دَعْم الصحَّة العقليَّة والحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة المُراعِي للإيمان عند مزاولي المعونة الإنسانيَّة

الإيمان والروحانية جزء من هوية كثير من الناس وعيشهم كل يوم، ومراعاة الإيمان جزء لا ينفصل من إيصال دَعْم الصحَّة العقليَّة والحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة إيصالاً شاملاً يركز على الناس في الأحوال المقتضية للمعونة الإنسانية.

يرتبط دَعْم الصحَّة العقليَّة والحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة الفعَّال في الاستجابة للطوارئ الإنسانية بآراء العالم ووجوه مزاولة الاستشفاء ولغة الناس الذين يقصد الدَّعْم إلى إعانتهم. والإيمان عامل في قدرة كثير من الأفراد والمجتمعات على التصدِّي لصعوبة المُتحدِّيات النفسانيَّ الاجتماعيَّة، مثال ذلك أنَّ عند كثير من الناس أنَّ دَفْن الأعزَّاء وفقاً لطقوس إيمانهم أمرٌ مهم حتى يدخلوا في الحِدَاد. وهذا هو السبب في أن المبادئ التوجيهية للجنة الدائمة المشتركة بين الهيئات في شأن دَعْمُ الصحَّةِ العقليَّة والحالِ النفسانيَّة الاجتماعيَّة في الطوارئ تَدعُو الفاعلين في المعونة الإنسانيَّة إلى الدخول في ما هو دينيٌّ وروحانيٌّ محليٌّ من موارد وجماعات وزعماء في برامجهم المنتظمة.[1] وهذا هو السبب أيضاً في أن إدماجَ الزعماء الدينيِّين والسُّنن الدينيَّة المتَّبعة في إجراءات التشغيل الموحَّدة في أثناء الاستجابة لإيبولا بين سنة 2014 وسنة 2015 في غربيّ إفريقيا مثلاً كان فعَّالاً جدّاً.[2]

ويُبتَدَأُ في إنشاء استجابة إنسانية تراعي الإيمان بالإقرار بأنَّ السُّنن والشعائر الدينية، كإقامة الصلاة، يمكن أن تكون عنصراً من عناصر دعم الحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة الذي ينبغي تكملته بضروب أخرى من دَعْم الصحَّة العقليَّة والحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة، لا أن يُستبدَل به غيره. ويمكن أن يعتمدَ مزاولو المعونة الإنسانيَّة طريقة مقاربةٍ تراعي الإيمان من غير نظرٍ إلى ما بينهم أو بين منظَّمتهم وبين ذلك الإيمان من عطف أو انتفاء العطف. فمراعاة الإيمان هي مراعاة الناس الذين تُعِينهُم.[3]

وعلى الرغم من وجوه الالتزام السياسي الرئيسة[4] تتردَّد كثير من المنظَّمات الإنسانية والتنموية في تناول الجوانب المتعلقة بالإيمان تناولاً تحصل معه كفاية عند وضع برامجها أو في أن ترى الفاعلين المحليِّين الدينيِّين شركاءَ محتملين لتتعاون هي وهم في ميدان دَعْم الصحَّة العقليَّة والحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة. ويميل المزاولون إلى تجنُّب التعامل مع الأسئلة المتعلقة بالدين خيفةَ أن يتعارض ذلك والمبادئ الإنسانية في الحِيَاد وعدم التحيُّز. والحقّ أنَّ مراعاة الإيمان في الواقع ليست أمراً دائمَ اليُسْر تَطبيقُه. فكيف إذاً ينبغي أن نُقَارِب الجمعَ بين الإيمان دَعْم الصحَّة العقليَّة والحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة عند تخطيط وتنفيذ استجابات نفسانيَّة اجتماعيَّة تراعي الإيمان ولا تعارض المبادئ الإنسانية؟

مراعاة الإيمان في الواقع

ولإعانة مزاولي دَعْم الصحَّة العقليَّة والحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة على التغلُّب على بعض العوائق ووجوه التردُّد، أُنشِئت أَداةُ تدريب بالشَّابكَة (الإنترنت) في الاستجابة الإنسانية المراعية للإيمان مع تركيز على دَعْم الصحَّة العقليَّة والحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة، لبيان الفُرَص والمُتحدِّيات والخطوات العملية التي يلزم اتِّخاذها.[5] ثمَّ إنَّ التدريب –الذي أُطلِق في حزيران/يونيو سنة 2020– هو نتاج تعاون بين حِلْف أكْت (ACT Alliance)، ومُنظَّمة الإغاثة الإسلامية عبر العالم، ومبادرة التعلُّم المشتركة في الإيمان والمجتمعات المحلية، والاتحاد اللُّوثَري العالمي ومختبر التعلُّم التابع بمنظمة دانتشرك أَيْد. ويستغرق إتمام التدريب كلِّه نحو ساعتين فقط.

فالأخذ بطريقةٍ تراعي الإيمان في مقاربة دَعْم الصحَّة العقليَّة والحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة يعني تعلُّم سُبُل فَهْم الحاجات والموارد الروحانية والدينية للناس، وفَهْم شأن المجتمعات الدينية، وذلك استجابةً للطوارئ الإنسانيَّة. ويدخُلُ في ذلك أيضاً التأمُّل فيما عندَك وعند منظَّمتك من مواقف ووجوه فهم وتحيُّز من الإيمان. ودونك خمسَ توصياتٍ رئيسةً للمزاولين (وبخاصة مَن يعمل في المنظَّمات الدولية) الراغبين في جَعْل دَعْم الصحَّة العقليَّة والحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة أكثرَ مراعاةً للإيمان:

أدخِلْ الإيمان في التَّقدير: فكِّر أن تُدخِل معلومات عمَّا هو في الدين من معتقدات وشعائر وعن أعمال الجماعات الدينية ودور العبادة، ممّا له صلة بالصحَّة العقليَّة وحُسْن الحال النفسانيَّة والاجتماعيَّة في المجتمع المحليّ المُتضرِّر. فكيف يرَوْنَ الأزمة، وكيف يُفسِّرون الضائقة، وبأيِّ مصطلحات يتحدثون عن التصدِّي لصعوبة المعيشة؟ وما التأثيرات الروحانيَّة في حُسْن أحوالهم؟ وما المفاهيم الدينية التي تفيدهم في الاستجابة للمُتحدِّيات التي تعترضهم؟ وتُبيِّنُ الموارد التي أنشأتها مفوضيَّة اللاجئين في السياق الاجتماعي والثقافي والمفاهيم وسُنَن العمل العلاجيّة المتعلقة بالصحَّة العقليَّة وحُسْن الحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة لجماعات مُعيَّنة من اللاجئين– كيف يمكن توثيق مثل هذه المعلومات.[6] فأَجرِ التقديرَ بطرق تشاركية تشتمل أيضاً على وجهات نظر المجتمعات الدينيَّة المحليَّة. وناقش ممثلي مختلف العادات الدينية في مسائل الصحَّة العقليَّة لفهم كيفية تأثير المفاهيم اللاهوتية في فَهْم الأفراد للمُتحدِّيات المتَّصلة بالأمر والتصدِّي لها.

صِلِ البرامجَ بإيمان الناس وشعائرهم حين تُعِدُّ برامج دَعْم الصحَّة العقليَّة والحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة ابنِها على معتقدات الناس وشعائرهم والطقوس والأنشطة المحليَّة التي تكون جزءاً من استراتيجيات فعّالة للتصدِّي لصعوبة المعيشة الموجودة أصلاً في المجتمع المحليّ الذي تُعنَى به. ويمكن أن يشمل ذلك الصلاة وقراءة الكتب القدسية وشعائر الحداد، ومن ذلك أيضاً الأنشطة الجماعيَّة. ففي غزة، يستعمل مستشارو منظَّمة الإغاثة الإسلامية في فلسطين إشارات إلى عقيدة الأشخاص المشاركين في جلسات المجموعة النفسانيَّة الاجتماعيَّة فيجعلونها مداخلَ إلى الموضوع الذي يراد مناقشته، هذا إذا كان ذلك مناسباً على حسب علاقة المشاركين بالإيمان. مثال ذلك: أنهم أشاروا إلى التأثيرات المماثلة للتأمُّل وإقامة الصلاة عند تقديم مسألة التأمُّل أسلوباً لتدبير الكَرْب. فربط موضوع من المواضيع بأفكار مألوفة يجعله أكثر قرباً من الفهم.

تَعاوَنْ أنت والفاعلين الدينيِّين المحليِّين: حين تَدْخُلُ في العمل مع الفاعلين الدينيِّين المحليِّين، أَدخِلْ قادةً من النساء والشباب (الذين يكثر أن يكون لهم أدوار غير رسميَّة)، وأَسِّسْ المشاركات على الإسهام المفيد والتشارك في اتِّخاذ القرارات والتعلُّم المتبادل ومشاركة القدرات. ويمكن أن يقدِّم المتخصِّصون بدَعْم الصحَّة العقليَّة والحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة تدريبَ القادة الدينيِّين المحليِّين على المبادئ النفسانيَّة الاجتماعيَّة الرَّئيسة، أو أن يناقشوا الحالات التي قد تكون فيها الاستشارة مفيدةً إضافةً إلى الدعم الروحاني، أو أن يقدِّموا للمُحالِين معلوماتٍ عن دَعْم الصحَّة العقليَّة والحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة. ويمكن أن يؤدِّي إنشاء آليات إحالة ذات اتِّجاهين إلى تيسير الوصول إلى الرعاية الروحانيَّة والدينية، بمعونة الأئمَّة والقساوسة والمعالجين الدينيِّين أو التقليديِّين، هذا مع الوصول إلى الرعاية النفسانيَّة والاجتماعيَّة. مثال ذلك أنَّ جمعيَّة الصليب الأحمر الأمريكية تُدِير برنامج رعاية روحانيَّة في الكوارث، وتتعاون في ذلك على وقادة دينيُّون محلُّيون مُدرَّبون على الإسعاف النفسانيّ الأوليّ.[7]

عَالِجْ ما يحتمل ضرره من سُنَنَ العمل المرتبطة بالإيمان: يمكن أن تكون بعض المفاهيم اللاهوتية أساساً لتعامل غير فعَّال وغير مناسب أو أن تُستعمَل لجعل سُنَن عملٍ ضارةٍ شرعيَّةً. ومن أمثلة على ذلك الحَبْس علاجاً لمرض عقليّ ساعةَ يُرَى من هذا المرض أنه مشكلة روحانيَّة لا مشكلةً صحيَّة، أو حينَ يُسَاءُ الربط بين الكوارث والذَّنْب أو الكارما. والاستجابة للآليات السيئة في التصدِّي لصعوبة المعيشة لا تعني فَصْلَ الإيمان من الصحَّة العقليَّة أو محاولة إقناع الناس بتَرْكِ إيمانهم. إنما ينبغي للفاعلين إشراك القادة والأشخاص المستضعفين من مختلف الأجناس والأعمار في تقدير أثر المعتقدات الدينية في الصحَّة العقليَّة، وإشراكهم أيضاً في تحدِّيد الأعمال التي يُحتَمَل ضررها. ثمَّ ينبغي للفاعلين أن يُعزِّزوا الحوار بين القادة الدينيين والمفكرين الدينيين المحليين المطلعين والمجتمع المحلي في الأعراف والتفسيرات الاجتماعية التي تستند إليها، وأن يتيحوا التدريب والموارد المناسبة لدعم إجراء الفِكْر والتغيير.

تَناوَل الإيمان بحيث تحترم المبادئ الإنسانيَّة: قد تُرَى مراعاة الإيمان أنَّها تُعارِض المبادئ الإنسانية في الحِيَاد وعدم التحيُّز، فالحِيَاد يحثُّ على عدم الانتماء إلى عقيدةٍ ما لأن هذا الانتماء مرتبط بسياسات النِّزاع، وفي مبدأ عدم التحيُّز تُؤكَّد الحاجة إلى تجنُّب التحيُّز والتمييز والتبشير على أساس الانتماء الديني. ولكن لا يعني هذا في الحالَين الجهلَ بالإيمان وتجنّبه. فمع تأكيد الحاجة إلى الحِيَاد وعدم التحيُّز، يمكن دَعْم معتقدات وشعائر شخصٍ ما دَعْماً فيه مراعاة. فادعَمْ الأعمال الدينية إذا طلب ذلك أحد الأشخاص الذين تُعِينهم، مثل الانضمام إليهم في الصلاة (إذا كان ذلك مناسباً لك)، ولكن لا تُجبِر على عملٍ ديني إذا لم يُطلَب. فافسَح السبيل لمثل هذه الطلبات بلا إجبارٍ عليها.

نحو استجابة مَحليَّة

إنَّ طريقة المقاربة المراعية للإيمان تَضَعُ الناسَ والمجتمعات المتضرِّرين بالنِّزاعات والكوارث –مع حقوقهم وحاجاتهم وكرامتهم– في قلب استجابة دَعْم الصحَّة العقليَّة والحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة، إذ هي تُعِين على تكييف إعانتهم بحسب سياقهم الاجتماعي والثقافي، والإيمان جزء منه. ويضاف إلى ذلك، أنه يمكن أن يُسهِم التعاون مع الفاعلين الدينية والمجتمعات في تقوية شؤون الفاعلين المحليِّين في نظام المعونة الإنسانيَّة، وتيسير الدعم الذي يقوده المجتمع المحليّ، وإدخال المعونة في البنيات القائمة. لذلك كانت البرامج والمشاركات المراعية للإيمان من الجوانب المهمَّة في توطين المعونة، وفي إصلاحٍ واسعٍ من ثمَّ للنظام الإنساني أيضاً.

 

لِيُونِي هَرْش leonie.harsch@mercator-fellows.org  @LeonieHarsch

زميلةٌ زائرةٌ سابقاً، في مبادرة التعلُّم المشتركة في الإيمان والمجتمعات المحليَّة

 

كُورِي ڤان دِرڤِن c.vanderven@protestantsekerk.nl

موظَّفة برامج، في منظَّمة كِرْك إِنَكْتي، ومديرة برنامج في الإيمان والتنمية سابقاً، من حِلْف أَكْت

 

أولِيڤِيَا وِلْكِنْسُن olivia@jliflc.com  @OliviaWilk

مُدِيرةُ بحوث، في مبادرة التعلُّم المشتركة في الإيمان والمجتمعات المحليَّة

 

[1] IASC (2007) IASC Guidelines on Mental Health and Psychosocial Support in Emergency Settings

(المبادئ التوجيهية في اللجنة الدائمة المشتركة بين الهيئات في شأن دَعْمُ الصحَّةِ العقليَّة والحالِ النفسانيَّة الاجتماعيَّة في الطوارئ)

https://interagencystandingcommittee.org/system/files/2020-11/IASC%20Guidelines%20on%20Mental%20Health%20and%20Psychosocial%20Support%20in%20Emergency%20Settings%20%28English%29.pdf

اقرأه باللغة العربية:

https://interagencystandingcommittee.org/system/files/iasc_guidelines_mhpss_arabic.pdf

[2] Winiger F (2020) ‘“More than an intensive care phenomenon”: Religious communities and the WHO Guidelines for Ebola and Covid-19’, Spiritual Care 9(3)

(أكثر من مجرَّد ظاهرة رعاية مركَّزة)

 https://doi.org/10.1515/spircare-2020-0066

[3] انظر أيضاً العدد 48 من نشرة الهجرة القسرية في العقيدة والاستجابات للتَّهجير www.fmreview.org/faith

اقرأه باللغة العربية: www.fmreview.org/ar/faith 

[4] انظر:

 Such as UNHCR’s 2014 Partnership Note on Faith-based Organizations, Local Faith Communities and Faith Leaders

(مذكّرة مشاركة في المنظمات المُقَامة على الإيمان والمجتمعات المحليَّة الإيمانية والزعماء الإيمانيُّون)

 www.unhcr.org/protection/hcdialogue%20/539ef28b9/partnership-note-faith-based-organizations-local-faith-communities-faith.html bit.ly/UNHCR-faith-partnership-note-2014

وانظر الاتِّفاق العالمي سنة 2018 في شأن اللاجئين  www.unhcr.org/gcr/GCR_English.pdf

[5] التدريب مفتوح السبيل إليه بالمجَّان من هنا www.fabo.org/act/fshr. وبُنيَ التدريب على:

 Lutheran World Federation and Islamic Relief Worldwide (2018) A faith-sensitive approach in humanitarian response: Guidance on mental health and psychosocial programming

(طريقة مقاربةٍ تراعي الإيمان في الاستجابة الإنسانية: الإرشاد في برامج دَعْمُ الصحَّةِ العقليَّة والحالِ النفسانيَّة الاجتماعيَّة)

 https://interagencystandingcommittee.org/system/files/faith-sensitive_humanitarian_response_2018.pdf 

[6] UNHCR (2018) Culture, Context and Mental Health of Rohingya Refugees: A review for staff in mental health and psychosocial support programmes for Rohingya refugees

(الثقافة والسياق والصحَّة العقليَّة للاجئين الروهينغيِّين: مراجعة للعاملين في برامج دَعْم الصحَّة العقليَّة والحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة عند اللاجئين الروهينغيِّين)

www.unhcr.org/protection/health/5bbc6f014/culture-context-mental-health-rohingya-refugees.html

[7] American Red Cross (2018) Disaster Spiritual Care

(الرعاية الروحانيَّة في الكوارث)

 www.uphs.upenn.edu/pastoral/events/Jensen_DSC_UPenn_Presentation_2018.pdf

إخلاء مسؤولية

جميع الآراء الواردة في نشرة الهجرة القسرية لا تعكس بالضرورة آراء المحررين ولا آراء مركز دراسات اللاجئين أو جامعة أكسفورد.

 

facebook logo Twitter logo RSS logo email.png

Forced Migration Review
Refugee Studies Centre
Oxford Department of International Development
University of Oxford
3 Mansfield Road, Oxford OX1 3TB, UK
fmr@qeh.ox.ac.uk  +44 (0)1865 281700