تَقْديم: لا صحَّة بلا صحَّة عقليَّة

«لا صحَّة بلا صحَّة عقليَّة». قالها مؤكِّداً أنطونيو غُتِيرِش الأمين العام في الأمم المتحدة في أيار/مايو 2020، وهي رسالة يسيرة ولكن قويّة.[1] وقد حذَّرَ، مُنذراً إنذاراً جاء في وقته، من أنَّ الارتفاع العالميّ المفاجئ في الانتشار والشِّدَّة لمشكلات الصحة العقلية بسبب داء الحُمَة التاجية (كوڤيد 19) أمرٌ غير مستبعدٍ البتَّة، وأن بالأمر حاجةً مُلحَّة إلى اتِّخاذ إجراءات وإلى تمويل للتصدِّي للوَقْع المُدمِّر الذي جلبته جائحة على بُلُوغِ خدمات الصحَّة العقليَّة.

وقد أشار استطلاع أجرته منظمة الصحة العالمية[2] في تشرين الأول/أكتوبر من سنة 2020 إلى أنَّ داء الحُمَة التاجية (كوڤيد 19) قد عَرقَلَ بعض خدمات الصحَّة العقليَّة في 93% من البلدان في جميع العالم وطَلبُ دَعْم الصحَّة العقليَّة لا ينفكِّ يزيد. فدَعْم الصحَّة العقليَّة والحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة أمرٌ رئيسٌ في حُسْن حالنا، أفراداً وجماعات، ولا سيَّما اليوم. حتَّة إنَّ دَعْم الصحَّة العقليَّة والحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة تزداد أهميَّته عند أكثر الناس استضعافاً العائشينَ أصلاً في هامش المجتمع، المتضرِّرين بالنِّزاع أو بالكوارث، المُهاجِرين قَسْراً أو الذين ما يزالون ينتقلون. وقد فقد كثيرٌ منهم قبلَ الجائحة منازلهم ومجتمعاتهم المحليَّة وأعزَّاءهم وسُبُل معاشهم. فوقعت الجائحة وزادت شدَّةَ ضائقتهم وأحوال معيشتهم المتقلقلة.

وتَنْصُرُ هولندا بشدَّةٍ الإقرار بأهمية دَعْم الصحَّة العقليَّة والحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة عند المتضرِّرين بالأزمات من ناسٍ ومجتمعات محليَّة، وتَلتزمُ ضمانَ تحقيقِ طريقةٍ للمقاربة شاملةٍ في دَعْم الصحَّة العقليَّة والحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة في كلِّ وسائل المعونة الإنسانيَّة، وفي كلِّ برامج مَنْع النِّزاع وبناء السلام أيضاً.[3] وإنّا وما يماثِلُنا في الفِكْر من بلدان وهيئات نتقدَّمُ. ففي السنين القليلة الماضية، صُنِّفَ أخيراً دَعْم الصحَّة العقليَّة والحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة في أولويَّة جدول الأعمال الدولي. نعم، تُوُصِّلَ سنة 2019 إلى اتفاقياتٍ مهمة في إدخالِ دَعْم الصحَّة العقليَّة والحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة في كلِّ استجابةٍ إنسانية، مع مؤتمر انتبه إلى العقل الآن (Mind the Mind Now Conference) وإعلان مؤتمر أمستردام[4] إذ أخذ تحالفٌ من 28 بلداً و10 منظَّمات على نفسه أن يعالج حاجات الصحَّة العقليَّة والحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة عند المتضرِّرين بالطوارئ.

وفيما يلي حاجةٌ لا تنفصل ممَّا تقدَّم:

  • إلى تعزيز إِدماجِ دَعْم الصحَّة العقليَّة والحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة في كلِّ استجابة للأزمات من أوّلها،
  • وإلى إدماج المهارات الأساسية لدَعْم الحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة في تدريب كلِّ عامل في ميدان المعونة الإنسانية،
  • وإلى الاهتمام بحُسْن الحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة عند العاملين في ميدان المعونة الإنسانية وأوَائِلِ المستجيبين والمتطوِّعين.

 

هذه مبادئ لها منزلة عالية في جدول الأعمال عند الفرقة المرجعيّة لشؤون دَعْم الصحَّة العقليَّة والحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة التابعة للجنة الدائمة المشتركة بين الهيئات،[5] وهي أيضاً مبادئ بُيِّنَت في قرار كانون الأول/ديسمبر 2019[6] الصادر عن لحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، الذي يدعو إلى إدماج دَعْم الصحَّة العقليَّة والحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة في كلِّ جوانب استجابتها للطوارئ.

ومع أنَّ خطواتٍ مُهمةً قدِ اتُّخِذَت، فبسبب التَّزَايُد في سوء الصحَّة العقليَّة، صار بِنَا حاجةٌ ماسَّة إلى زيادة استثماراتنا في التمويل، وكذلك في الجهود السياسية والنَّهج السياسيّ وفي تنمية الموارد البشرية. وفي كانون الأول/ديسمبر 2020، عُقِدَ اجتماع رفيع[7] في أسبوع المعونة الإنسانية، أصدر فيه كثير من الهيئات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة دعوةً مشتركة إلى العمل، وحثَّت الأطراف على الوفاء بما التزمته قَبْلاً في إيصال الخدمات في دَعْم الصحَّة العقليَّة والحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة بين القطاعات حتَّى تُقضَى حاجات المتضررِّين بالطوارئ.[8] وفي كانون الثاني/يناير 2021، اعتمد المجلس التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية قراراً في الاستعداد والاستجابة للصَّحة العقليَّة في الطوارئ الصحيَّة العامَّة.[9] ويدعو القرار جمعية الصحَّة العالميَّة في 2021 إلى اعتماد خطة العمل المُحدَّثة في الصحَّة العقليَّة، ويدعو الدول الأعضاء إلى تخصيص التمويل الكافي، ويدعو منظَّمة الصحَّة العالميَّة إلى تقوية قدرتها في ميدان الصحَّة العقليَّة.

إنَّ الصحَّة العقليَّة ليست ضرباً من الإتراف ولا فكرةً دابرةً ولا عِبئاً زائداً. إنها أداةٌ فعَّالة إذ تُعِين الأفراد والأسر والمجتمعات على إطلاق قوّتهم الكامنة على إنعاش صمودهم وزوايا نظرهم أو على حِفْظها أو على استرجاعها، وتُعِينهم على إعادة بناء التَّماسُك الاجتماعي، واستئناف الأخذ في سُبُل معاشهم، وتعزيز المُصالَحة. فإنَّ إطلاقَ العنان لِمَا يكمن فيهم من قوّة بدَعْم الصحَّة العقليَّة والحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة ضرورةٌ في تخفيف آثار النِّزاع والكوارث الطبيعية والتَّهجير والجوائح. وهذا إنما فِعلُهُ ممكنٌ بشرط أن نعمل بمُشاركةٍ قويّة مع المُتضرِّرين، والمنظَّمات الشعبية، وجماعات المجتمع المدني، والاستفادة مما بين يدينا اليومَ من التجربة والخبرة والأدوات، والبناء عليها.

وإِّني لأستَحسِنُ وافرَ استحسانٍ هذا العدد من نشرة الهجرة القسرية إذِ اختُصَّ بدَعْم الصحَّة العقليَّة والحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة، وجاء مناسباً للمزاولين وراسمي السِّياسات والباحثين بالسَّواء. وهو نِعْمَ العبَّارةُ إلى جملةٍ من المعارف والخبرة مُكتَنزَةٍ يلزم نشرها. وإنِّي أدعو كلَّ الحكومات والفاعلين إلى أن يتعاونوا على العمل، وأن يلتزموا التزاماً قويّاً بمعالجة حاجات الصحَّة العقليَّة عند المُهجَّرين في جميع العَالَم، وأن يستفيدوا حقّ الاستفادة ممَّا في دَعْم الصحَّة العقليَّة والحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة من قوَّة كامنة. ذلك أنَّ دَعْمَ الصحَّة العقليَّة والحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة يُعِينُ على حِفْظ سلامة عُقُولنا ومجتمعاتنا جميعاً.

 

سِگْرِد كَاْگ

وزيرة التجارة الخارجية والتعاون الإنمائيّ في مملكة هولندا MHPSS@minbuza.nl

 

[1] www.youtube.com/watch?app=desktop&v=XLJlqcFYfeM&feature=youtu.be

[2] WHO (2020) The impact of COVID-19 on mental, neurological and substance use services: results of a rapid assessment

(وَقْعُ داء الحُمَة التاجية (كوڤيد 19) في الخدمات العقليَّة والعصبيَّة وتعاطي الموادّ: نتائج من تقدير سريع)

 www.who.int/publications/i/item/978924012455

[3] See ‘Enhanced Integration of MHPSS & Peacebuilding’, October 2020

(تعزيز التكامل في دَعْم الصحَّة العقليَّة والحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة وبناء السلام)

 www.youtube.com/watch?app=desktop&v=Zg-i-SlEBIo&feature=youtu.be

[4] المؤتمر الدوليّ في دَعْمُ الصحَّةِ العقليَّة والحالِ النفسانيَّة الاجتماعيَّة في الأزمات – انعقد في أمستردام، في 7-8 تشرين الأول/أكتوبر 2019.

 www.government.nl/ministries/ministry-of-foreign-affairs/events/mental-health-and-psychosocial-support-in-crisis-situations?utm_campaign=mhpss2019.nl&utm_source=mhpss2019.nl&utm_medium=redirect

 إعلان أمستردام

 www.government.nl/ministries/ministry-of-foreign-affairs/documents/diplomatic-statements/2019/10/08/amsterdam-conference-declaration

[5] https://interagencystandingcommittee.org/iasc-reference-group-on-mental-health-and-psychosocial-support-in-emergency-settings

[6] https://rcrcconference.org/app/uploads/2019/12/33IC-R2-MHPSS-_CLEAN_ADOPTED_en.pdf

[7] انظر: https://streams.nfgd.nl/9-december-2020-high-level-on-mhpss-in-crises crises-Dec2020-video

[8] https://interagencystandingcommittee.org/iasc-reference-group-mental-health-and-psychosocial-support-emergency-settings/joint-interagency-call-action-mhpss-2020

bit.ly/IASC-MHPSS-CallForAction-Dec2020

[9] WHO (2021) Promoting mental health preparedness and response for public health emergencies:

(تعزيز الاستعداد والاستجابة للصحَّة العقليَّة في الطوارئ الصحيَّة العامَّة)

https://apps.who.int/gb/ebwha/pdf_files/EB148/B148(3)-en.pdf

إخلاء مسؤولية

جميع الآراء الواردة في نشرة الهجرة القسرية لا تعكس بالضرورة آراء المحررين ولا آراء مركز دراسات اللاجئين أو جامعة أكسفورد.

 

facebook logo Twitter logo RSS logo email.png

Forced Migration Review
Refugee Studies Centre
Oxford Department of International Development
University of Oxford
3 Mansfield Road, Oxford OX1 3TB, UK
fmr@qeh.ox.ac.uk  +44 (0)1865 281700