جنوب شرق آسيا والتحرر من أوهام إعادة التوطين

في حين تُعدُّ إعادة التوطين حلاً لا يُلجأ إليه إلا في ظروف استثنائية، كانت إعادة التوطين في جنوب شرق أسيا وما زالت وستبقى الحل الدائم الأهم للاجئين.

كانت إعادة التوطين في مرحلة زمنية سابقة الحل ’المفضل‘ للاجئين. ففي الفترة الممتدة ما بين منتصف السبعينيات إلى منتصف التسعينيات، مثَّلت إعادة التوطين دوراً مهماً وكانت بلدان اللجوء الأول الرئيسية في المنطقة متمثلة بتايلندا وماليزيا وإندونيسا التي أتاحت خيار اللجوء المؤقت للاجئين القادمين من كمبوديا ولاوس وفيتنام شريطة الإسراع في إعادة توطينهم في بلد ثالث. وفي نهاية المطاف، أعيد توطين قرابة مليون و315 ألف شخص في حوالي 30 بلداً في العالم، يضاف إليهم 650 ألف فيتنامي ممن أعيد توطينهم في الولايات المتحدة الأمريكية ضمن إطار برنامج الرحيل المنتظم.

ومع أنَّه ما من شك في الدور المحوري الذي مثلته إعادة التوطين في حماية اللاجئين وفي حل أزمة اللاجئين الهندو-صينيين، فقد ثبت، وفقاً للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أنَّ حجم العمليات "كان له أثر سلبي على اللاجئين وعلى بعض المفهومات الأساسية للحماية الدولية". [i]وعلى وجه الخصوص، مثلت جهود إعادة التوطين التي بذلتها الدول الغربية في السنوات الأولى من الأزمة دوراً مهماً في ظاهرة ’إعياء الرأفة‘ التي دفعت تلك الدول ذاتها إلى تبني مزيد من التدابير التقييدية في النصف الأول من الثمانينيات. وبغياب ضمانات استضافة اللاجئين في إقليمها، عمدت دول اللجوء الأول في المنطقة بدورها إلى إغلاق حدودها بوجه اللاجئين رافضة منح صفة اللجوء المؤقت، بل صدَّت القادمين من البحر وأعادت اللاجئين الذين وصلوا إليها إلى بلدانهم الأصلية، فيما يمثل خرقاً لمبدأ عدم الإعادة القسرية.

وخَلُصَت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى نتيجة مفادها أنّ قرار تبني مقاربة عامة لإعادة التوطين في المنطقة "ألقت" بعدة طرق "ظلالها الممتدة على دور إعادة التوطين كحل وكوسيلة للحماية."[ii] فبرأي المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، مثَّل القرار المتخذ في عام 1979 لمنح إعادة التوطين لمُهجَّري القوارب الفيتناميين الواصلين إلى شواطئ جنوب شرق آسيا "‘عامل جذب‘ ساهم في ظهور موجة غير منظَّمة لخروج الناس وارتفاع أعداد المغادرين لبلادهم لأسباب اقتصادية واجتماعية وليس لأسباب تعرضهم للاضطهاد". ولذلك، اقترحت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إعادة النظر في إعادة التوطين كحل محصور على حالات معينة من حالات الحماية، ملاحظةً أنَّه "من الحكمة تجنب نوع البرنامج المؤسس للتعامل مع الفيتناميين"  حيث بُذِلت الجهود لإعادة توطين جميع أفراد مجموعة معينة من اللاجئين. وتعتقد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أنَّ مثل هذه التدابير ستقود بلدان إعادة التوطين التقليدية إلى تشديد سياساتها التقييدية.[iii] وساهمت هذه التطورات مساهمة كبيرة في إحداث نقلة نحو العودة الطوعية كحل مفضل لمشكلات اللاجئين في النصف الأول من الثمانينيات.

ومع نهاية الثمانينيات، كان من الواضح أنَّ ما بدأ بخروج لاجئين فروا من اضطهاد الحكومة الشيوعية في فيتنام تطور إلى موجة ضمت في معظمها مهاجرين اقتصاديين مدفوعين برغبة في إعادة التوطين شبه المضمون في البلدان الغربية. ورداً على ذلك، ظهرت خطة العمل الشاملة بشأن اللاجئين الهندو-صينيين وتُبنِّيت في يونيو/حزيران 1989 لوضع حد لخروج لاجئي القوارب الفيتناميين لتكون وفقاً لزعم البعض المبادرة الدولية الأولى لاستجابة إلى ظاهرة ’الهجرة المختلطة‘. وجاءت هذه الخطة بإجراء خاص بتحديد صفة اللاجئ على المستوى الإقليمي بهدف التمييز بين المهاجرين الاقتصاديين واللاجئين الواصلين بعد تاريخ معين.

وكان الهدف من هذه الخطة في واقع الحال توجيه حالات المغادرة من خلال برنامج الرحيل المنظم و"الحد من أحقية [ما تبقى منهم] في إعادة التوطين كلاجئين معترف بهم."[iv]

وفي حين يشار إلى خطة العمل الشاملة على أنَّها مثال جيد للمقاربة الإقليمية المتبعة في التعامل مع التحركات الكبيرة للمهاجرين واللاجئين، فيلاحظ أنَّ المجتمع الدولي مثَّل دوراً محورياً في إنجاح المبادرة. وبالفعل، تقرر أنَّ جميع الواصلين إلى بلدان العبور قبل انتهاء الموعد النهائي بالإضافة إلى الواصلين بعده ممن اعترف بهم على أنهم لاجئون من خلال إجراء تحديد وضع اللجوء سوف يعاد توطينهم بسرعة. أما الذين تبين أنهم ليسوا لاجئين فوجب إعادتهم إلى بلدهم "ويفضل أن تكون عودتهم طوعاً" وفق خطة العمل الشاملة، مع إمكانية تطبيق تدابير أخرى متصورة عند الضرورة. وإجمالاً، أعيد توطين 80 ألف فيتنامي ضمن إطار خطة العمل الشاملة.

الوضع الحالي

مع أنَّ عدد اللاجئين في جنوب شرق آسيا أقل مما كان عليه خلال الأزمة الهندو-صينية، ورغم الازدهار الذي بدأت بعض دول المنطقة تشهده، بقي إعادة التوطين في جنوب شرق آسيا الحل الدائم الأكثر تفضيلاً. أما الاندماج المحلي فهو غير مطروح كحل باستثناء بعض المجموعات الخاصة من الناس التي تتمتع بروابط إثنية وثيقة مع السكان المحليين. أما بالنسبة للعودة الطوعية فنادراً ما يكون حلاً متصوراً. وقد أعيد توطين 100 ألف لاجئ من ميانمار ممن قدموا من مخيمات اللاجئين في تايلند منذ عام 2004 خاصة بعد إعادة توطين كثير من الناس من ماليزيا خلال المدة ذاتها ما يمثل جزءاً غير متناسب من الجهد العالمي لإعادة التوطين. ومنذ عام 2009، تضيف الفليبين واحدة من ثلاث آليات لمرافق العبور الطارئة وهي عبارة عن مركز عبور يسمح للاجئين بالمكوث فيه إذا لم يكن بمقدورهم البقاء في بلادهم أو في بلاد اللجوء الأولى لأسباب تتعلق بالحماية إلى حين إعادة توطينهم في بلد ثالث. وتكتسب هذه الآلية أهمية خاصة في جنوب شرق آسيا إذ تُظهِر بلدانها المنتمية إلى رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) كراهية كبيرة لعرض اللجوء على الناس القادمين من دول آسيان الأخرى من مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لتلك الدول، وهو من المبادئ المحورية المتبعة في الإقليم.

وفي سياق ما يسمى بأزمة خليج البنغال وبحر أندامان في عام 2015، وفّرت ماليزيا وإندونيسيا مجدداً المأوى المؤقت للأشخاص القادمين من البحر على شرط حصولهم على حل دائم خلال عام واحد. وسيكون هذا الحل بطبيعة الحال إعادة التوطين لقرابة 600 لاجئ من الروهينغيا ممن لا يمكن إعادتهم إلى ميانمار.

والأمر المثير للاهتمام أنّ بلداناً مثل الولايات المتحدة الأمريكية وغانا أعلنت عن إمكانية توطينها لبعض لاجئي الروهينغيا مع أنّ هذا الخيار لم تدعمه المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لعدة أسباب منها خشيتها على ضوء تجربتها في أزمة اللاجئين الهندو صينيين من أنَّ هذا الخيار سوف يصبح عامل جذب يتسبب في تفاقم المشكلة بتشجيع مزيد من الناس على الرحيل. كما تصورت أنَّه في سياق منطقة جنوب شرق آسيا ونظراً لمحدودية عدد الأشخاص المعنيين يمكن ابتداع حلول خلاَّقة مثل منح الأشخاص صفة العامل المهاجر في دولة اللجوء. لكنَّ هذا الخيار تستبعده الدول المعنية ما يترك إعادة التوطين مجدداً الحل المتبقي.

 

سيباستيان موريتيmorettiseb@gmail.com

زميل أول، مركز الهجرة العالمية، معهد الدراسات العليا في الدراسات الدولية والإنماء.http://graduateinstitute.ch/gmc

 



[i] الجمعية العامة للأمم المتحدة (1986) ‘ملحق بتقرير المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين‘، من وثائق الأمم المتحدة. A/40/12/Add.1

www.unhcr.org/excom/unhcrannual/3ae68c900/addendum-report-united-nations-high-commissioner-refugees.html

(Addendum to the Report of the United Nations High Commissioner for Refugees)

[ii] المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (١٩٩٤) ’إعادة التوطين في التسعينيات: مراجعة للسياسة والممارسة‘ www.unhcr.org/3ae6bcfd4.pdf

(Resettlement in the 1990s: A Review of Policy and Practice)

[iii] المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (1995) وضع اللاجئين في العالم 1995: بحثاً عن الحلول، مطبعة جامعة أكسفورد www.unhcr.org/3eedd8db4.html

(The State of the Word’s Refugees 1995: In Search of Solutions)

[iv] اللجنة التنفيذية، مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين (1989) ’محضر ملخص الاجتماع رقم 443‘

http://repository.un.org/bitstream/handle/11176/180914/A_AC.96_SR.443-EN.pdf?sequence=1&isAllowed=y

(Summary Record of the 443rd Meeting)

 

إخلاء مسؤولية

جميع الآراء الواردة في نشرة الهجرة القسرية لا تعكس بالضرورة آراء المحررين ولا آراء مركز دراسات اللاجئين أو جامعة أكسفورد.

 

facebook logo Twitter logo RSS logo

Forced Migration Review
Refugee Studies Centre
Oxford Department of International Development
University of Oxford
3 Mansfield Road, Oxford OX1 3TB, UK
fmr@qeh.ox.ac.uk  +44 (0)1865 281700
skype: fmreview