثل مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، والمنظمة الدولية للهجرة، والأمم المتحدة، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا.

[vi] التقرير العالميّ في الاتّجار بالبشر، من مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة

 www.unodc.org/unodc/data-and-analysis/glotip.html، والتقديرات العالميّة في العبوديّة الحديثة، من منظمة العمل الدولية: العمل القسريّ والزواج القسريّ

 www.ilo.org/global/publications/books/WCMS_575479/lang--en/index.htm، وتقرير وزارة الخارجية في الاتجار بالبشر https://www.state.gov/trafficking-in-persons-report

[vii] See also Gallagher A T (2017) ‘What’s Wrong with the Global Slavery Index?’, Anti-Trafficking Review 8: 90–112

(ما علّة دليل العبوديّة العالميّ؟)

https://doi.org/10.14197/atr.20121786

[viii] Financial Action Task Force (2018) ‘Financial Flows from Human Trafficking

(دفقات ماليّة من الاتّجار بالبشر)

https://www.fatf-gafi.org/media/fatf/content/images/Human-Trafficking-2018.pdf

[ix] Financial Action Task Force (2015) ‘Financing of the Terrorist Organization Islamic State in Iraq and the Levant (ISIL)’, p13

(تمويل تنظيم داعش الإرهابيّ)

http://www.fatf-gafi.org/media/fatf/documents/reports/Financing-of-the-terrorist-organisation-ISIL.pdf

إخلاء مسؤولية

جميع الآراء الواردة في نشرة الهجرة القسرية لا تعكس بالضرورة آراء المحررين ولا آراء مركز دراسات اللاجئين أو جامعة أكسفورد.

 

facebook logo Twitter logo RSS logo email.png

Forced Migration Review
Refugee Studies Centre
Oxford Department of International Development
University of Oxford
3 Mansfield Road, Oxford OX1 3TB, UK
fmr@qeh.ox.ac.uk  +44 (0)1865 281700