مشكلة توزيع عمال الإغاثة الـ (إل جي بي تي) في الميدان

عندما يكون عامل الإغاثة نفسه مثلي أو مثلية أو من مزدوجي الميل الجنسي أو من مغيري الجندر فعندها يواجه ذلك العامل كما يواجه مديره معضلات في تحديد مدى سلامة ذلك العامل ومقبوليته في بعض البلدان.

 

من وجهة نظر مدير توزيع الموظفين

في تمام الساعة الخامسة مساءً في ليلة الجمعة، كنت أوصل زميلي الجديد، ماركوس[1]، إلى دار الضيافة بعد جلسة تعريفية موجزة بخصوص توزيعه المستقبلي في الميدان. وكان من المقرر أن يكون على الطائرة باكر الصباح التالي. وبينما كان ماركوس ينزل من السيارة، اتجه لي قائلاً: "بالمناسبة، أنت لا تعرف أنني مثليٌ يجاهر بمثليته علناً، أليس كذلك؟".

حسناً، في الواقع، لم أعلم أمراً كهذا. وببساطة، لم أكن قد أشغلت بالي من قبل بحياته الجنسية. إلا أن المكان الميداني الذي تحدد عمل ماركوس به كان في بلد تُجرّم الممارسات المثلية، فضلاً عن أنَّ منظمتنا كانت على علاقة متزعزعة إلى حد ما مع حكومة تلك البلاد المعادية والهجومية فغالباً ما ضايقت موظفينا المحليين والدوليين لأتفه الأسباب، كما اتخذت وسائل الإعلام المحلية موقفاً مسانداً للحكومة قائلة إنَّنا جميعاً جواسيس أو غير أخلاقيين وإنَّنا فاسقون جنسياً.

وبصفتي مستشار في مقر المنظمة، شعرت أنني لم أكن مجهَّزاً تجهيزاً كاملاً للتعامل مع الوضع. ولضيق الوقت، كان مستحيلاً عليَّ الحصول على الاستشارة قبل مغادرة ماركوس، ولم أتلقَّ في جلسات التدريب الداخلي أي معلومات حول ما يجب فعله في مثل هذه الأحوال.

جلست مع ماركوس للتحدث إليه، وكنت حذراً في استخدام الكلمات أثناء توجيه الأسئلة المفتوحة حول المخاطر التي يعتقد أنها قد تواجهه وكيف يمكن إدارتها. لم يكن راغباً في أن ينتهي الأمر به في أحد السجون الأجنبية، كما أنه لا يريد الإضرار بسلامة الموظفين المحليين أو المنظمة. ولذك قرر أن الحل الوحيد هو "إخفاء هويته الجنسية" عن الجميع باستثناء من يتأكد أنه بإمكانه الثقة بهم، ومع ذلك كان لا بد له من إحاطة مديره بالأمر لكنه لم يكن متأكداً إذا كان ذلك سيكون سبباً في المشكلات أم لا.

جميعنا مطالبون باحترام قانون الدولة التي نعمل بها، لكن ماذا لو تعارض القانون مع توجهاتنا القائمة على مناهجنا القائمة على احترام حقوق الإنسان؟ فمنظمتي تدعم العمل على تحدي التمييز والمحاباة على أساس الميل الجنسي في بعض الدول ثم ما تلبث أن تجد نفسها تطالب الموظفين بإخفاء نشاطهم الجنسي وربما الكذب على زملائهم في بلدان أخرى. وعندما تصعب الأمور، فهل تكون الغلبة للاتجاه العملي على المبادئ؟

كنت أتمنى من منظمتي أن تقدم المشورة والنصح بخصوص ما يجب أن يتوقعه الموظف المعني مثل المخاطر التي قد تلحق به وشريكه وزملائه والمنظمة والدعم الذي سيحتاجه من المدير القطري وما يتعين علينا فعله إذا لم يقدم المدير القطري الدعم وماذا سنفعل إذا تعرّض لأي نوع من أنواع التمييز أو المضايقات أو تعرض للاعتقال أو الاحتجاز. أما في البلد التي حُدد فيها مكان عمل ماركوس، فكانت العقوبة المنتظرة في حدها الأقصى مائة جلدة والحبس مدة خمس سنوات.

بعد عام أو أكثر من تلك الواقعة، كنت أرتب انتداباً أخر لأحد الموظفين المثليين لبلد آخر. تحدث إلي صديقه جانباً وقال لي: "إنني أعرف فريق العمل الذي سيُرسل إليه. إنهم لن يقبلونه، ولا أظن أنه سيتأقلم مع الوضع." ثم أُلغي الانتداب إثر وقوع حادثة أمنية، لكنني تساءلت مجدداً: في حين أننا لن نقبل التمييز والمضايقات على أساس العرق ضمن فرق عمل موظفينا، تحدث المفارقة عند التعامل مع النشاط الجنسي، فنتوقع من الموظفين المثليين تغيير سلوكاتهم والكذب وإخفاء شركائهم وعلاقاتهم. في برامجنا، نتحدى توجهات رهاب المثلية، لكننا نبدو غير راغبين في تحديها ضمن فرق عمل موظفينا أو مساعدة المديرين في دعم الموظفين للتعامل مع رهاب المثلية في مكان العمل وفي الدول التي يعملون بها. لكن رغم الأسئلة الكثيرة التي نعاني في الإجابة عليها الآن، أجد على الأقل في المنظمة التي أعمل بها، أنَّ أغلبية الأشخاص ملتزمون بتحدي التمييز في الداخل وفي العالم الخارجي أيضاً.

عوداً على قضية ماركوس، فقد نجحت عملية تعيينه في الميدان دون أي مشكلة. ومنذ ذلك الحين، عمل لوكالات إغاثة أخرى في دول كانت المثلية مجرّمة فيها. ولم تكن له رفقة في جميع أماكن عمله حتى ذلك الحين، لكن الآن، ترامى إلى مسامعي أنه يسعى للحصول على مكان يمكن فيه لشريكه الانضمام إليه، وأنهما بصدد تبني طفل. لكنَّ الأماكن التي سوف يعاني  ماركوس من التحديات بشأنها على خلفية نشاطه الجنسي لا تقتصر على دول العالم النامي. فأثناء كتابة هذه المقالة، يخرج الآن مئات الآلاف من الأشخاص في شوارع باريس للاحتجاج على خطط الحكومة لإعطاء الأزواج المثليين الحق في الزواج وتبني الأطفال[2].

من وجهة نظر عامل الإغاثة المثلي

لقد اخترت دائماً أن أتجنب لفت الأنظار فيما يتعلق بميلي الجنسي عند العمل في الخارج، وذلك من خلال المزج بين المحافظة على الذات والاعتراف الذاتي، إذ إنَّ الانفتاح قد يعرّض قدرتي على أداء مهام عملي للخطر. وقد يكون هناك من ينتقدني بسبب ذلك، لكن لسوء الحظ، فإن المجاهرة بالمثلية لا يمكن أن تنسجم مع القدرة على أداء العمل الذي ذهبت إلى هذه الدول من أجله. ومن الدول الست التي عملت بها موفداً للمنظمات غير الحكومية، تعد المثلية غير شرعية في خمس منها، وفي السادسة، كباقي الدول الخمس الأخرى، فإن هناك تحريم اجتماعي وثقافي جسيم. وحقيقة الأمر أنَّ المخاطر المحتملة المباشرة للتسبب في تقويض علاقات العمل والرفض والمضايقة والابتزاز أو أي شيء أسوء كانت مصدر القلق الرئيسي لي أكثر من القلق من المضمونات القانونية.

وهكذا عشت مع شريكي في كثير من الدول، وحتى الآن، لو نواجه أي مشكلات، ذلك لأن مشاركة موفدين للسكن ليس شيئاً غريباً في حد ذاته. وأعتقد أيضاً أنه من السهل ألا يُكشف أمر اثنتين من النساء في علاقة مثلية على النقيض من العلاقة المثلية بين رجلين نظراً لأنَّ النمط الشائع للشك بالعلاقات المثلية وإبداء العدائية تجاهها تنصب على الذكور دون الإناث. وربما من غير العادل أن أعمل على افتراض أن الزملاء المحليين لا يملكون في الغالب توجهاً مواتياً تجاه المثلية. ويمكن أن أجلب ضرراً لبعض الأشخاص من خلال القيام بهذه الافتراضات، لكن إلى أن أتأكد من أنهم سيتسامحون معي ويتبقلونني بينهم ويراعون المخاطر الممكنة، سأبقى على ما أنا عليه. ولا يمكنني الاعتماد إلى على عدد قليل جداً من الزملاء المحليين الذين كنت صريحاً معهم خلال السنوات الماضية.

وإن كنت ستسألني عما ستفعله جهة عملي أو يمكنها فعله إذا كانت القضية هي أنني واجهت المضايقات داخل أو خارج العمل في الخارج نظراً لميولي الجنسية، فالحقيقة هي أنني لا أعلم. لكنني أذكر التطرق إلى الموضوع مباشرةً في الجلسات التعريفية, وفيما يخص قوانين بلد ما، فعليك تقبُّل أنَّ صاحب العمل لا يملك كثيراً لفعله. أما المضايقات داخل مكان العمل فهذه قضية أخرى يصعب التصدي لها في معرض التعامل مع التوجهات السلبية الراسخة تجاه المثلية. لكنني أرى أنه من المهم في حالة ذهاب الموظفين للعمل ما وراء البحار في أماكن لا يكون فيها المثليون مقبولين من الناحية الاجتماعية أو القانونية، فإنه يجب أن تكون هناك مساحة لمناقشة ذلك مع المديرين والمستشارين إذا رغبوا في ذلك. وهناك أيضاً مجال للتحسين في الإرشادات والتوجيهات المتاحة، بما في ذلك توقعات ومسؤوليات الموظفين وأصحاب العمل، شاملاً ذلك القضايا مثل وضع المرافقين.

قد يكون من المنفّر أن تعمل في مكان حيث توجد احتمالية سجنك لا لشيء سوى لأنك ما أنت عليه ومع معرفة أن الأشخاص الذي تعتبرهم زملاء وأصدقاء مخلصين سيعانون في تقبلك إذا عرفوا الحقيقة أو قد ينفروا منك كليةً. ومن جهة أخرى، لن تكون التنازلات المطلوبة مريحة في جميع الأوقات. فتجاربي وتجارب الأخرين ممن قابلتهم تبين إمكانية إدارة تلك الأمور باتخاذ السرية والحيطة والحذر مع أنني أعترف أنه وجب علي منذ زمن بعيد أن اقبل بحقيقة أنَّه إذا رغبت في عيش حياة كاملة ومنفتحة، بما يتضمن ذلك الحصول على الأطفال، فسيكون هناك دول لن أستطيع العيش فيها.



[1] جميع الأسماء الواردة في هذه المقالة غُيِّرت لإخفاء هويات أصحابها.

[2]

www.bbc.co.uk/news/world-europe-21004322

"مظاهرات عارمة في باريس ضد زواج المثليين في فرنسا"

'Mass Paris rally against gay marriage in France’، 13/1/ 2013

 

إخلاء مسؤولية

جميع الآراء الواردة في نشرة الهجرة القسرية لا تعكس بالضرورة آراء المحررين ولا آراء مركز دراسات اللاجئين أو جامعة أكسفورد.

 

facebook logo Twitter logo RSS logo

Forced Migration Review
Refugee Studies Centre
Oxford Department of International Development
University of Oxford
3 Mansfield Road, Oxford OX1 3TB, UK
fmr@qeh.ox.ac.uk  +44 (0)1865 281700
skype: fmreview