تسجيل اللاجئين في شرقيّ الكاميرون

يعتمد الإقرار من أوّل وهلةٍ للاجئين الذين يزعمون أنَّهم من جمهورية إفريقيا الوسطى على إثبات صلتهم بها. وهذه مهمة صعبة، تُلقِي الضوء على مواطن ضعف مَن هم معرّضون لخطر انعدام الجنسية.

منذ كانت سنة 2002 فصاعداً، لجأ السكان الذين يواجهون اضطرابات اجتماعية وسياسية متكررة في جمهورية إفريقيا الوسطى إلى البلدان المجاورة، ومنها الكاميرون. وبلغ هذا اللُّجوء ذروته في سنة 2014، فسُجِّلَ ما يقرب من 120 ألفَ لاجئ من جمهورية إفريقيا الوسطى في الجزء الشرقيّ من الكاميرون (في المناطق الإدارية: منطقة الشرق ومنطقة آدماوة ومنطقة الشمال).[i] وفي هذا الجزء من البلاد، تقع مسؤولية الإقرار بصفة اللاجئ والتسجيل على مفوضيَّة اللاجئين فقط، فباستثناء العاصمة ياوندي، لم تضع الدولة بعدُ الآليات المطلوبة لتنفيذ تقرير صفة اللاجئ.

ولاستيعاب هذه الأعداد الجمّة من القادمين، كان من الضروري اتباع مقاربة أوّل وهلة (وتعني ضمناً الإقرار الجمعيّ بصفة اللاجئ) للاجئين من جمهورية إفريقيا الوسطى، على أساس اتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية لسنة 1969.[ii] وقبل تسجيل اللاجئين، يجب على مسؤولي المفوضية أولاً التثبُّت من أن رافعي الطلبات هم بالحقّ من جنسية جمهورية إفريقيا الوسطى، أو إذا لم يكن من الممكن التثبُّت من ذلك، فيجب عليهم جَمْع أدلة على أنهم كانوا يقيمون إقامةً معتادةً في جمهورية إفريقيا الوسطى. وتُبْرِزُ المصاعبُ التي تَعْرِضُ للموظِّفين في إنشاء هذا الرابط وإثباته أنّ من بين هؤلاء السكّان ناساً مُعرَّضين لخطر انعدام الجنسية.[iii]

مقاربة أوّل وهلة

يجري الإقرار الجَمْعيّ وَفْقَ مقاربة أوّل وهلة في «الأحوال ... التي هُجِّرَ فيها جماعات بأسرها في ظروف تدلّ على أنه يمكن عَدُّ كلّ فردٍ من أفراد الجماعة لاجئاً».[iv] وهاهنا عنصران رئيسان لا بدّ من ذكرهما. الأول، أنه يجب إثباتُ وجود ظروفٍ موضوعيَّة تُسوِّغ الفرار، مثل النِّزاع، أو الاحتلال، أو الانتهاكات الجسيمة لحرمة حقوق الإنسان، أو انتشار العنف، أو الأحداث التي تخلُّ إخلالاً خطيراً بالنِّظام العامّ. والآخر، أنه يجب أن يكون هناك تدفُّقٌ هائل للناس، بحيث يكاد يكون من المستحيل إجراءُ تحليلٍ شاملٍ للحالات الفردية.

هذا، وقد كان حال النِّزاع والعنف المُعمّم في جمهورية إفريقيا الوسطى معروفاً في نطاقٍ واسع، فكان فيه أسبابٌ موضوعيَّة للفرار. وبسبب العدد الجمّ من القادمين، والحاجة المُلحَّة إلى إتاحة الحماية الدولية، ونَقْص الموارد عند مفوضيَّة اللاجئين، ما كان ممكناً تطبيق الإجراءات الرسميّة لتقرير صفة اللاجئ. لذلك طُلِب من موظَّفي مفوضيَّة اللاجئين في الميدان إجراء مقابلاتٍ موجزةٍ شبه منظَّمة مع رافعي الطلبات، والهدف من ذلك إثبات أنهم ينتمون إلى جماعة محدَّدة، ألا وهي جماعة مواطني جمهورية إفريقيا الوسطى، أو المقيمين فيها ثمّ فروا نتيجة للأحوال السائدة.

فكانت المهمَّة أكثر تعقيداً مما مضى؛ ذلك لأن الحدود سهلة الاختراق بالقياس إلى غيرها، فالمجتمعات المحليّة التي تنتمي إلى قبائل واحدة والتي تشترك في الثقافات والدين تعيش في جانبي الحدود جميعاً. ولذلك عُمِلَ على تحديد القادمين حديثاً، بمعاونة سلطات إنفاذ قانون عند الحدود، ومعاونة رؤساء القرى وقادة مجتمعات اللاجئين المستقرة أصلاً، ثم بدأ رَصْد آليات تحديد الهوية هذه للتَّقليل من مخاطر إساءة استعمالها أو الخِدَاع فيها.

إثبات جنسية جمهورية إفريقيا الوسطى

أوّل عنصرٍ في إثبات الجنسية هو التحقق من حيازة وثائق هوية من جمهورية إفريقيا الوسطى (مثل شهادة الميلاد أو بطاقة الهوية الوطنية أو جواز السفر). فإذا كان عند المدّعي مثل هذه الوثيقة ويظهر أن الوثيقة أصليّة، فلا يكون على المُوظَّف إلا إثبات أن المُدَّعي قد ترك بلده أو لا يمكنه العودة إليه بسبب أحوال معروفة. على أنّه لا بد من أن يكون هناك بديل من الاضطرار إلى تقدير الوثائق، لأنه كثيراً ما تكون الظروف المُلابِسَة لترك الناس بلدهم تعني عدم حيازتهم هذه الوثائق.

فإن لم تكن الوثائق بين يدي رافع الطلب، يجب على الموظّف الاعتماد على شهادته. ولا بدّ أن يكون في هذه الشهادة من التماسك ما يقبله العقل، ولا بدّ من أن يكون فيها ما يثبت تاريخ صاحبها ومعارفه في بلده (كالتاريخ والجغرافيا والثقافة وما إلى ذلك) ويثبت الأحوال التي دفعته إلى الفرار. ولكنّ هذا في سياق تسجيل لاجئي جمهورية إفريقيا الوسطى في الكاميرون ليس أمراً يسيراً؛ لأن كثيراً من رافعي الطلبات يأتون من مناطق ريفية، وهم لا يعرفون القراءة والكتابة، ويكثر أن يصلوا وهم مصدومون نفسانيّاً، وفي بعض الأحيان لا يكون عندهم من المعارف العامّة ببلدهم إلا القليل. لذلك، يُطلَب من الموظَّف أن يبني الثقة بينه وبين رافع الطلب بحيث تتيح جَمْعَ معلوماتٍ كافية، وأن يكون حساساً لمشكلات الفَهْم التي قد تكون مرتبطة بدرجات معرفة القراءة والكتابة أو الاختلافات الثقافية. ثم إنه يجب عليه أن يستبقي في ذهنه أنّ قانون اللاجئين يحيد بعض الحَيَدَان عن المبدأ العام للقانون القائل بأنّ عبء الإثبات يقع على عاتق المدعي. إنما هذا إجراءٌ ينبغي أن يكون مشتركاً فيه بين رافع الطلب والناظر فيه.

إثبات الإقامة وتجنُّب انعدام الجنسيَّة

في كثيرٍ من الحالات، يصعب إثبات جنسية رافعي الطلبات بدقّة لأن معظم سكان الريف في منطقة وسط أفريقيا دون الإقليمية ليس عندهم ثقافة التوثيق المدنيّ وتسجيل المواليد وبطاقات الهوية. فهم لا يدركون ما في التسجيل المدنيّ من أهمية، ويكثر أن تكون خدمات التسجيل المدني قليلةً والوصول إليها غير يسيرٍ. ثم إنّ السواد الأعظم من رافعي الطلبات هم من البدو الرّحل، جماعة من عِرْق الفُولَا، يبحثون عن المرعى، ويسافرون مع قطعانهم عابرين كثيراً من بلدان المنطقة دون الإقليمية: الكاميرون وجمهورية إفريقيا الوسطى وتشاد. يضاف إلى ذلك، أنّ جمهورية إفريقيا الوسطى استقبلت على مدى عقود من الزمن أعداداً كثيرةً من مهاجري البلدان المجاورة، ليس لمعظمهم اتصالٌ ببلدانهم الأصلية، وإن وُجِدَ فهو قليل.

فإن لم يكن لرافع الطلب وثائق هوية وكان مما رواه عن نفسه يشير إلى الوقت الذي يقضيه في عدة بلدان أو إلى أن أصله من بلد مجاور، وَجَبَ على الموظَّف التحقق ليرى هل لرافع الطلب جنسيَّة من إحدى هذه البلدان الأخرى التي ذكرها، بحيث يكون مستأهلاً الحماية الدولية؟ ويتمُّ ذلك دوماً باستماع الموظَّف بعناية إلى رافع الطلب ليفهم فهماً أفضل روابطَه بكلٍّ من البلدان التي يذكرها، وإمكانية المطالبة بجنسية إحدى هذه البلدان، وهذا قبلَ كلِّ شيءٍ، لتمكين رافع الطلب من المطالبة بالحقوق التي تمنحه إياها تلك الجنسية. فمَن يحق لهم المطالبة بجنسية مختلفة فلا يعود بإمكانهم المطالبة بالحماية الدولية. ومع ذلك، فعند الناس الذي تعليمهم قليل، قد تبدو إجراءات المطالبة بالجنسية معقدة ومكلفة، فيتعذر الوصول إليها من الوجهة العملية. وإن لم يكن ممكناً إثبات أن لرافع الطلب أصلاً جنسيّة أخرى أو جنسية يمكنه المطالبة بها، فسيجد نفسه عديم الجنسية بحكم الواقع، فيكون من الضروري أن يُبحَثَ في إمكانِ منحه صفةً بناءً على إقامته المعتادة في جمهورية إفريقيا الوسطى.

والظاهر أنّ انعدام الجنسية مشكلةٌ مُؤثِّرةٌ في الفتيات والنساء خصوصاً. إذ تُمنَحُ شهادات الميلاد لكثيرٍ من الأطفال عند الحاجة إليها لمواصلة تعليمهم. ولكن لمّا كان تعليم الفتيات ليس في مُقدَّم الأولوية، كَثُرَ أن تُحرَمَ الفتيات من فرصتهن الوحيدة في الحصول على شهادة ميلاد، ثم الحصول على بطاقة الهوية الوطنية بعدُ. يُضَافُ إلى ذلك، أنّ المركز الاجتماعي لمعظم النساء الريفيات في عِرْق الفُولَا لا يُجوِّزُ لهن دائماً تسجيلَ واقعة الولادة، من غير موافقة وحضور الزوج أو الأب أو الأخ.

وأمّا المُطالِبون باللجوء الذين يظهر أنّهم عديمو الجنسية بحكم الواقع، والذين يُقرُّ لهم بلاجئيّتهم على أساس إقامتهم المعتادة في جمهورية إفريقيا الوسطى، فيتعهَّد لهم الاتفاق الثلاثي لعودة لاجئي جمهورية إفريقيا الوسطى الذين يعيشون في الكاميرون عودةً طوعيَّة، يتعهّد لهم بأنهم عند عودتهم يمكن أن يصلوا إلى إجراءات التجنُّس.[v] ثم إنّه في الحالات التي تُعارَضُ فيها الجنسية، تفترض حكومة جمهورية إفريقيا الوسطى، بمشاورة الحكومة الكاميرونية ومفوضيَّة اللاجئين، أنّ الفرد حاملٌ الجنسية التي أعلن حملَه إيّاها ساعةَ سجّلَ لجوءه، هذا ما لم يكن هناك دليل ملموس على عكس ذلك. ويظهر أن أحكام الاتِّفاق الثلاثي هذه خطوات حسنة في مكافحة انعدام الجنسية، مع أنه ينبغي متابعة تنفيذها من كثب؛ لأن تنفيذها يحتاج إلى موارد كثيرة.

وبعدُ، فمعالجة مشكلة الناس المُعرَّضين لخطر انعدام الجنسية يُجاوِز إدارةَ مفوضيَّة اللاجئين لأزمةِ اللاجئين الراهنة. فهي مشكلةٌ يحتاج حلُّها إلى مقاربة موحَّدةٍ وليّنة بين عديد من البلدان في المنطقة دون الإقليمية، مثل الكاميرون وتشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى، حتى نيجيريا. ومن ذلك أن تُنشِئ هذه البلدان لجنةً مشتركةً تعمل على وَضْع قوانين لها في تسجيل المواليد والجنسية، بحيث تعطي خبرة الرحَّل وحاجاتهم حقّها من النَّظر. ويمكن أن يكون لهذه اللجنة أيضاً وظيفة الفَصْل في الحالات المُعقَّدة من تقرير الجنسية، لتجنُّب وقوع الناس في حفرة انعدام الجنسية.

تِيَاجُه جِسْلَان tiadjeu@unhcr.org

معاونٌ في شؤون الحماية، بمفوضيَّة اللاجئين في باتوري، بالكاميرون www.unhcr.org

 

كلُّ ما ورد من آراءٍ في هذه المقالة هي آراء كاتِبِها وقد لا تستوي هذه الآراء وآراء مفوضيَّة اللاجئين.

 

[i] إن شئتَ رؤية إحصاءات اللاجئين في الكاميرون انظر: https://data2.unhcr.org/en/country/cmr.

[ii] UNHCR (1969) ‘OAU Convention Governing the Specific Aspects of Refugee Problems in Africa

(اتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية التي تحكم المظاهر الخاصة بمشكلات اللاجئين في إفريقيا)

 https://www.unhcr.org/uk/about-us/background/45dc1a682/oau-convention-governing-specific-aspects-refugee-problems-africa-adopted.html bit.ly/OAU-Convention

[iii]انظر أيضاً العدد 32 من نشرة الهجرة القسرية في انعدام الجنسية www.fmreview.org/statelessness

[iv] UNHCR (2015) Guidelines on International Protection No. 11: Prima Facie Recognition of Refugee Status

(المبادئ التوجيهية في الحماية الدولية ذات الرقم 11: الإقرار من أوّل وهلة بصفة اللاجئ)

https://www.refworld.org/docid/555c335a4.html bit.ly/UNHCR-Guideline11

[v] UNHCR (2019) Tripartite Agreement for the Voluntary Repatriation of Central African Refugees Living in Cameroon between the Government of the Republic of Cameroon, the Governments of the Central African Republic and UNHCR

(الاتفاق الثلاثي بين حكومة الكاميرون وحكومة إفريقيا الوسطة ومفوضيَّة اللاجئين، لعودة لاجئي جمهورية إفريقيا الوسطى الذين يعيشون في الكاميرون عودةً طوعيَّة)

 https://www.refworld.org/docid/5d2f244a4.html bit.ly/TripartiteAgr-CAR-Cameroon-2019

إخلاء مسؤولية

جميع الآراء الواردة في نشرة الهجرة القسرية لا تعكس بالضرورة آراء المحررين ولا آراء مركز دراسات اللاجئين أو جامعة أكسفورد.

 

facebook logo Twitter logo RSS logo email.png

Forced Migration Review
Refugee Studies Centre
Oxford Department of International Development
University of Oxford
3 Mansfield Road, Oxford OX1 3TB, UK
fmr@qeh.ox.ac.uk  +44 (0)1865 281700
skype: fmreview