المهاجرون المفقودون وأسرهم: دعوة إلى زيادة التنسيق الدولي

تقوية التزام التَّنسِيق والتَّعاون ضرورة إذا أُرِيد للفاعلين أن يكونوا أَفعَلَ في تحديد مكان المهاجرين المفقودين وإعانة أسرهم. ومن المبادرات الجديدة ما يفسح سبيلاً للمُضيِّ قُدُماً.

البحث عن المهاجرين المفقودين عملٌ عابر للأوطان، بل وعابر للقارات، يستدعي التعاون بين طائفة عريضة من الفاعلين.[1] وقد كان يفتقر إلى إطار عمل حكومي دولي عالمي في مثل هذا التعاون، لكن هذا تغيَّر مع إدراج الغرض الثامن (بحضٍّ من اللجنة الدولية للصليب الأحمر) في الاتفاق العالمي للهجرة. وبذلك، التزمت أكثر من 150 دولة ببذل جهد مُنسَّق في شأن المهاجرين المفقودين، ومن السبل إلى ذلك توحيد جَمْع المعلومات وتبادلها وإنشاء تَنسِيق عابر لأوطان في تعرُّف الهوية والاتِّصال بالأُسَر.

على أنَّ نقلَ وجوه الالتزام السياسيّ إلى أفعال يقتضي معلومات حتَّى تُحدَّد المشكلة وتُحلَّل. وهذا متحدٍّ سيء السمعة إذ يصعب الحصول على ما يعتدُّ به من عدد المهاجرين المفقودين، لأسبابٍ منها طبيعة السريَّة في الهجرة في كثير من الأحيان. هذا ويكثر أن تَلوِيَ التصورات عُنُقَ المسألة، وهذا ظاهر التركيز في كلِّ من التقارير الإعلامية والاهتمام الرأي العام بسياقات البحر المتوسط أو أمريكا الوسطى، فيُهمَلُ من ثمَّ المدى الواسع لتدفقات الهجرة داخلَ إفريقيا أو آسيا أو الشرق الأوسط. ولذلك كانت المبادرات، من مثل مشروع المهاجرين المفقودين التابع للمنظَّمة الدولية للهجرة أو المرصد الإفريقي للهجرة والتنمية الذي أنشأه الاتحاد الإفريقي بأخرةٍ، بالغةً في الأهمية لإنشاء خط قاعديّ للسياسة العامة وإتاحة التحليل الذي تشتدُّ الحاجة إليه.     

ومع هذا يُحتَاجُ إلى أطر ملموسة لتَنسِيق جهد الفاعلين المعنيِّين على طول طرق الهجرة للوقاية[2] من الفقد ولحلِّ قضايا المهاجرين المفقودين، ومن السبل إلى ذلك جَمْع المعلومات من مصادر مختلفة وتجميعُها والتشارك فيها ومقابلتها بعضها ببعض. ثم إنَّ فحص سُنَن العمل المتّبعة اليومَ وتقديم الإرشاد في كيفية تحقيق ما تقدَّم ذكره غرضٌ يسعى إليه مشروع المفقودين التابع للجنة الدولية للصليب الأحمر منذ أطلَقَتْه سنة 2018.[3]

استِجمَاعُ أصحابِ المَصلَحة

أنشأت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بناءً على خبرتها الطويلة في هذا الميدان، مشروع المفقودين لتَجمِيعِ مجتمع عالَمي من أصحاب المصلحة لأجل أن يشتركوا في وَضْع إرشادات لتحسين الاستجابة.[4] وفي مناقشاتٍ أُدِيرَت في ورشةٍ للخبراء سنة 2019[5]، أثبتَ نحو 60 مزاولاً يمثلون دولاً ومنظَّماتٍ وأُسَر المهاجرين المفقودين أنَّ بعض العقبات الرئيسة هي: انتفاء سنن عمل ومعايير راسخة في ميدان جَمْع المعلومات، ومُتحدِّيات حماية المعلومات الشخصية الحسَّاسَة، وضَعْف سُنَن عمل المتَّبعة في الطب الشرعي. وأيضاً فقد ذكر المشاركون وأكَّدوا مُتحدِّيات مُعيَّنة تعترض أُسَر المفقودين، مثل صعوبة الحصول إلى المعلومات من بلد آخر، وانتفاء الثقة بسلطات الدولة، والمعوِّقات الديوانيَّة (البيروقراطية) والقانونية واللغوية. وبالنظر إلى الموارد والخبرات التي قدمها الفاعلون من غير الدول وإلى أهمية إشراك الأُسَر في البحث، حصل اتفاق عامّ على أن أنموذج أصحاب المصلحة المُتعدِّدين للتنسيق قريبٌ أن يُحقِّقَ النتائج المرجوَّة.

ولكي تُحوَّل هذه النتائج إلى عمل، اقترح المشاركون أن يُنشِئ مشروع المفقودين ثلاث مخرجات مُحدَّدات. فأوَّلها، أنّا قد عملنا على مُسوَّدة جملة معطيات للتَّوفيقِ بين المعلومات المتَّصلة بالبحث عن المهاجرين المفقودين.[6] وبدل أن نستبدل بسُنَن العمل المتَّبعة غيرَها بنَيْنا عليها، فجمعنا بين استئمارات الإنتربول واستئمارات تستعملها حركة الصليب الأحمر والهلال الأحمر، فخرجت وثيقة تحتوي على أسئلة موحَّدة تستوعب معلومات مثل التفاصيل الشخصية للمهاجر المفقود، ومميِّزاته الجسمانيَّة والأحوال الملابِسة لاختفائه. وثاني المُخرَجات نشر مؤلَّف اسمه (مبادئ تفاعل أصحاب المصلحة وأُسَر المهاجرين المفقودين).[7] وهو مؤلَّف يُعالِج ما تقدَّم ذكره من تحدِّيات تعترض الأُسَر، ويُقدِّم بين يَدَيهِ الإِرشادَ للفاعلين في كيفية معاملتها، وورد فيه تَوكِيدُ مركزيَّة شأنِ الأُسَر في كلِّ بحثٍ عن مفقود.

وأما الوثيقة الثالثة فنقول إنَّها أكثر الوثائق الثلاث تعقيداً، وهي جملةٌ من (المبادئ التوجيهية في التَّنسِيق وآليات تبادل المعلومات للبحث عن المهاجرين المفقودين).[8] وتتألَّف هذه الآليات –الموضوعة لبيان مصير المهاجرين المفقودين والنواحي التي انتهوا إليها، سواء كانوا أحياء أو أموات– من شبكة سهلية التكيُّف من أنواع مختلفة من أصحاب المصلحة المتعاونين على تبادل المعلومات وتحليلها في مسالك الهجرة، الذين يمكن أن تختلف شؤونهم وأهميَّتهم النسبية على حسب السياق. وتُحدِّد وثيقتنا العناصر الرَّئيسةَ لهذه الآلية: فهم مشترك للأدوار ووجده المسؤوليَّة، وطريقة مقاربة مُنسَّقة لتدبير المعلومات قد تشمل أدوات تقبل التشغيل البينيّ، ومسارات مُحدَّدة بيِّنة لتبادل المعلومات، واتفاقيات قانونية تقوم عليها كلّ العناصر المتقدّمة الذكر. وأيضاً تَصِف مسوَّدة المبادئ التوجيهية الخطوات الأولية التي يلزم اتِّخاذها في الصعيد الوطني، مثل التَّوفيقِ ومركزيَّة المعطيات التي يجمعها فاعلون شتَّى. وإذ قد كان سياق الهجرة حساساً، فقد أُكِّدَت في الوثيقة الحاجة إلى شِدَّة حماية المعطيات الشخصية.[9]

وقد بُنِيَت وثيقة الإرشاد على جملةٍ من المبادئ التوجيهية التي يعتمدها اليومَ المؤتمر الإقليمي للهجرة في الأمريكيَّتَين، وذلك لتستقيم الوثيقة على التزام المشروع بالتوصيات الأساسيَّة، ما أمكن، في سُنَن العمل المتَّبعة اليومَ. وهذا إنما هو أول إطار عمل حكومي إقليمي يُحدِّدُ أساليب ملموسة للتعاون في مسألة المهاجرين المفقودين. ويُمَاثِل ذلك أنَّ المبادئ التوجيهية تُبيِّن توصيات مُحدَّدة مشيرةً إلى سُنَن العمل المُتَّبعة.

ما المحُتاجُ إليه بعدُ؟

ثم إنَّ المناقشات التي دارت بيننا وبين الخبراء والمزاولين لا تدع لنا أدنى حيّزٍ للشكِّ في أن بالجهد المبذول لبلوغ الغرض الثامن حاجةٌ إلى التَّعزيز والتَّنسيق. وصحيح أنَّ بعض التقرير ترد من بعض البلدان بالإجراءات المُتَّخذة هناك في الصعيد الوطنيّ –مثل تعزيز أنظمة الطب الشرعي الوطنية–، ولكن هذا الجهد يلزم منه انتفاء الكفاية إن بُذِل بلا عمل دولي مُنسَّق. فزِيَادةُ العَزْم والتنسيقَ في عمل الحكومات حاجة لا تزال تُلِحُّ.

ولمَّا انتفت الإجراءات الحاسمة عند الحكومات، كثَّف المجتمع المدني وغيره من الفاعلين غير الحكوميِّين العملَ لملء الفراغ في نواحٍ من العالم كثيرةٍ. على أنَّ عملهم كثيراً ما يكون ضيِّقَ النطاق مُفتقراً إلى الموارد والدعم من السلطات المَعنيَّة. فإنَّا مقتنعون أن شأنَ أقوى الفاعلين الدوليِّين مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر ضروريٌّ في إعانة الدول على أن تستوفي من التزمَتهُ، وهذا مُتمٌّ لما تقدَّم ذكره من بذل الجهد. فشأنٌ كهذا إنما يحتاج إلى أن يُجاوِز الدعوة إلى اجتماعٍ أو المشورة التقنية فيَبلُغَ الدعم الملموس –مثل ما لع علاقة بتدبير المعطيات والمعلومات– ليُمكِّنَ التنسيقَ بين الدول وغيرها. مثال ذلك: أنَّ اللجنة الدولية للصليب الأحمر تعمل اليومَ على إنشاء منصة رقمية تفتح السبيل للسلطات والفاعلين الآخرين أن يتبادلوا ويدبّروا المعطيات والمعلومات المتَّصلة بأمور المفقودين، وجعل كلِّ ذلك آمناً في الصعيد الوطني والعابر للأوطان.

ثم إنَّ إنشاء منهجيات وأعمالاً للتَّحقيق وتعرُّف الهوية تُستعمَل فيها هذه المعلومات استعمالاً فعَّالاً، وتُكيَّفُ بطائفةٍ عريضة من السياقات والموارد الحاضرة– ما يزال مُتحدِّياً شديداً.[10] على أنَّ بذلَ الجهد والاستثمارات الطويلة الأمد ليُضمَنَ تحقيق التنسيق وتبادل المعلومات على طول مسالك الهجرة ضرورةٌ، إذا أردنا إجابة الأُسَر التي تبحث عن عزيزٍ لها مفقود.

 

سِلْفِي ڤَن لامِرَيْه svanlammeren@icrc.org

نَصِيحةٌ، في مشروع المفقودين، من اللجنة الدولية للصليب الأحمر

 

فلوريان فُن كُونِش fvonkoenig@icrc.org 

نَائبُ رئيسٍ، في مشروع المفقودين، من اللجنة الدولية للصليب الأحمر

 

[1] لا تعريفَ قانونياً دولياً لمصطلح «المهاجرين المفقودين». وتعرِّف اللجنة الدولية للصليب الأحمر المفقودينَ بأنهم أفراد لا يعرف أقاربهم المواضع التي انتهوا إليها، أو بأنهم الذين يُبَلَّغُ فقدهم، بناءً على معلومات يُعتَدُّ بها، نتيجةَ نزاعٍ مسلح أو غير ذلك من حالات العنف أو كارثة أو هجرة.

[2] من شاء الاطلاع على توصيات السياسات العامَّة في وقاية المهاجرين من أن يُفقَدوا فليَنْظر:

ICRC (2017) Missing Migrants and their Families, Recommendation 1 www.icrc.org/en/publication/missing-migrants-and-their-families-icrcs-recommendations-policy-makers

[3] www.icrc.org/en/publication/4375-missing-persons-project

[4] يجمع مشروع المفقودين بمنصَّة افتراضية بين الخبراء وممثلي الأُسَر وأصحاب المصلحة الآخرين حتَّى تُثَارَ المناقشة ويُبنَى توافق الآراء في سُنَن العمل الحُسْنى وتُعزَّز المعايير التقنيَّة القائمة وتُنشَأَ وتُطوَّر معايير جديدة عند الحاجة إليها. فإن شئت الانضمام إلى جماعة المزاولين العالميَّة اتَّصل بأحد المؤلِّفَين.

[5] اشتركَ في تنظيمه اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومشروع المهاجرين المفقودين التابع للمنظمة الدولية للهجرة والفِرقَة الأرجنتينيَّة لأَناسَة الطبِّ الشرعي. انظر:

 ICRC (2020) Clarifying the fate and whereabouts of missing migrants: Exchanging information along migratory routes

(بيان مصير المهاجرين المفقودين والنواحي التي انتهوا إليها: تبادل المعلومات في مسالك الهجرة)

 www.icrc.org/en/publication/clarifying-fate-and-whereabouts-missing-migrants-exchanging-information-along-migratory

[6] باب التشاور في جملة المعطيات مفتوح للنَّاس حتَّى 15 نيسان/أبريل 2021:

www.icrc.org/en/document/draft-minimum-standard-dataset-search-missing-migrants

 اقرأها بالعربية:

 www.icrc.org/ar/document/مسودة-مجموعة-البيانات-المعيارية-الدنيا-للبحث-عن-المهاجرين-المفقودين 

[7] باب التشاور في مسوَّدة الوثيقة مفتوح للنَّاس حتَّى 15 نيسان/أبريل 2021:

www.icrc.org/en/draft-principles-stakeholder-interaction-families-missing-migrants

[8] باب التشاور في مسوَّدة الوثيقة مفتوح للنَّاس حتَّى 31 أيار/مايو 2021:

www.icrc.org/en/document/guidelines-coordination-missing-migrants

[9] انظر:

 ICRC (2020) Handbook on Data Protection in Humanitarian Action, 2nd Edition

(دليل حماية المعطيات في العمل الإنسانيّ)

www.icrc.org/en/publication/430501-handbook-data-protection-humanitarian-action-second-edition

bit.ly/ICRC-Handbook-data-protection-2nd-edition

[10] إن شئت مثالاً على سُبُل الأخذ بعملٍ كهذا، فانظر:

ICRC (2020) The Missing and Deceased Migrants and their Families Program in South Africa and Zimbabwe

(برنامج المهاجرين المفقودين والموتى وأُسَرهم في جنوب إفريقيا وزِمْبابوي)

 www.icrc.org/en/document/southern-africa-icrcs-activities-favour-migrants

إخلاء مسؤولية

جميع الآراء الواردة في نشرة الهجرة القسرية لا تعكس بالضرورة آراء المحررين ولا آراء مركز دراسات اللاجئين أو جامعة أكسفورد.

 

facebook logo Twitter logo RSS logo email.png

Forced Migration Review
Refugee Studies Centre
Oxford Department of International Development
University of Oxford
3 Mansfield Road, Oxford OX1 3TB, UK
fmr@qeh.ox.ac.uk  +44 (0)1865 281700