العُنْف على المرأة والصحَّة العقليَّة عند اللاجئات ونساء المجتمعات المُضِيفة

تتفاقم وجوه الخلل في القوة والمساواة بين الجنسين فتُعرِّض النساء والفتيات المُهجَّرات لخطر العنف عليهنَّ بسبب وجوه الضعف المتعلقة بالحالة القانونيَّة والأمن الاقتصادي والوصول إلى الخدمات وأحوال المعيشة. ومن المهم فَهْم عوامل الخطر والحماية وتحديدها لتحسين السُّبُل التي تقضها بها حاجات كلِّ من اللاجئين والمجتمعات المُضِيفة.

أجرت منظّمة أبعاد، وهي منظمة لبنانية تعمل على جميع جوانب الوقاية من العنف الجنسانيّ على المرأة والاستجابة له[1]، ومعها معهد المرأة العالمي ومقره الولايات المتحدة[2]، أجريا استطلاعاً للاجئات السوريات والنساء اللبنانيات والفلسطينيات لفَهْم تجاربهنَّ في العنف الجنسانيّ على المرأة وفي دَعْم الصحَّة العقليَّة والحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة. وقد أُجرِي الاستطلاع في أيار/مايو سنة 2019 بمعاونة أكاديميَّات ومقدِّمات خدمات لبنانيِّات في ميدان العنف الجنساني على المرأة ودَعْم الصحَّة العقليَّة والحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة. ثمَّ استُكمِلَ بمعطياتٍ نوعية جُمِعَت في مناقشات دارت بين فِرَق التركيز وقادة المجتمع المحليّ ومزاولين في ميدان العنف الجنسانيّ على المرأة ودَعْم الصحَّة العقليَّة والحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة وأفراد المجتمع المحليّ، وذلك لفهم تصوراتهم لحُسْن الحال المرء ولكلِّ مُعوِّق وكلِّ العوامل في تدعم الخدمات المُنسَّقة في هذين القطاعين.[3]

ومن بين 969 امرأة قد قُوبِلَت، ذكر 90% منهنَّ أنهن يعانين من مشكلات خطيرة بسبب واحد أو أكثر من وجوه ضعفهنَّ في محيطهنَّ: انعدام الأمن الغذائي (71%)، والصحة البدنية (62%)، والانفصال من الأسرة (56%)، والسلامة والأمن حيث يَعِشْنَ (50%). وحدَّدت المشاركات في مناقشات فِرقَة التركيز قِلَّةَ الوصول إلى الموارد المالية وقلن إنَّه السبب الرَّئيس في وجوه الضعف هذه بين المجتمعات المُضِيفة ومجتمعات اللاجئين بالسَّواء. والعنف الجنسانيّ على المرأة شائعٌ بين هذه الفئة من السكان. فقد أشار أكثر من ثُلُثِ النساء إلى أنَّهن تزوجن قبل أن يبلغ السنة 18 من عمرهنَّ، وأكثر من ثلاثة أرباع النساء اللاتي لهن شريك أو سبق أن كان لهنّ شريك قُلْنَ إنَّهن تعرَّضن لعنف العشير، ونصفهنَّ تعرَّضن لذلك في خلال السنة الماضية. ثمَّ إن ثمانية نساء من كلِّ عَشَرَة نساء عانين عُنْفَ العشير انطبقت حالاتهن على معايير الضائقة الشديدة.[4] وأيضاً فالسيطرة القسرية عاملٌ خَطِر مُهِم للضائقة النفسانيَّة. وكان الزواج القسري أو زواج الأطفال أحد أكبر عوامل الضائقة النفسانيَّة مع ضغط هائل على الفتيات العرائس، فكان لذلك أثر في علاقتهن بالزوج وبأطفالهن في المستقبل.

هذا، وعدد النساء السوريات اللواتي انطبقت حالاتهنَّ على معايير الضائقة النفسانيَّة الشديدة أكثر عدد النساء اللبنانيات في ذلك. وقد فُسِّر هذا الاختلاف في فِرَق التركيز فقيل إنَّه ناجم عن الضغط أو القلق جلبه مُجهِدٌ ماليّ وأسري، والحَيْرة في الحاضر والمستقبل، والانفصال من الأسرة، والوَصْم المرتبطة بصفة اللاجئ. وارتبط وجود مشكلةٍ خطيرة في بُعدٍ واحد فقط من وجوه الاستضعاف في البيئة المحيطة بمعدّل أعلى بكثير من الضائقة النفسانيّة الشديدة بالقياس إلى اللاتي ليس فيهنَّ مشكلات خطيرة. وكان عدد وجوه الضعف التي تسبب مشكلات خطيرة مرتبطاً ارتباطاً قويّاً بزيادة معدلات الضائقة النفسانيَّة الشديدة.

وذكرت كلّ من النساء اللبنانيات والسوريات طبيعة التَّعزِيز المتبادل بين الصَّحة البدنية والصحة العقليَّة، وكيف يمكن أن تمنعهنَّ الإصابة بأمراض مزمنة أو علل جسدية من الاعتناء بأنفسهنَّ، وكيف يمكن أيضاً أن تظهر آثار الصحَّة العقليَّة في هيئة أعراض جسدية.

وجوه استجابة النِّساء

كان عدد النساء السوريات اللاتي التمسنَ خدمات الاستجابة للعنف، وبخاصة خدمات دعم الحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة أو الصحَّة العقليَّة، أكثَر من عدد النساء اللبنانيات اللواتي التمسنَ ذلك، على أنَّ عدد النساء اللبنانيات اللاتي التمسنَ مزيدَ التعليم والتدريب المهني أكثر من النساء السوريات. وكان العائق الأساسيّ الذي اعترض البحث عن الخدمات هو أنَّ النساء إنما لم يكن يعرفن أن الخدمات حاضرة، يلي ذلك اعتقادهنَّ بأنَّهن لا يحتجن إلى خدمات لمعالجة العنف. ومِثْل ذلك أنَّ العامل الأساسي الداعم لطلب الإعانة هو أن تكون الخدمات مُوجَّهة بوضوح إلى الناس من مشاربهم وحالاتهم، ولا سيَّما للنَّساء السوريات. وهذا متَّصل بكيفية الإعلان عن الخدمات، ومكان وجودها (مثال ذلك أن تكون حاضرةً في مراكز المدن أو بالقرب من المستوطنات التي يعيش فيها اللاجئون)، وكيفية هيكلتها (مثال ذلك أن تُقدَّم في مراكز قائمة برأسها أو داخلَ مراكز «جامعة لكلِّ الخدمات» تديرها الحكومة مع عددٍ من مُوصِلي الخدمة الآخرين).

وقد بحثت معظم النساء عن المؤاساة في دينهن ليتصدَّيْن للعنف. فكانت الصلاة الآليَّةَ المشتركة الوحيدة للتصدِّي لصعوبة المعيشة بين المشاركات في الاستطلاع وفِرَق التركيز. ووصفت إحدى النساء تجربتها في الأخذ بالوجوه الروحانية للتصدِّي لصعوبة التجارب اليومية، قالت: «أصعد إلى حافة الوادي وأخاطب الله تعالى. أقعُدُ وأشرب كوب شاي من الأعشاب، وأدخِّن سيجارة، وأصرخ ما وسعني الصُّراخ، ثم أعود».

وقد ذكرنَ أنَّ آليَّات التصدِّي لصعوبة المعيشة كانت مفيدةً في العثور على عمل، وإشراك قادة المجتمع المسؤولين عن الأمن في مستوطنات من خيام غير الرسمية، واستعمال مُخفِّفات الآلام أو أدوية أخرى. وقال نحوٌ من ثلاثة أرباعهنَّ أنهنَّ طلبن المشورة في ما ينبغي فِعْلُه ووجدنَ دعم الحال الانفعاليَّة من المقرَّبين منهنَّ مفيداً. وقد وصفنَ البكاء أو تَرْك الحبل للمشاعر بأنّهما «لا طائل دونهما» ذلك أنَّ «الكَمَدَ باقٍ في النفس».

وتشير الأدلة المَرويَّة من موظَّفي منظَّمة أبعاد إلى أن وجوه الضعف قد زادت زيادةً بيّنة بين جميع سكان لبنان منذ أن جَمِعَت المعطيات في أيار/مايو 2019، إذ فقد كثير منهم دخلهم، وأبلغت النساء عن ارتفاع معدلات العنف الجنسانيّ على المرأة والضائقة النفسانيَّة. وقد تفاقمت هذه الحال منذ الانفجار الذي وقع في بيروت في 4 آب/أغسطس 2020 ومنذ تفشَّت جائحة داء الحُمَة التاجية (كوڤيد 19)، فسَرُعَ الانهيار الاقتصادي في لبنان، وعزل الناجيات من العنف الجنسانيّ على المرأة مع مرتكبيه، وإنشاء حواجز ماديّة بين المتضرِّرات وأنظمة دعمهنَّ. ويضاف إلى ذلك، أنه عُلِّقت كثير من الخدمات أو كُيِّفت في أثناء الجائحة، فضاقت سُبُل الناجيات.

على أنه خرج عن فِرَق المناقشات المركّزة أن عُلِمَت معاني كلمات مثل الضغط والغضب، فعُرِفَ أنها مرتبطة بسوء الصحَّة العقليَّة. وقد لا يشير هذان المصطلحان في اللغة الإنجليزية إلى نزاع الصحَّة العقليَّة، ولكن في هذا السياق تميل النساء إلى التهوين من أعراضهنَّ بسبب الوَصْم والضغط الاجتماعي على أن «تُقوِّين جأشَهنَّ» أو أن «تستجمعنَ عَزمهنَّ» أو كما يقال لهنَّ بالعاميَّة (شدِّي حالك).

التَّوصيات

ينبغي أن تسعى مقدِّمات الخدمات إلى تقديم خدمات شاملة، منخفضة الكلفة أو بلا تكلفة، في العنف الجنسانيّ على المرأة وفي دَعْم الصحَّة العقليَّة والحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة، مع دعم الإحالات، في أمكنة آمنة، موزَّعةً بحسب مقتضى الحال (لتقليل كلفة النَّقل). وينبغي تأمين وسائل النَّقل ورعاية الأطفال ما أمكن. ويمكن أن تُزادَ مسارات الإحالة بين مقدِّمات الخدمات في العنف الجنسانيّ على المرأة ودَعْم الصحَّة العقليَّة والحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة، وذلك بضمان تحقيق خدمات مناسبة للسِّن. فكثيراً ما كانت الخدمات مثل دعم الحال النفسانيَّة الاجتماعيَّة متاحة للبالغين الشباب ومتوسطي السِّن، ولكنها لم تكن متاحة دوماً للأطفال والمراهقين وكبار السِّن.

وقد أشارتِ المشاركات في فرقة التركيز إلى الوَصْم الهائل المتعلقة بالتِماس خدمات الصحَّة العقليَّة، ونقص مقدِّمات الخدمة المؤهَّلات، وانتفاء الأمكنة الآمنة التي تحفظ فيها السريَّة في المخيمات، وقلنَ إن كل ذلك عوائق أمام الرعاية. ويجوز أن تعالج هذه المُقلقَاتِ طُرُقُ المقاربة المُبتدَعَة، مثل استعمال خدمات الهاتف المحمول ذات الحيّز المادي الآمن والحافظ للسريَّة لتقديم الخدمة.

وهناك حاجة إلى جلسات توسيع المدارك لمعالجة مسألة إلقاء اللوم على الناجيات (أي إلقاء اللوم على الناجيات من العنف الجنسانيّ على المرأة في تجربتهن المُرَّة، وهو ما له سوء أثر في صحَّتهن العقليَّة ويؤدي أيضاً إلى استمرار الوَصْم) ولا يقتصر قصدها على أفراد المجتمع المحليّ ولكن تشمل أيضاً مقدِّمات الخدمات أنفسهم. وينبغي للفاعلين في ميدان العنف الجنسانيّ على المرأة الاستمرار في عقد جلسات توسيع المدارك على صعيد المجتمع المحليّ في الجنسانيَّة والعنف الجنسانيّ على المرأة، إضافةً إلى الإقرار بالضائقة النفسانيَّة والاستجابة لها، وتقديم آليات داعمة في الصُّمود لصعوبة المعيشة والأحوال. وينبغي أن تشمل التَّدريباتُ الوِقايةَ من الاستغلال والانتهاك الجنسيَّيْن والاستجابة لهما، ولا سيَّما في الأزمة الاقتصادية الراهنة. وينبغي للفاعلين في ميدان العنف الجنسانيّ على المرأة أن يستمرُّوا في عقد جلسات توسيع المدارك في آثار السُّوء الجسمانيَّة والنفسانيَّة والاجتماعيَّة التي يخلِّفها الزواج القسريّ والزواج المبكر. وينبغي أن تتولى الحملات المجتمعية إزالةَ الوَصْم من المحادثات الدائرة حول الصحَّة العقليَّة باستعمال مصطلحات محليَّة متَّصلة بالأمر. ذلك أنَّ المصطلحات المتداولة لوَصْف الصحَّة العقليَّة (أو اعتلال الصحَّة) بين هؤلاء السكَّان منحرفة عن المصطلحات السائدة (مثل الاكتئاب). وقد هوَّن كثير من المشاركات في فِرَق التركيز من تجاربهنَّ في الصحَّة العقليَّة باستعمالهنَّ مصطلحات ألطفَ أو مُكنَّيات (مثل ضغط بالمعنى العاميّ) لوصف أعراض أكثر حِدَّة، كالقلق الشَّديد.

ويمكن إذا ضُمِنَت إتاحة الخدمات للجميع بوضوح أن تُعِين على معالجة المعوِّقات التي تحول دون وصول أفراد المجتمع المُضِيف واللاجئات والعاملات في المنازل المهاجرات إلى الخدمات، فكثير منهنَّ سيكون لهنَّ معرفة قليلة بهذه الخدمات أو اعتقاد بأنَّ فئتهنَّ السكَّانيَّة غير مقصودة بالخدمات.

وأعمال التمكين الاقتصادي مهمةٌ لاعتراض تأثير وجوه الضعف في البيئة المحيطة. وينبغي أن تُقلِّل مثل هذه البرامج ما أمكن التقليل من خطر العنف الجنسانيّ على المرأة الناتج عن المُتحدِّي الذي قد يُنشِئه دَخْل المرأة في الشؤون الجنسانيّة السائدة، وذلك بإجراء تقدير شامل للجنسانيَّة وللعنف الجنسانيّ على المرأة لإِعلامِ إعداد البرنامج ورصدها وتقويمها، مع توجيهٍ تقنيّ من الفاعلين في ميدان العنف الجنسانيّ على المرأة.

وأخيراً، من المهم الإقرار بأنَّ عند اللاجئات وجوه ضعف مُحدَّدة، وقد يَكُنَّ أكثر ارتياحاً لطلب الدعم من مقدِّمات الخدمات اللاتي يأتين من المشرب نفسه الذي أتين منه ما استُطِيعَ ذلك. ثمَّ إنَّ إشراك الأعضاء السوريات من المنظَّمات الإنسانية في توسيع المدارك أو الخدمات الأخرى، أو العمل مع مقدِّمات الخدمات السوريات غير الرسميات أو قائدات المجتمع المحليّ، لبناء الثقة مع أفراد مجتمع اللاجئين، يمكن أن يُعِين على معالجة هذه المسألة.

 

ألينا بُتْس apotts@gwu.edu  @alina_potts 

عالمَةُ بحوث، في معهد المرأة العالمي

 

راسِيل بَرَدَا rbarada@gm.slc.edu

مستشارةٌ في الحماية من الاستغلال والانتهاك الجنسيَّيْن والعنف الجنسانيّ على المرأة، في منظَّمة أبعاد بمنطقة الشرق الأوسط وشماليّ إفريقيا

 

أنجِلا بوراسا abourassa@gwu.edu  @ABourassaMPH

باحثةٌ مشاركةٌ، في معهد المرأة العالمي

 

[1] انظر أيضاً www.fmreview.org/detention/anani .

[2] معهد بحوث مقرّه جامعة جُرْج واشنطن https://globalwomensinstitute.gwu.edu/.

[3] سيصدر عمّا قريب مؤلَّف بالنتائج كلِّها راجعه الأقران.

[4] استُعمِلَت أَداةُ تقديرٍ من مِقياس كِسْلَر للضائقة النفسانيَّة (+K6) لقياس الضائقة النفسانيَّة.

انظر:

 Segal S P, Khoury V C, Salah R and Ghannam J (2018) ‘Contributors to Screening Positive for Mental Illness in Lebanon's Shatila Palestinian Refugee Camp’. The Journal of Nervous and Mental Disease 206(1)

(المساهمون في تحرِّي الإصابة بالمرض العقليّ في مخيَّم شاتيلاً للاجئين الفلسطينيِّين في لبنان)

https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/28976407

إخلاء مسؤولية

جميع الآراء الواردة في نشرة الهجرة القسرية لا تعكس بالضرورة آراء المحررين ولا آراء مركز دراسات اللاجئين أو جامعة أكسفورد.

 

facebook logo Twitter logo RSS logo email.png

Forced Migration Review
Refugee Studies Centre
Oxford Department of International Development
University of Oxford
3 Mansfield Road, Oxford OX1 3TB, UK
fmr@qeh.ox.ac.uk  +44 (0)1865 281700